أول أرصدة كربون باتفاق باريس تواجه اتهامات بانتهاكات حقوقية وتضخيم الأثر المناخي
سوق الكربون الأممي في اختبار مبكر: هل تهدد النزاعات مصداقية آلية باريس؟
تواجه أول أرصدة كربون يتم اعتمادها ضمن آلية السوق الجديدة لاتفاق باريس انتقادات حادة من منظمات المجتمع المدني، التي أثارت مخاوف مزدوجة تتعلق بحقوق الإنسان ونزاهة التأثير المناخي، في اختبار مبكر لمصداقية النظام العالمي لتجارة الكربون.
وتتركز الانتقادات حول مشروع لتوزيع مواقد طهي محسّنة في ميانمار، حصل في فبراير الماضي على موافقة لإصدار نحو 650 ألف رصيد كربوني ضمن آلية المادة 6.4، وهي إحدى الأدوات الرئيسية التي يعوّل عليها لتمويل خفض الانبعاثات في الدول النامية.
لكن تقارير حديثة، قادها تحالف الغابات العالمي ومنظمة “كاربون ماركت ووتش”، تشير إلى أن المشروع قد يكون “بالغ بشكل كبير” في تقدير خفض الانبعاثات، فضلًا عن ارتباطه غير المباشر بالسلطات العسكرية في ميانمار، التي تواجه اتهامات أممية بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

سياق سياسي معقد يهدد مصداقية المشروع
يأتي الجدل في ظل الوضع السياسي المتدهور في ميانمار منذ انقلاب فبراير 2021، والذي أدخل البلاد في حرب أهلية واسعة النطاق، تخللتها هجمات على المدنيين ونزوح جماعي وانتهاكات موثقة بحق الأقليات.
ورغم أن المشروع انطلق عام 2018 ضمن آلية “التنمية النظيفة” التابعة لبروتوكول كيوتو، فإنه استمر في العمل بعد الانقلاب، بالتعاون مع وزارة الموارد الطبيعية والبيئة التي أصبحت تحت سيطرة المجلس العسكري.
وترى المنظمات المنتقدة أن استمرار المشروع في هذا السياق يثير إشكالية أخلاقية، إذ قد يسهم بشكل غير مباشر في تمويل أو إضفاء شرعية على نظام متهم بانتهاكات جسيمة، حتى وإن لم يكن ذلك الهدف المباشر للمشروع.
غياب التحقق الميداني يفاقم الشكوك
أحد أبرز أوجه القلق يتمثل في عدم القدرة على إجراء عمليات تحقق ميداني مستقلة بسبب الأوضاع الأمنية. فوفقًا للوثائق، لم يتمكن المدققون من مغادرة العاصمة يانغون، واضطروا للاعتماد على مقابلات افتراضية مع المستفيدين.
هذا القيد يطرح تساؤلات جوهرية حول دقة البيانات المستخدمة في احتساب خفض الانبعاثات، خاصة في مناطق مثل إقليم ساجاينغ، التي تعد من أكثر المناطق تضررًا من النزاع وتشهد عمليات عسكرية متكررة.
ويرى خبراء أن غياب التحقق المباشر يفتح الباب أمام أخطاء أو حتى تلاعب محتمل، ما قد يقوض الثقة في الأرصدة الصادرة، وهي حجر الأساس في أسواق الكربون.

خلاف حول منهجية حساب الانبعاثات
يتجاوز الجدل البعد السياسي ليشمل الأسس العلمية للمشروع. إذ يعتمد البرنامج على منهجية قديمة تعود إلى آليات كيوتو، سبق أن رفضها مجلس نزاهة سوق الكربون الطوعي لعدم كفاية صرامتها.
وتشير تحليلات مستقلة إلى أن المشروع قد يصدر أرصدة تفوق تأثيره الحقيقي بنحو سبعة أضعاف، نتيجة عدم احتساب ظاهرة “الاستخدام المتعدد للمواقد”، حيث تستمر الأسر في استخدام مواقد تقليدية ملوِّثة إلى جانب المواقد النظيفة.
في المقابل، تدافع الجهة المنفذة عن المشروع، مؤكدة أنها التزمت بالمنهجيات المعتمدة أمميًا، وأن التقديرات خضعت بالفعل لتعديلات أكثر تحفظًا بعد الانتقال إلى آلية باريس، ما أدى إلى تقليص عدد الأرصدة بنحو 40%.
تداعيات أوسع على مستقبل أسواق الكربون
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها تمثل أول اختبار عملي لآلية المادة 6.4، التي يُفترض أن تضمن خفضًا حقيقيًا وقابلًا للقياس في الانبعاثات، مع الحفاظ على معايير النزاهة البيئية.
كما أن الأرصدة الناتجة عن المشروع يُتوقع استخدامها من قبل شركات كورية جنوبية للامتثال لالتزاماتها المناخية، ما يعني أن أي خلل في مصداقيتها قد ينعكس على مصداقية أنظمة تداول الانبعاثات الوطنية.
ويحذر خبراء من أن “الإفراط في إصدار الأرصدة”، حتى لو كان محدودًا، يتعارض مع هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، لأنه يمنح انطباعًا زائفًا بتحقيق خفض في الانبعاثات.

بين الضرورة المناخية والمخاطر الأخلاقية
تعكس القضية معضلة أعمق في العمل المناخي الدولي: كيف يمكن تحقيق خفض سريع للانبعاثات في الدول النامية، دون التغاضي عن السياقات السياسية والحقوقية المعقدة؟
فبينما تُعد مشروعات الطهي النظيف أداة مهمة لتحسين جودة الهواء وخفض الانبعاثات، فإن تنفيذها في مناطق نزاع يفرض تحديات تتعلق بالشفافية والمساءلة.
وفي ظل هذه التحديات، تتزايد الدعوات لإجراء تحقيق مستقل وتعليق إصدار الأرصدة مؤقتًا، إلى حين التأكد من سلامة المنهجية والظروف المحيطة بالمشروع، بما يحافظ على مصداقية آلية اتفاق باريس ككل.





