أهم الموضوعاتأخبارالتنمية المستدامة

ابتكارات الأزياء المستدامة قد تؤدي إلى زيادة الإنتاج والاستهلاك عالمياً وتهدد البيئة

موضة إعادة التدوير.. هل الابتكارات الخضراء في الأزياء قد تسرّع الأزمة البيئية بدلاً من حلّها

الاقتصاد الدائري – القائم على «التقليل وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير» – يُروَّج له منذ سنوات بوصفه أحد حلول الأزمة البيئية.
فبدلاً من نموذج «الاستخراج، التصنيع، الاستخدام، والتخلص» يهدف إلى إبقاء المواد في دائرة الاستخدام لأطول فترة ممكنة.
في قطاع الأزياء، يتجاوز ذلك إصلاح الملابس أو الشراء من المستعمل ليشمل ابتكارات مثل منصات تأجير الملابس، وإعادة التدوير من ليف إلى ليف، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لخفض الفاقد في سلاسل التوريد وفرز المنسوجات.
يبدو هذا وكأنه حل يحقق فوزاً مزدوجاً: نفايات أقل، مواد خام أقل، وبصمة بيئية أخف.
لكن الواقع قد يكون مغايراً. ففي دراسة حديثة وجدنا أن ابتكارات الاقتصاد الدائري – خصوصاً في صناعة المنسوجات والملابس – يمكن أن تؤدي إلى ما يُسمى «تأثير الارتداد العكسي»، أي زيادة الإنتاج والاستهلاك بما قد يمحو المكاسب البيئية.
يحدث ذلك عندما تؤدي الكفاءة وخفض التكاليف إلى جذب المستهلكين لشراء المزيد بدافع أن المنتج “مستدام”.
يقيس “تأثير الارتداد” أثر الابتكار على الإنتاج، ويتراوح بين أقل من الصفر (حفظ فائق للموارد – أفضل سيناريو بيئي) إلى أكثر من واحد (ارتداد عكسي – الأسوأ بيئياً).
وليس هذا المفهوم جديداً؛ ففي عام 1865 لاحظ الاقتصادي البريطاني ويليام ستانلي جيفونز أن تحسين كفاءة الفحم أدى إلى زيادة استهلاكه، واليوم قد تتكرر الظاهرة نفسها في الموضة.
الملابس المعاد تدويرها والمسوقة كمنتجات صديقة للبيئة قد تغري المستهلكين بشراء المزيد، وإذا توسعت العلامات التجارية محلياً أو عالمياً، يتضاعف الأثر البيئي السلبي، فتتلاشى معظم مكاسب إعادة التدوير.

ثاني أكثر القطاعات تلويثاً بعد الطاقة

انتاج المنسوجات
انتاج المنسوجات

 

حتى الآن لم تُقدَّر هذه الظاهرة كمياً على مستوى عالمي في قطاع النسيج.
علماً بأن صناعة الملابس والمنسوجات تُعد ثاني أكثر القطاعات تلويثاً بعد الطاقة، إذ تستهلك نحو 20% من مياه العالم سنوياً، وتطلق 1.7 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون (قرابة 10% من الانبعاثات العالمية)، وتنتج 92 مليون طن من النفايات سنوياً، بينما يُعاد تدوير أقل من 1%.
ومع توقع ارتفاع الإنتاج العالمي السنوي للمنسوجات الجديدة إلى 160 مليون طن بحلول 2030 (مقارنة بـ124 مليون طن في 2023)، فإن سرعة هذا النمو تفرض مزيداً من إعادة التدوير وإعادة الاستخدام.
لكن أبحاثنا تشير إلى أن الابتكارات البيئية قد تقود فعلياً إلى مستويات أعلى من استهلاك النسيج عالمياً.
فقد وجدنا متوسط ارتداد عكسي عالمي بمقدار 1.6، أي أنه مقابل كل زيادة 1% في الابتكار البيئي بالمنسوجات يرتفع إنتاج المنسوجات الجديدة بنسبة 0.6%.

انتاج الملابس الجديدة
انتاج الملابس الجديدة

يشبه ذلك السيارات الأكثر كفاءة في استهلاك الوقود: بدلاً من ادخار الوقود قد يقود الناس أكثر.
وبالمثل، بدلاً من تخفيف الضغط عن الكوكب، يؤدي الابتكار في النسيج إلى مزيد من الإنتاج والضرر، ما نحتاجه فعلاً هو ارتداد أقل من 1 (ارتداد جزئي) أو أقل من صفر (حفظ فائق).
فما الذي يسبب هذا الارتداد في المنسوجات؟ عندما يُدخل ابتكار فعال في إعادة التدوير تنخفض تكاليف الإنتاج، فيُقبل المستهلكون على الشراء بفعل الأسعار المنخفضة والجاذبية الأخلاقية للمنتجات «المستدامة»، وتوسّع الشركات أسواقها، سريعاً ما تتغلب زيادة الطلب على مكاسب الابتكار، فتزداد الأضرار البيئية.
هذا لا يعني التخلي عن استراتيجيات الاقتصاد الدائري في الموضة، لكن يجب وضع ضوابط، ففي محاكياتنا تبيَّن أن فرض ضريبة «بيجوفية» (ضريبة على السلوك الضار) فعّال في الحد من تأثير الارتداد.
وكلما زادت كفاءة الابتكار الدائري ارتفع مقدار الضريبة اللازمة لمنع الاستهلاك غير المستدام.
فبالنسبة للمنسوجات، يتطلب تحسين كفاءة بنسبة 10% من الابتكار الدائري – مثل إعادة التدوير من ليف إلى ليف أو فرز المنسوجات بالذكاء الاصطناعي – ضريبة موحدة بحد أدنى 1.25% على الإنتاج لمنع الارتداد الكامل، ويمكن لضريبة 2.5% تقليص الارتداد إلى مستويات مقبولة (ارتداد جزئي).

ويمكن لأدوات السياسات التقليدية تحقيق نتائج مماثلة، بما في ذلك تحديد سقف لإنتاج الملابس الجديدة، وتقديم حوافز لإطالة عمر المنتجات، وتشجيع الاستهلاك المستدام فعلياً.
ونظراً لأن تأثير الارتداد ليس موحداً عالمياً، تتطلب هذه السياسات تنسيقاً دولياً وتدابير خاصة بكل منطقة، ففي بنجلاديش – حيث تمثل المنسوجات أكثر من 80% من الصادرات وتوظف ملايين الأشخاص – قد تدمّر القيود المباشرة على «الموضة السريعة» سبل العيش.
لكن الطلب من الدول الغنية على الملابس الرخيصة هو ما يغذي هذا الاعتماد. لذا يجب أن توازن السياسات بين الأهداف البيئية العالمية والواقع الاقتصادي المحلي.
لكن التحدي أعمق، إذ يمس التوتر بين النظام الاقتصادي القائم على النمو وحدود الكوكب.
فـ«نظرية النمو الصفري» – وهي فكرة مثيرة للجدل لكنها تتزايد مناقشتها – تتساءل عن إمكانية تحقيق الاستدامة الحقيقية في اقتصادات تعتمد على الاستهلاك المتزايد.
التغيير السلوكي أساسي، ويعني تبني أسلوب حياة بسيط وإعادة الاستخدام وشراء ما يضيف قيمة حقيقية فقط.
في عالم الموضة قد يشمل ذلك حملات تشجع على إصلاح الملابس وتقليل الاستهلاك، مدعومة بسياسات توجه المستهلكين نحو هذه العادات المستدامة.

اصلاح الملابس القديمة

وهناك بالفعل أمثلة واقعية: لدى فرنسا صندوق لإصلاح الملابس يعيد جزءاً من تكلفة الصيانة، ويعمل برنامج «واست آند ريسورسز أكشن» في بريطانيا وأوروبا وأستراليا كشراكة عامة–خاصة لخفض النفايات في قطاع الموضة. كما تسعى مبادرات مثل «بيتر كوتون» و«كاسكال» و«فاشن باكت» إلى تحويل الإنتاج نحو ممارسات أكثر استدامة.
وتعد دراستنا الأولى التي تقيس تأثير الارتداد للابتكار الدائري في المنسوجات على المستويين العالمي والإقليمي.
وتوحي نتائجها بواقع معقد: الدائرية يمكن أن تساعد، لكنها من دون تغييرات إضافية قد تسرّع المشكلات التي أُنشئت لحلها.
ونعتقد أن قياس هذا التأثير أمر حاسم لضمان فاعلية السياسات. يحتاج قطاع الأزياء إلى دعم وعوده بالاستدامة بالأدلة، لا بالنوايا الحسنة فقط.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading