ملفات خاصةأخبارالاقتصاد الأخضر

إعادة تأهيل مصانع الحديد والصلب قد تخفّض الانبعاثات بـ22 مليار طن حتى 2050

4,900 مصنع عالمي أمام اختبار الحياد الكربوني.. نموذج عالمي جديد يرسم خريطة خفض انبعاثات صناعة الحديد

في خطوة علمية غير مسبوقة، طوّر فريق بحثي من جامعة كلية لندن (UCL) قاعدة بيانات ونموذجًا اقتصاديًا ضخمًا لتحديد أكثر الطرق كفاءة من حيث التكلفة لتقليص الانبعاثات الكربونية من مصانع الحديد والصلب حول العالم، وهي الصناعة التي تعد من أكبر المساهمين في الاحتباس الحراري عالميًا، بنسبة 7% من إجمالي الانبعاثات.

الدراسة، التي نشرتها دورية Nature المرموقة، لم تكتفِ بتوصيف الأزمة، بل قدّمت خريطة طريق واقعية قائمة على تحليل بيانات نحو 4,900 مصنع حديد وصلب في مختلف القارات، لتجيب على سؤال ملحّ:

كيف يمكن للعالم أن يُقلّص البصمة الكربونية لصناعة الصلب دون أن يُنهك اقتصاده؟

ثلاثة مسارات… وثلاثة عوالم من التكلفة والعائد

اعتمد الباحثون على نموذجهم المسمى NZP-Steel لتقييم ثلاثة سيناريوهات مختلفة لتحديث المصانع:

المسار المتوسط(Medium Pathway)

يعتمد على إعادة تأهيل المصانع تدريجيًا مع تقادمها، ويمثل الحل الأكثر توازنًا بين الكلفة والنتائج.

هذا الخيار وحده قادر على خفض 22.4 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون بين عامي 2020 و2050،

بتكلفة تقديرية تبلغ 543.4 مليار دولار، أي حوالي 24.7 دولارًا لكل طن من الكربون.

احتجاجات النشطاء ضد مصانع الحديد والصلب
  • المسار المتأخر(Late Pathway)

يقوم على تأجيل تحديث المصانع حتى آخر دورة تشغيل ممكنة، وهو الأرخص ماليًا بتكلفة تبلغ نحو 351 مليار دولار، لكنه لا يحقق سوى خفض محدود بنحو 13.5 مليار طن من الانبعاثات خلال الفترة ذاتها.

  • المسار المبكر(Early Pathway)

يتمثل في تسريع وتيرة التحول التكنولوجي لجميع المصانع فورًا، ما قد يخفض الانبعاثات بمقدار 52.7 مليار طن،

لكنه سيكلف العالم أكثر من 2.8 تريليون دولار، أي خمس أضعاف تكلفة المسار المتوسط.

ويرى الفريق البحثي أن الخيار المتوسط يمثل النهج الأكثر واقعية سياسيًا واقتصاديًا، لأنه يمنح الشركات مرونة زمنية واستثمارية، ويضمن أثرًا بيئيًا ملموسًا دون انهيار مالي.

الصلب.. العمود الفقري للاقتصاد وأحد أثقل الصناعات تلويثًا

بحسب الدراسة، ينتج قطاع الحديد والصلب نحو 2.7 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو ما يعادل انبعاثات دولة بحجم الهند تقريبًا.

ويرجع هذا العبء البيئي إلى أن إنتاج الحديد يعتمد على أفران تعمل بالفحم الحجري والوقود الأحفوري، فضلاً عن بنية تحتية ضخمة وطويلة العمر تجعل عملية التحول إلى تقنيات نظيفة بطيئة ومعقدة.

ومع التوسع الحضري والصناعي المتسارع في آسيا وأفريقيا، يتوقع أن ترتفع انبعاثات الصلب عالميًا ما لم تتدخل الحكومات والشركات بتدابير جذرية خلال العقد الحالي.

النشطاء ضد تلوث الهواء والتربة بسبب مصانع الحديدو الصلب

التقنيات النظيفة: من الهيدروجين إلى الصهر الكهربائي المباشر

يشير الباحثون إلى أن خفض الانبعاثات لا يعتمد على حل واحد، بل على مزيج من التقنيات المساندة التي تتفاوت في النضج والكلفة، مثل: 

  • إعادة تدوير الخردة لخفض الطلب على الحديد الخام.
  • احتجاز الكربون وتخزينه(CCS) لتقليل الانبعاثات من الأفران الحالية.
  • استخدام الهيدروجين الأخضر بديلاً للفحم في عمليات الاختزال المباشر.
  • الطاقة الحيوية والكهربائية في مراحل الصهر.
  • الصهر الكهربائي المباشر(Electrorefining) كأحد الحلول الثورية قيد التطوير.

لكن التحدي الأكبر، كما يقول الباحثون، هو أن كل مصنع يختلف عن الآخر من حيث العمر، الطاقة الإنتاجية، نوع التكنولوجيا، والموقع الجغرافي، مما يجعل التحول عملية معقدة تتطلب حلولًا مصممة خصيصًا لكل منشأة.

كلمة الباحثين: لا طريق إلى “صفر كربون” دون إرادة سياسية

قال البروفيسور جينج منج، الباحث الرئيسي من كلية “بارتليت” للبناء المستدام في UCL، “الصلب من أكثر الصناعات صعوبة في خفض الانبعاثات، لكن دراستنا تُظهر أن تحقيق الحياد الكربوني ممكن إذا تبنّت الحكومات والشركات خطة تحديث تدريجية قائمة على البيانات الدقيقة.”

أما البروفيسور دابو جوان، المشارك في إعداد النموذج، فأوضح: “ليس هناك نهج واحد يناسب الجميع، لقد طوّرنا أداة تجمع بين البيانات الاقتصادية والتكنولوجية لتُظهر المسارات الواقعية والأقل تكلفة لكل مصنع في العالم.”

وشدد الفريق البحثي على أن التحول لن يتحقق إلا بتدخل حكومي فاعل، سواء عبر حوافز مالية، أو تشريعات صارمة تُجبر المصانع على تبني تقنيات منخفضة الكربون، وإلا فإن عددًا محدودًا فقط من المنشآت سيُحدث فرقًا ملموسًا.

نموذج “NZP-Steel”  قاعدة بيانات من قلب الصناعة

اعتمد النموذج الجديد على تحليل تفصيلي لـ 1,967 مصنعًا رئيسيًا تمثل نحو 98% من إنتاج الصلب العالمي، و90% من إجمالي الانبعاثات الكربونية للقطاع.

وجرى دمج هذه البيانات مع توقعات ديناميكية لتكاليف التقنيات المستقبلية، ما أتاح تصميم استراتيجيات مخصصة على مستوى كل مصنع لمساعدة صناع القرار في تحديد المسار الأقل تكلفة نحو “الصلب الخالي من الكربون”.

نقطة التحول العالمية

تأتي هذه النتائج في وقت تتسابق فيه الحكومات والشركات للوفاء بالتزامات اتفاق باريس للمناخ، بينما تواجه الصناعات الثقيلة ضغوطًا متزايدة لتقليص بصمتها البيئية دون التضحية بالإنتاج أو النمو الاقتصادي.

ويؤكد الباحثون أن التحرك الآن هو ما سيحدد ما إذا كان العالم سينجح في تصفير انبعاثات الصلب بحلول منتصف القرن، أم سيظل هذا القطاع أحد آخر معاقل الكربون في الاقتصاد العالمي.

النتيجة الحاسمة

لا يمكن للعالم أن يبلغ الحياد الكربوني دون إصلاح صناعة الحديد والصلب،والتحديث الذكي للمصانع هو المفتاح الذي يوازن بين البيئة والاقتصاد، هكذا يختصر البروفيسور منج رسالة الدراسة، التي تمثل، وفق المراقبين، أكبر تحليل كمي على الإطلاق لقطاع الصلب العالمي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading