الرياضة تحمي القلب.. لكن 150 دقيقة أسبوعيًا قد تكون مجرد «حد أدنى»
10 ساعات من الرياضة أسبوعيًا؟ دراسة تكشف المستوى المرتبط بحماية أكبر للقلب
دراسة على أكثر من 17 ألف شخص تكشف أن خفض خطر أمراض القلب والأوعية الدموية بأكثر من 30% ارتبط بممارسة 560 إلى 610 دقائق من النشاط البدني أسبوعيًا.. واللياقة البدنية قد تحدد مقدار الرياضة الذي يحتاجه كل شخص
هل تكفي ممارسة الرياضة لمدة 150 دقيقة أسبوعيًا لحماية القلب؟ يبدو أن الإجابة تعتمد على الهدف الذي يسعى إليه الشخص.
فقد كشفت دراسة واسعة أن الالتزام بالحد الأدنى الشائع للتوصيات الصحية، والبالغ 150 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني متوسط إلى مرتفع الشدة، ارتبط بانخفاض متواضع في خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بينما ارتبطت مستويات أعلى بكثير من النشاط البدني بانخفاض أكبر في الخطر.
ووجد الباحثون أن الوصول إلى انخفاض يتجاوز 30% في خطر الأحداث القلبية الوعائية ارتبط بممارسة نحو 560 إلى 610 دقائق من النشاط البدني متوسط إلى مرتفع الشدة أسبوعيًا، أي ما يعادل نحو 9 إلى 10 ساعات أسبوعيًا، أو قرابة ساعة ونصف يوميًا في المتوسط.
ولا تعني هذه النتائج أن التوصية الحالية بممارسة 150 دقيقة أسبوعيًا غير مفيدة؛ بل تشير إلى أن هذا المستوى قد يمثل حدًا أدنى فعالًا وليس بالضرورة المستوى الذي يرتبط بأكبر قدر من الحماية القلبية.

دراسة على أكثر من 17 ألف شخص
أجرى باحثون من جامعة ماكاو للفنون التطبيقية في الصين تحليلًا لبيانات 17 ألفًا و88 شخصًا من المشاركين في قاعدة بيانات UK Biobank.
وكان متوسط أعمار المشاركين نحو 57 عامًا، وشكلت النساء 56% من المجموعة، بينما كان نحو 96% من المشاركين من ذوي البشرة البيضاء، وهو ما يمثل أحد القيود المهمة عند تعميم النتائج على جميع السكان.
وخضع المشاركون لتقييم مستويات نشاطهم البدني، إذ ارتدى كل منهم جهازًا على المعصم لمدة 7 أيام متتالية لتسجيل النشاط المعتاد.
كما أجروا اختبارًا لركوب الدراجات استُخدم لتقدير مستوى اللياقة القلبية التنفسية، من خلال مؤشر يعرف باسم VO2 max، الذي يعكس قدرة الجسم على امتصاص الأكسجين واستخدامه أثناء المجهود.
وأخذ الباحثون في الاعتبار عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في صحة القلب، من بينها التدخين، واستهلاك الكحول، والنظام الغذائي، ومؤشر كتلة الجسم، ومعدل ضربات القلب أثناء الراحة، وضغط الدم والحالة الصحية التي أبلغ عنها المشاركون.

ماذا يعني VO2 max؟
يعد VO2 max أحد المؤشرات المهمة لقياس اللياقة القلبية التنفسية، ويشير إلى أقصى معدل يستطيع الجسم عنده الحصول على الأكسجين واستخدامه أثناء النشاط البدني الشديد.
ويعكس هذا المؤشر مدى كفاءة عمل القلب والرئتين والعضلات معًا في نقل الأكسجين واستخدامه لإنتاج الطاقة.
وتشير الدراسة إلى أن مستوى اللياقة الأساسي للشخص قد يلعب دورًا في تحديد مقدار النشاط الذي يحتاج إليه لتحقيق مستوى معين من الحماية القلبية.
أكثر من 1200 حدث قلبي خلال 8 سنوات
تابع الباحثون المشاركين لمدة متوسطها 7.8 سنوات، وخلال هذه الفترة سجلوا 1233 حدثًا من أحداث أمراض القلب والأوعية الدموية.
وشملت هذه الحالات:
- 874 حالة من الرجفان الأذيني
- 156 حالة احتشاء عضلة القلب
- 111 حالة فشل قلبي
- 92 حالة سكتة دماغية
وعند مقارنة مستويات النشاط البدني بمخاطر الإصابة بهذه الأحداث، ظهرت علاقة واضحة بين مقدار النشاط ومستوى الحماية القلبية، وإن كانت العلاقة لا تثبت بمفردها أن ممارسة الرياضة هي السبب المباشر في انخفاض الخطر.
ماذا حدث عند ممارسة 150 دقيقة أسبوعيًا؟
الأشخاص الذين حققوا مستوى 150 دقيقة من النشاط البدني متوسط إلى مرتفع الشدة أسبوعيًا، وهو المستوى المستخدم على نطاق واسع في توصيات الصحة العامة، ارتبطت لديهم مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بانخفاض يتراوح بين 8 و9%.
وظهر هذا الانخفاض بصورة متقاربة عبر مستويات اللياقة البدنية المختلفة.
وهذا يعني أن ممارسة 150 دقيقة أسبوعيًا لا تزال تحمل فوائد صحية حقيقية، لكنها قد لا تكون المستوى المرتبط بأكبر قدر من خفض المخاطر.
وتشير النتائج إلى أن الفرق بين «الحد الأدنى المفيد» و«المستوى المرتبط بحماية أكبر» قد يكون كبيرًا.

560 إلى 610 دقائق.. الرقم المفاجئ
عندما بحث الباحثون عن المستوى المرتبط بانخفاض أكبر من 30% في خطر الأحداث القلبية الوعائية، وجدوا أن هذا المستوى ارتبط بممارسة ما بين 560 و610 دقائق من النشاط البدني متوسط إلى مرتفع الشدة أسبوعيًا.
وتعادل هذه المدة نحو: 9 إلى 10 ساعات من النشاط البدني أسبوعيًا.
وتشمل الأنشطة متوسطة إلى مرتفعة الشدة، بحسب الدراسة، أنشطة مثل المشي السريع والجري وركوب الدراجات.
لكن الوصول إلى هذا المستوى ليس شائعًا؛ إذ لم يحققه سوى نحو 12% من المشاركين في الدراسة.
هل يحتاج الأقل لياقة إلى ممارسة الرياضة أكثر؟
كشفت الدراسة عن نتيجة أخرى مهمة، وهي أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستويات أقل من اللياقة البدنية قد يحتاجون إلى وقت أطول من النشاط البدني لتحقيق مستوى مماثل من خفض المخاطر مقارنة بالأشخاص الأكثر لياقة.
فعلى سبيل المثال، ارتبط انخفاض خطر الأحداث القلبية الوعائية بنسبة 20% بممارسة نحو 370 دقيقة أسبوعيًا لدى أصحاب أدنى مستويات اللياقة، مقابل نحو 340 دقيقة أسبوعيًا لدى الأشخاص أصحاب أعلى مستويات اللياقة.
أي أن الفارق بلغ نحو 30 دقيقة أسبوعيًا في هذا المثال، وعمومًا، احتاج أصحاب مستويات اللياقة الأقل إلى نحو 30 إلى 50 دقيقة إضافية أسبوعيًا مقارنة بالأكثر لياقة لتحقيق فوائد مماثلة.

لماذا قد تكون اللياقة البدنية مهمة؟
لا ينظر الجسم إلى النشاط البدني بمعزل عن مستوى اللياقة الأساسي، فالشخص الذي يتمتع بقدرة قلبية تنفسية مرتفعة يستطيع عادة أداء النشاط بكفاءة أكبر، بينما قد يمثل النشاط نفسه جهدًا أكبر بالنسبة لشخص قليل اللياقة.
ولهذا يرى الباحثون أن التوصيات المستقبلية قد تحتاج إلى الانتقال تدريجيًا من نموذج «مقاس واحد يناسب الجميع» إلى توصيات أكثر تخصيصًا تراعي مستوى اللياقة البدنية للفرد.
هل يجب أن نمارس الرياضة 10 ساعات أسبوعيًا؟
ليس بالضرورة، وهذه من أهم النقاط التي يجب الانتباه إليها عند قراءة نتائج الدراسة.
فالرقم 560 إلى 610 دقائق لا يمثل «وصفة طبية» يجب على جميع الأشخاص الالتزام بها، وإنما هو مستوى من النشاط ارتبط بانخفاض كبير في المخاطر ضمن بيانات هذه الدراسة.
كما أن الدراسة رصدية، وبالتالي لا يمكنها إثبات أن الأشخاص الذين مارسوا الرياضة لساعات أطول انخفض لديهم خطر الإصابة بأمراض القلب بسبب الرياضة وحدها.
فقد تكون هناك عوامل أخرى تميز الأشخاص الأكثر نشاطًا، مثل أنماط الحياة الصحية، والنظام الغذائي، والحالة الاجتماعية والاقتصادية، والرعاية الصحية، وغيرها.

الدراسة لا تلغي توصية الـ150 دقيقة
وأكد الباحثون أن نتائجهم لا تعني أن توصيات ممارسة 150 دقيقة أسبوعيًا أصبحت خاطئة.
بل يرون أن هذه التوصية لا تزال تمثل حدًا أدنى عمليًا ومفيدًا للصحة العامة، خصوصًا أن نسبة كبيرة من الأشخاص لا تصل أصلًا إلى هذا المستوى.
والرسالة الأكثر دقة التي تقدمها الدراسة هي أن الأشخاص القادرين على ممارسة نشاط بدني أكبر قد يحصلون على فوائد إضافية لصحة القلب.
وبالتالي، فإن الانتقال من الخمول إلى ممارسة بعض النشاط يمثل خطوة مهمة، والانتقال من النشاط القليل إلى المستويات الموصى بها قد يقدم فوائد إضافية، بينما قد يؤدي رفع مستوى النشاط لدى الأشخاص القادرين على ذلك إلى خفض أكبر للمخاطر.
ما الأنشطة التي يمكن ممارستها؟
النشاط البدني متوسط إلى مرتفع الشدة لا يعني بالضرورة ممارسة الرياضات الاحترافية أو قضاء ساعات طويلة في صالات الألعاب الرياضية.
يمكن أن يشمل أنشطة يومية مثل:
- المشي السريع
- الجري
- ركوب الدراجة
- بعض أنواع التمارين الهوائية
- الأنشطة الرياضية التي ترفع معدل ضربات القلب والتنفس
لكن مقدار النشاط المناسب يختلف من شخص إلى آخر، خاصة لدى كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو لديهم عوامل خطر قلبية.

الدراسة لها عدة قيود
رغم ضخامة قاعدة البيانات، فإن الدراسة لا تخلو من القيود.
أولًا، كانت دراسة رصدية، ولذلك لا يمكن إثبات علاقة سببية مباشرة بين زيادة النشاط وانخفاض خطر أمراض القلب.
ثانيًا، جرى تقدير اللياقة القلبية التنفسية بدلًا من قياسها بصورة مباشرة، كما لم يتناول التحليل بشكل كامل تأثير الوقت الذي يقضيه الأشخاص في الجلوس أو ممارسة الأنشطة منخفضة الشدة.
كذلك كان المشاركون في UK Biobank أكثر تمثيلًا لبعض الفئات السكانية مقارنة بغيرها، إذ كان 96% منهم من ذوي البشرة البيضاء، وهو ما يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع المجموعات السكانية.
كما أن المشاركين قد يكونون، في المتوسط، أكثر صحة ولياقة من عامة السكان، وهو ما يمكن أن يؤثر في النتائج.
من «الحد الأدنى» إلى «الجرعة المثلى»
تطرح الدراسة فكرة مهمة بشأن طريقة صياغة الإرشادات الرياضية مستقبلًا.
فبدلًا من تقديم رقم واحد باعتباره الهدف النهائي للجميع، قد يكون من المفيد التمييز بين الحد الأدنى من النشاط اللازم للحصول على فوائد صحية وبين مستويات النشاط الأعلى التي قد ترتبط بخفض أكبر في المخاطر.
ويشير الباحثون إلى أن التوصيات المستقبلية يمكن أن تفرق بين الحد الأدنى من النشاط متوسط إلى مرتفع الشدة اللازم لتوفير هامش أساسي من الحماية، وبين المستويات الأعلى التي قد ترتبط بانخفاض أكبر في خطر أمراض القلب والأوعية الدموية.

الخلاصة.. لا تتخل عن الـ150 دقيقة
تكشف الدراسة أن 150 دقيقة من النشاط البدني أسبوعيًا ليست بلا فائدة، بل ارتبطت بانخفاض قدره 8 إلى 9% في خطر الأحداث القلبية الوعائية بين المشاركين.
لكن إذا كان الهدف هو الوصول إلى انخفاض يتجاوز 30% في الخطر، فقد ارتبط ذلك في هذه الدراسة بمستويات أعلى بكثير من النشاط، تراوحت بين 560 و610 دقائق أسبوعيًا.
والأهم أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر إحباط لمن لا يستطيع ممارسة 9 أو 10 ساعات من الرياضة أسبوعيًا.
فالرسالة الصحية الأساسية تظل أن ممارسة بعض النشاط أفضل من الخمول، والوصول إلى الحد الموصى به خطوة مهمة، وزيادة النشاط تدريجيًا قد تمنح فوائد إضافية لمن يستطيع ذلك.
وبدلًا من النظر إلى 610 دقائق باعتبارها رقمًا إلزاميًا، يمكن النظر إلى نتائج الدراسة باعتبارها دليلًا إضافيًا على أن العلاقة بين النشاط البدني وصحة القلب ليست مجرد سؤال من نوع «تمارس الرياضة أم لا؟»، بل تتعلق أيضًا بمقدار النشاط ومستوى اللياقة البدنية والاستجابة الفردية له.





