هل يعيش الناس عمرًا أطول فعلًا في المناطق الزرقاء؟ هذه أشهر مناطق في العالم للمعمرين
أنماط طول العمر قد تضعف مع تغيّر العادات الغذائية وأنماط العمل والحركة اليومية
لطالما حظيت «المناطق الزرقاء» بإشادة واسعة باعتبارها نماذج عالمية لطول العمر والحياة الصحية، في وقت أثار فيه بعض الباحثين شكوكًا حول دقة الأعمار المسجلة لسكانها.
دراسة علمية محكّمة جديدة أعادت فحص السجلات الأصلية، لتخلص إلى أن أنماط طول العمر في هذه المناطق تصمد أمام عمليات تحقق صارمة ودقيقة من الأعمار.
الوثائق وراء ادعاءات طول العمر
بدلًا من إعادة مناقشة أنماط الحياة أو الأنظمة الغذائية، ركّز الباحثون في هذه الدراسة على الوثائق الرسمية التي تُحدد ما إذا كانت الأعمار الاستثنائية موثوقة بالفعل.
قاد الدراسة الدكتور ستيفن ن. أوستاد من جامعة ألاباما في برمنجهام، المتخصص في أبحاث الشيخوخة وتأثير البيئة في الصحة، والمشرف على برامج الشيخوخة الصحية بالجامعة.
نُشرت الدراسة في مجلة The Gerontologist العلمية المتخصصة.
ما الذي يجعل المنطقة «زرقاء»؟
تحصل أي منطقة على تصنيف «زرقاء» عندما يظهر فيها عدد كبير من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 90 و99 عامًا، بمعدل يفوق التوقعات الإحصائية.
ويعتمد الباحثون على تحديد منطقة جغرافية معينة، وحصر المواليد حسب السنة والجنس، ثم حساب نسبة من يعيشون إلى ما بعد عمر محدد.
وفق هذا المنهج، برزت أربع مناطق تقليدية بوضوح، هي: سردينيا في إيطاليا، أوكيناوا في اليابان، إيكاريا في اليونان، ونيكويا في كوستاريكا.

لماذا تُضخَّم الأعمار أحيانًا؟
عبر التاريخ، كان تضخيم الأعمار أمرًا شائعًا، خاصة عندما ترتبط القصة بمكافآت معنوية أو مادية.
الأخطاء الكنسية، أو التسجيل المتأخر للمواليد، أو تكرار الأسماء داخل العائلات، كلها عوامل قد تُربك الباحثين، لذلك يتعامل علماء السكان مع التصريحات الذاتية كنقطة بداية فقط، ويقول الدكتور أوستاد: «الادعاءات الاستثنائية حول طول العمر تتطلب أدلة استثنائية».
تنقية الادعاءات الخاطئة
تعتمد آليات التحقق الحديثة على مراجعة دقيقة للسجلات، تمتد أحيانًا لأكثر من قرن، ويؤكد الدكتور جيوفاني بيز، أحد المشاركين في الدراسة، أن أي حالة تتعارض فيها الوثائق يتم استبعادها بالكامل، ما يجعل النتائج المتبقية أكثر صلابة علمية.
سردينيا: أعمار موثقة بدقة
لفتت القرى الداخلية في سردينيا الانتباه بسبب ارتفاع أعداد من تجاوزوا التسعين عامًا.
وقام الباحثون بمطابقة السجلات المدنية مع أرشيفات الكنائس، وإعادة بناء شجرات عائلية كاملة، للكشف عن أي تبديل محتمل في الهوية بين الإخوة الذين يحملون الاسم نفسه، وقد أسهم هذا التدقيق في كشف حالات نادرة غير صحيحة، ما عزز مصداقية البيانات النهائية.

التحقق من الأعمار بعد الحروب
في أوكيناوا، دُمرت العديد من وثائق المواليد خلال الحرب، ما دفع الباحثين إلى إعادة بناء الملفات من نسخ محفوظة، والتحقق من عينة تمثل 8% من الحالات، وأظهرت النتائج عدم وجود تضخيم ممنهج للأعمار، لكنها أكدت ضرورة توثيق كل حالة على حدة.
إيكاريا ونيكويا: تحديات وحلول
في إيكاريا، افتقر كثير من كبار السن إلى شهادات ميلاد مبكرة، فتمت مقارنة بيانات الوفاة الوطنية مع السجلات المحلية، وإجراء مقابلات تفصيلية للتحقق من الذكريات والأحداث التاريخية.
أما في نيكويا، فتُعد ميزة الرقم الوطني الموحد لكل مواطن عاملًا حاسمًا، حيث أظهرت البيانات أن احتمال بلوغ الرجل سن المئة أعلى بسبع مرات مقارنة باليابان.
عندما تتراجع المناطق الزرقاء
تشير الدراسة إلى أن أنماط طول العمر قد تضعف مع تغيّر العادات الغذائية وأنماط العمل والحركة اليومية، بل وقد تفقد بعض المناطق صفتها «الزرقاء».
ويرى أوستاد أن اختفاء هذه المناطق أحيانًا يعزز قيمتها العلمية، لأنه يسمح بدراسة تأثير التغيرات الاجتماعية على متوسط العمر.
بين نمط الحياة والجينات
تتشارك المناطق الزرقاء سمات مثل الاعتماد على الغذاء النباتي، والنشاط البدني المنتظم، وروابط اجتماعية قوية.
ورغم أهمية الجينات، لم يعثر الباحثون على فائض واضح من المتغيرات الوراثية المرتبطة بطول العمر، ما يعزز دور نمط الحياة دون إغفال العامل البيولوجي.

نقاش قائم على الأدلة
يؤكد الباحثون أن التحقق الوثائقي الصارم يمنع الانجراف وراء قصص فردية أو أخطاء إدارية.
ويختتم دان بوتنر، زميل ناشيونال جيوغرافيك، قائلًا: «المناطق الزرقاء ما زالت تقدم رؤى حقيقية وموثقة حول كيفية العيش بصحة أفضل وعمر أطول».





