وزنك لا يحكي القصة كاملة.. قوة العضلات ترتبط بخطر الخرف مع التقدم في العمر
السمنة تحكي قصة مختلفة مع الخرف حسب العمر.. وفقدان العضلات يلفت الأنظار
قد لا يكون رقم الميزان هو المؤشر الأكثر دلالة على صحة الدماغ مع التقدم في العمر؛ إذ كشفت مراجعة واسعة لنتائج أكثر من 80 دراسة طويلة الأمد أن الأشخاص الذين يعانون من الساركوبينيا، أو فقدان الكتلة العضلية وقوة العضلات والقدرة البدنية، كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف بنسبة 42% مقارنة بغير المصابين بهذه الحالة.
واللافت أن العلاقة لم تتوقف عند الخرف بمختلف أنواعه، إذ ارتبطت الساركوبينيا بزيادة بلغت 70% في خطر الإصابة بالخرف الوعائي، وهو نوع يرتبط بمشكلات تدفق الدم إلى الدماغ.
في المقابل، قدمت السمنة صورة أكثر تعقيدًا؛ فقد ارتبطت بزيادة طفيفة في خطر الخرف لدى الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 65 عامًا، بينما ارتبطت بانخفاض الخطر لدى من تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكثر.
ولا تعني هذه النتائج أن زيادة الوزن تحمي الدماغ في سن متقدمة، أو أن فقدان العضلات يسبب الخرف بصورة مباشرة، لكنها تشير إلى أن صحة العضلات وتغيرات الجسم مع العمر قد تحمل معلومات لا يكشفها الوزن وحده.

العضلات.. مؤشر يتجاوز رقم الميزان
الساركوبينيا ليست مجرد فقدان بعض الوزن أو الشعور بضعف مؤقت في العضلات، وإنما حالة يمكن أن تشمل انخفاض الكتلة العضلية، وتراجع قوة العضلات، وضعف الأداء البدني.
وقد تظهر في صورة ضعف قبضة اليد، أو بطء المشي، أو صعوبة الحفاظ على التوازن، أو تراجع القدرة على أداء الأنشطة اليومية.
وفي التحليل الجديد، جمع الباحثون نتائج 14 دراسة تناولت الساركوبينيا والخرف، وتراوحت فترات المتابعة فيها بين 2.6 و24 عامًا.
ولم تعتمد الدراسات على قياس حجم العضلات فقط، إذ استخدم عدد منها اختبارات قوة قبضة اليد والأداء البدني، وهي مؤشرات قدمت ارتباطات أوضح بخطر الخرف من قياسات الكتلة العضلية وحدها.
وقادت العمل الدكتورة أورايفون بوراناسوكساكول من جامعة بورافا في تايلاند.
وقالت الباحثة إن الحفاظ على العضلات لا يتعلق بالوزن فقط، وإنما إن قوة العضلات ووظيفتها قد تكونان مهمتين أيضًا مع التقدم في العمر، مشيرة إلى أن فقدان العضلات قد يمثل علامة تستحق الانتباه عند تقييم خطر الخرف.
خطر الخرف يرتفع مع ضعف العضلات
أظهرت نتائج التحليل أن الأشخاص المصابين بالساركوبينيا كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف بجميع أنواعه بنسبة 42%.
وكان الارتباط أكثر وضوحًا عند النظر إلى الخرف الوعائي، حيث ارتبط فقدان العضلات بزيادة بلغت 70% في خطر الإصابة بهذا النوع من الخرف.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن الخرف الوعائي يرتبط بتغيرات ومشكلات في الأوعية الدموية التي تغذي الدماغ.
لكن الباحثين لم يثبتوا أن ضعف العضلات يؤدي مباشرة إلى حدوث الخرف؛ فالدراسة اعتمدت على أبحاث رصدية تابعت الأشخاص بمرور الوقت، ولذلك فإن النتائج تكشف ارتباطًا إحصائيًا ولا تثبت علاقة سببية.

قوة العضلات قد تكون أهم من حجمها
من أبرز جوانب الدراسة أن العلاقة بالخرف لم تكن مرتبطة فقط بكمية العضلات الموجودة في الجسم.
فقد أظهرت اختبارات قوة العضلات والقدرة على أداء الوظائف البدنية ارتباطات أكثر وضوحًا بالخرف مقارنة بقياسات حجم العضلات وحدها.
وهذا يفتح الباب أمام نظرة مختلفة لصحة الجسم مع التقدم في العمر: قد يكون السؤال الأهم ليس فقط كم تبلغ كتلتك العضلية، وإنما ما مدى قدرتك على استخدامها والحفاظ على قوتها ووظيفتها؟
وترتبط قوة العضلات بالقدرة على الحركة والتوازن والاستقلالية في أداء الأنشطة اليومية، وهي عوامل تصبح أكثر أهمية مع تقدم العمر.
السمنة.. لماذا تغيرت العلاقة بعد سن 65؟
عندما انتقل الباحثون إلى دراسة العلاقة بين السمنة والخرف، لم يجدوا نمطًا واحدًا ينطبق على جميع الأعمار.
فبين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 65 عامًا، ارتبطت السمنة بزيادة قدرها 9% في خطر الإصابة بالخرف بجميع أنواعه.
لكن بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكثر، ارتبطت السمنة بانخفاض قدره 17% في خطر الخرف.
وهذه النتيجة تحتاج إلى قراءة حذرة للغاية.
فهي لا تعني أن اكتساب الدهون أو زيادة الوزن في سن متقدمة يحمي الدماغ، ولا تقدم توصية بزيادة الوزن للوقاية من الخرف.
ويرى الباحثون أن أحد التفسيرات المحتملة يتعلق بطبيعة مرض الخرف نفسه؛ إذ قد تبدأ التغيرات المرتبطة بالمرض قبل سنوات طويلة من ظهور التشخيص، وقد يعاني بعض الأشخاص من فقدان الوزن خلال المراحل المبكرة للمرض.
وبالتالي، يمكن أن يكون انخفاض الوزن في مرحلة متقدمة من العمر علامة مصاحبة لعملية مرضية بدأت بالفعل، وليس بالضرورة سببًا لانخفاض خطر الخرف.

لماذا لا يكفي مؤشر كتلة الجسم؟
تسلط النتائج أيضًا الضوء على أحد قيود الاعتماد على مؤشر كتلة الجسم (BMI) عند تقييم صحة كبار السن.
فالمؤشر يقيس العلاقة بين الوزن والطول، لكنه لا يميز بصورة دقيقة بين الدهون والعضلات، كما لا يوضح مكان تخزين الدهون في الجسم.
وبالتالي، قد يحصل شخصان على مؤشر كتلة جسم متشابه بينما يختلفان بصورة كبيرة في تكوين الجسم، وكمية العضلات، وقوتها، وتوزيع الدهون.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى تركيب الجسم والأداء البدني إلى جانب الوزن عند تقييم الصحة مع التقدم في العمر.
ماذا عن اجتماع السمنة وفقدان العضلات؟
بحث العلماء أيضًا في حالة تعرف باسم السمنة الساركوبينية، وهي اجتماع زيادة الدهون في الجسم مع انخفاض الكتلة العضلية أو ضعف وظائف العضلات.
لكن الأدلة المتعلقة بهذه الحالة كانت محدودة للغاية، إذ لم يستوفِ معايير التحليل سوى أربع دراسات.
ولم تظهر النتائج المجمعة ارتباطًا واضحًا بين السمنة الساركوبينية والخرف، إلا أن الباحثين أكدوا أن قوة الاستنتاج محدودة بسبب قلة الدراسات واختلاف التعريفات المستخدمة للسمنة الساركوبينية بين الأبحاث.
وهذا يعني أن العلاقة بين الدهون والعضلات والخرف لا تزال بحاجة إلى دراسات طويلة الأمد أكثر دقة.

العلاقة بين العضلات والدماغ أكثر تعقيدًا
تدفع هذه النتائج إلى توسيع النظرة التقليدية لصحة الدماغ.
فالدماغ لا يعمل بمعزل عن بقية الجسم، وصحة الأوعية الدموية، والحركة، والتغذية، والقدرة البدنية كلها عوامل ترتبط بالصحة العامة خلال مراحل العمر المختلفة.
وقال البروفيسور ماريو سييرفو من جامعة كيرتن، المؤلف المسؤول عن الدراسة، إن العلاقة بين وزن الجسم والتقدم في العمر والخرف معقدة وتتغير بحسب المرحلة العمرية.
وأشار إلى أن النتائج لا تعني ضرورة زيادة الوزن مع التقدم في العمر، وإنما تكشف أن العلاقة بين هذه العوامل ليست بسيطة.

النشاط البدني والتغذية في دائرة الضوء
يرى الباحثون أن الحفاظ على قوة العضلات ووظيفتها يمثل جزءًا مهمًا من الشيخوخة الصحية.
ويمكن للنشاط البدني المنتظم والتغذية الجيدة أن يساعدا في دعم قوة العضلات والقدرة البدنية، لكن الدراسة الحالية لا تثبت أن ممارسة الرياضة أو زيادة العضلات تمنع الخرف بشكل مباشر.
كما أن نتائجها لا تقدم وصفة فردية للوقاية من الخرف، وإنما تضيف عاملًا آخر إلى الصورة الأوسع لعلاقة صحة الجسم بصحة الدماغ.
وقال البروفيسور وارن هاردينج، رئيس قسم الأبحاث والشراكات في منظمة Alzheimer’s WA، إن النتائج المتعلقة بالكتلة العضلية وقوتها تعزز أهمية ممارسة الرياضة والحفاظ على الحركة والتوازن مع التقدم في العمر، بما في ذلك الحد من مخاطر السقوط.
دراسة واسعة.. لكن لها حدود
رغم اتساع قاعدة الأدلة، فإن المراجعة لا تخلو من قيود.
فمعظم الدراسات التي جرى تحليلها كانت دراسات رصدية؛ أي أنها تابعت الأشخاص ولاحظت العلاقة بين خصائص أجسامهم وتطور الخرف، دون توزيعهم عشوائيًا على مجموعات مختلفة.
ولهذا السبب، لا يمكن القول إن فقدان العضلات يسبب الخرف مباشرة، أو إن السمنة تمنع الإصابة به.
كما استخدمت الدراسات تعريفات وطرق قياس مختلفة للسمنة والساركوبينيا، واختلفت مدد المتابعة بينها.
وهناك عامل آخر شديد الأهمية، وهو أن الخرف قد يتطور تدريجيًا على مدى سنوات قبل تشخيصه، ما يجعل من الصعب دائمًا تحديد ما إذا كان تغير الوزن أو فقدان العضلات عامل خطر سابقًا للمرض أم جزءًا من التغيرات التي ترافق المراحل المبكرة منه.
الرسالة الأهم: لا تنظر إلى الميزان وحده
تكشف الدراسة أن الوزن وحده قد لا يقدم الصورة الكاملة عن صحة الإنسان مع التقدم في العمر.
فقد ارتبطت الساركوبينيا بزيادة واضحة في خطر الخرف، وكان ضعف القوة والأداء البدني أكثر ارتباطًا بالخطر من قياس العضلات وحده في بعض التحليلات.
وفي الوقت نفسه، تغيرت علاقة السمنة بالخرف بصورة كبيرة بين منتصف العمر والمراحل المتقدمة منه، ما يؤكد أن تأثير وزن الجسم لا يمكن تفسيره بمعزل عن العمر وتغيرات تركيب الجسم والصحة العامة.
وبذلك، فإن الحفاظ على قوة العضلات والحركة والقدرة البدنية والتغذية الجيدة يظل جزءًا مهمًا من الشيخوخة الصحية، بينما تحتاج العلاقة بين العضلات والدهون والخرف إلى مزيد من الدراسات لتحديد الآليات التي تقف وراءها.
والدراسة المنشورة في International Journal of Food Sciences and Nutrition لا تقدم معادلة بسيطة للتنبؤ بالخرف، لكنها تضيف دليلًا إلى أن صحة الدماغ قد تبدأ من مؤشرات موجودة في الجسم كله، وليس من الدماغ وحده.





