دراسة تكشف تأثيرًا مقلقًا للنانو بلاستيك على الخصوبة وتطور الأجنة
النانو بلاستيك لا يؤثر في الذكور والإناث بالطريقة نفسها.. والنسل يدفع الثمن
لم تعد مشكلة التلوث البلاستيكي مرتبطة بالبيئة وحدها. فمع تحلل البلاستيك إلى جزيئات أصغر فأصغر، بدأت هذه الجزيئات تظهر في الدم والبول وحليب الثدي والسائل المنوي وأنسجة المشيمة لدى البشر.
وتشير مراجعة علمية شملت 114 دراسة أجريت على الحيوانات والخلايا إلى أن أحد أكثر أنواع البلاستيك شيوعًا،
وهو البوليسترين، يمكن أن يؤثر في الجهازين التناسليين للذكور والإناث بطرق مختلفة، كما أظهرت تجارب على الحيوانات أن بعض التأثيرات يمكن أن تمتد إلى نسل الحيوانات المعرضة لهذه الجزيئات.
وقاد تشونهوا زان من جامعة جنوب الصين المراجعة بالتعاون مع لياو هوانج ووانجينج ليو.
ونُشرت النانو بلاستيك في دورية New Contaminants.
وقال زان إن تحليل الفريق يشير إلى أن السمية التناسلية المرتبطة بجزيئات البوليسترين النانوية لا تقتصر على عضو واحد أو مسار بيولوجي واحد، إذ أظهرت النماذج التجريبية تأثيرات في الجهازين التناسليين للذكور والإناث، وكذلك في نمو الأجنة والنسل.
وأكد الباحثون أن فهم هذه الآليات ضروري لتقييم المخاطر الصحية المحتملة وتحديد أولويات الأبحاث المستقبلية.

ذكور الحيوانات أنتجت حيوانات منوية أقل
تُعرف الجزيئات البلاستيكية التي يقل حجمها عن 5 مليمترات باسم اللدائن الدقيقة أو الميكروبلاستيك.
وعندما تتفتت هذه الجزيئات إلى أقل من 100 نانومتر، تصبح من اللدائن النانوية أو النانو بلاستيك، وهي جزيئات صغيرة للغاية يمكنها دخول الخلايا وتجاوز بعض الحواجز البيولوجية.
ويُعد البوليسترين من أكثر أنواع البلاستيك التي يدرسها الباحثون، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استخدامه الواسع في عبوات الأغذية ومستحضرات التجميل، كما سبق العثور عليه في السائل المنوي البشري.
بحث فريق زان في أربع قواعد بيانات علمية، وفحص 285 ورقة بحثية، قبل اختيار 114 دراسة تناولت بصورة مباشرة تأثير جزيئات البوليسترين النانوية على التكاثر.
وفي ذكور الفئران، تمكنت الجزيئات من عبور الحاجز الذي يعزل الخصيتين عن مجرى الدم.
وانخفضت مستويات هرمون التستوستيرون، وتراجع عدد الحيوانات المنوية وقدرتها على الحركة، كما ظهرت أشكال غير طبيعية للحيوانات المنوية، بينها حيوانات منوية من دون رأس، أو برأس صغير، أو بعنق ملتف، أو من دون ذيل.
وفي تجارب على المحار، أدى تعرض الحيوانات المنوية للبوليسترين النانوي في مياه البحر إلى انخفاض نسبة الحيوانات المنوية القادرة على الحركة بنسبة 66%، كما انخفضت سرعة حركتها بنسبة 38%.
كما أظهرت الجزيئات التي تعرضت لظروف تحاكي تأثير أشعة الشمس والتجوية الطبيعية تغيرات في النشاط الجيني، إذ انخفض نشاط أربعة جينات مرتبطة بالتكاثر، وتأخر نمو الغدد التناسلية لدى ذكور المحار.
المبايض تضررت بعدة طرق
أظهرت التجارب أن إناث الفئران قد تكون أكثر حساسية لجزيئات البوليسترين النانوية من الذكور، وهو أحد الأسباب التي دفعت الباحثين إلى دراسة التأثيرات في الجهاز التناسلي لكل جنس بصورة منفصلة.
وفي الفئران التي تناولت الجزيئات على مدى عدة أشهر، تقلصت الجريبات المبيضية، وهي الأكياس التي تحتوي على البويضات النامية، كما أصبح النسيج الذي ينتج هرمون البروجسترون بعد الإباضة أرق.
وزادت معدلات تلف الجريبات وموتها، وأصبحت دورات التكاثر أطول، وانخفضت مستويات البروجسترون في الدم، كما انخفضت قدرة الأجنة على الانغراس في الرحم، وتراجع وزن الرحم.
وفي تجارب على الجرذان، أدى التعرض للجزيئات إلى ظهور تندب في المبايض وفقدان الخلايا التي تدعم نمو البويضات، ما ترك عددًا أقل من البويضات الاحتياطية.
أما أسماك الزيبرا، فقد ظهرت لديها مشكلة في الإباضة شبيهة ببعض خصائص متلازمة تكيس المبايض لدى النساء.
وفي المحار الذي تعرض للبوليسترين النانوي لمدة شهرين، انخفض إنتاج البيض بنسبة 38%، كما كان حجم البيوض المنتجة أقل بنحو 5%.

التأثير لم يتوقف عند الحيوانات المعرضة مباشرة
من أكثر الجوانب أهمية في المراجعة العلمية دراسة ما حدث لحيوانات لم تتعرض مباشرة للجزيئات البلاستيكية، لكنها جاءت من آباء تعرضوا لها.
ففي المحار الذي تعرض والداه للبوليسترين النانوي، انخفض إنتاج اليرقات بنسبة 41%، كما نمت اليرقات بمعدل أبطأ بنحو 18%.
وفي الديدان الأسطوانية، ارتفعت معدلات موت الأجنة واليرقات، أما في الفئران، فانخفض عدد الصغار الذين ولدوا أحياء، كما كان الصغار الناجون أقصر حجمًا.
وفي أسماك الزيبرا، وضعت الأمهات المعرضة للجزيئات عددًا أقل بكثير من البيوض، كما عُثر على الجزيئات داخل أعضاء الجيل التالي، مع حدوث اضطرابات في التحكم الهرموني لدى الأسماك الصغيرة.
وفي المجموعة التي تعرضت لأعلى جرعة، تغير نشاط جينين يشاركان في تنظيم تطور الجنس، ولكن في اتجاهين متعاكسين.
ارتباط بالبلاستيك في أنسجة المشيمة.. لكن السببية لم تثبت
توجد أيضًا إشارة بشرية في هذه الصورة، لكنها تظل ارتباطًا إحصائيًا وليست دليلًا على علاقة سببية.
ففي أنسجة المشيمة لنساء تعرضن لحالات إجهاض متكررة وغير مفسرة، عُثر على شظايا من البوليسترين بمعدلات أعلى مقارنة بنساء أخريات، كما ارتبطت كمية هذه الجزيئات بمعدلات الإجهاض.
لكن وجود البلاستيك في أنسجة بشرية، حتى عندما يتزامن مع حالة صحية، لا يثبت أن الجزيئات هي التي تسببت فيها.
وقد وجدت دراسات أخرى جزيئات بلاستيكية في أجنة حيوانات، وكذلك داخل خلايا حيوانات المزارع، ما يضيف إلى الأدلة على قدرة الجزيئات البلاستيكية متناهية الصغر على الوصول إلى أنسجة وأعضاء حيوية.
الإجهاد التأكسدي قد يكون حلقة الوصل
يربط الباحثون بين العديد من التأثيرات التي رصدتها الدراسات وما يعرف باسم الإجهاد التأكسدي.
وتعتمد الخلايا على توازن دقيق بين الجزيئات التفاعلية التي يمكنها سحب الإلكترونات، وبين الأنظمة الدفاعية التي تعمل على تحييدها.
وعندما يختل هذا التوازن، تتعرض الخلايا لما يسمى الإجهاد التأكسدي، وهو أحد الآليات الرئيسية التي تربطها المراجعة بالتأثيرات التناسلية التي ظهرت في التجارب.
ويبدو أن البوليسترين النانوي يحفز الخلايا على إنتاج كميات أكبر من الجزيئات التفاعلية، وهو ما يمكن أن ينشط مسارات مرتبطة بالالتهاب وموت الخلايا.
وفي خصيتي الفئران، أدى أحد هذه المسارات إلى زيادة الإشارات الالتهابية بالتزامن مع تراجع جودة الحيوانات المنوية.
وفي مبايض الجرذان، ارتبط مسار آخر بموت الخلايا التي تدعم نمو البويضات.
اضطراب الهرمونات مسار آخر للضرر
لا يتوقف التأثير عند الإجهاد التأكسدي، إذ تشير المراجعة أيضًا إلى تأثير الجزيئات في منظومة الاتصال بين الدماغ والغدد التناسلية، وهي المنظومة التي تنظم مستويات الهرمونات الجنسية.
ففي الجرذان التي تعرضت لجرعات مرتفعة، انخفضت مستويات التستوستيرون، وكذلك انخفض أحد هرمونات الغدة النخامية الذي يحفز إنتاجه.
وفي أسماك الزيبرا، انخفض إنتاج هرمون الإستروجين بعد تراجع نشاط أحد الإنزيمات اللازمة لتكوينه.
وهذا يشير إلى أن تأثير النانو بلاستيك على التكاثر قد لا يكون ناتجًا عن تلف مباشر في الأعضاء التناسلية فقط، وإنما قد يرتبط أيضًا باضطراب الإشارات الهرمونية التي تتحكم في عملها.

ملوثات أخرى قد تجعل التأثير أكثر حدة
في البيئة الحقيقية، نادرًا ما تصل الجزيئات البلاستيكية وحدها، فقد تحمل معها ملوثات كيميائية أخرى، وهو ما اعتبره الباحثون أحد أهم المسارات التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة.
وفي الفئران، أدى التعرض المشترك للزرنيخ والبوليسترين النانوي إلى إتلاف الحاجز الدموي للخصيتين بدرجة أكبر من تأثير أي منهما بمفرده.
وحدث تأثير مشابه عند الجمع بين الجزيئات وثنائي بيوتيل الفثالات (Dibutyl Phthalate)، وهو مادة ملدنة تستخدم في بعض المنتجات البلاستيكية.
وأدى هذا المزيج إلى احتقان الخصيتين وإصابة الخلايا المسؤولة عن إنتاج الهرمونات وانخفاض عدد الحيوانات المنوية النامية.
وفي أسماك الزيبرا، أدى إضافة مسكن الألم ديكلوفيناك إلى خفض معدلات الفقس وزيادة أعداد اليرقات المشوهة.
التجوية تجعل الجزيئات أكثر تعقيدًا
ولا يبدو أن جميع جزيئات البوليسترين متشابهة في تأثيرها، فالجزيئات التي تعرضت للأشعة فوق البنفسجية في ظروف تحاكي التجوية الطبيعية خفضت القدرة التناسلية لدى الديدان الأسطوانية، كما تسببت في موت أعداد أكبر من الأجنة واليرقات مقارنة بالجزيئات الجديدة.
وهذه النتيجة مهمة لأن الجزيئات الموجودة في البيئة لا تكون بالضرورة ملساء وكروية ونقية كما هي الجزيئات المصنعة المستخدمة في كثير من التجارب المختبرية.
فالجزيئات البيئية قد تكون خشنة ومتغيرة كيميائيًا، كما يمكن أن تحمل مجموعة من الملوثات التي تلتصق بأسطحها أثناء وجودها في البيئة.
ماذا نعرف عن تأثير النانو بلاستيك على البشر؟
هنا تضع المراجعة حدًا واضحًا لما يمكن استنتاجه من الأدلة الحالية،
لم يثبت الباحثون حتى الآن أن جزيئات البوليسترين النانوية تسبب اضطرابات تناسلية لدى البشر.
كما أن العثور على هذه الجزيئات في جسم حيوان لا يخبرنا تلقائيًا بالجرعة التي تعرض لها أو ما إذا كانت الكمية نفسها يمكن أن تسبب تأثيرًا مماثلًا لدى الإنسان.
وتعتمد غالبية التجارب على جزيئات بوليسترين مصنعة في المختبر، غالبًا ما تكون ملساء وكروية، وبجرعات قد تكون أعلى من مستويات التعرض التي يواجهها الإنسان في الحياة اليومية.
أما الجزيئات التي تتفتت في الشواطئ أو البيئات النائية، فهي أكثر خشونة وقد تكون تغيرت كيميائيًا بفعل الشمس والعوامل الجوية، كما يمكن أن تلتقط ملوثات أخرى أثناء وجودها في البيئة.
وتوجد مشكلة أخرى تتعلق بالقياس نفسه، فالعلماء لا يستطيعون حتى الآن تحديد كمية البلاستيك النانوي التي يحملها جسم الإنسان بدقة كافية، ما يجعل أي تقدير للمخاطر يعتمد على تحديد مستويات التعرض عرضة لقدر من عدم اليقين.
وبالتالي، فإن وجود البلاستيك في السوائل التناسلية البشرية، إلى جانب ثبوت تأثيرات تناسلية في الحيوانات، لا يعني أن العلاقة بين الأمرين قد ثبتت داخل جسم الإنسان.
ما الذي تحتاجه الأبحاث المقبلة؟
يرى فريق زان أن الخطوة التالية تحتاج إلى أدوات أكثر حساسية لقياس هذه الجزيئات في الأنسجة البشرية، إلى جانب إجراء دراسات مباشرة على البشر بدل الاعتماد على مزارع الخلايا والتجارب الحيوانية وحدها.
كما وضع الباحثون الجزيئات التي تعرضت للعوامل الجوية والخلائط التي تجمع النانو بلاستيك بملوثات أخرى ضمن أهم الأولويات التي ينبغي أن تركز عليها الدراسات المقبلة.
وتقدم المراجعة صورة متزايدة التعقيد عن تأثير الجزيئات البلاستيكية متناهية الصغر في التكاثر: فالتجارب الحيوانية تشير إلى تأثيرات مختلفة في الذكور والإناث، واضطرابات هرمونية وخلوية، وتأثيرات يمكن أن تمتد إلى النسل.
لكن الفجوة بين هذه النتائج والتأثيرات الصحية لدى البشر لا تزال قائمة، ولا يمكن سدها بمجرد العثور على البلاستيك في جسم الإنسان أو إثبات الضرر في الحيوانات.





