لم تعد تداعيات تغير المناخ قضية بيئية منفصلة عن الحياة اليومية، إذ بدأت آثارها تفرض نفسها بصورة مباشرة على أماكن العمل، من خلال موجات الحر الشديدة وحرائق الغابات ودخانها السام والعواصف والأعاصير والفيضانات.
وفي الوقت الذي يواصل فيه العمال حول العالم النضال من أجل أجور أفضل وتأمين صحي وظروف عمل أكثر عدلًا، أصبح عليهم مواجهة خطر إضافي يتزايد مع تغير المناخ، يتمثل في العمل داخل بيئات أكثر حرارة وتلوثًا وخطورة.
وتكشف تجارب عمال في الولايات المتحدة أن أزمة المناخ بدأت تعيد تشكيل ظروف العمل نفسها، بينما لا تزال القواعد التنظيمية في بعض الحالات عاجزة عن مواكبة المخاطر الجديدة.
سائق توصيل في مواجهة دخان حرائق الغابات
في صباح 16 يوليو 2026، بدأ «جاكوب»، وهو اسم مستعار لحماية هويته، نوبة عمله في التاسعة صباحًا كسائق توصيل لدى شركة «UPS» في ولاية مينيسوتا الأمريكية.
كان الجو ضبابيًا بصورة غير معتادة، بعدما أدت حرائق غابات اندلعت في شمال شرقي مينيسوتا وجنوب كندا إلى انتشار دخان كثيف وخطير في مناطق واسعة من الولاية.
وفي الوقت الذي كانت فيه وكالة مكافحة التلوث في مينيسوتا تحث المواطنين على البقاء داخل المنازل بسبب خطورة جودة الهواء، كان على جاكوب مواصلة عمله لمدة تتراوح بين 9 و10 ساعات، متنقلًا بين مركبته ومنازل العملاء لتوصيل الطرود.
ويقول جاكوب إن الإدارة لم توفر للعاملين إجراءات حماية إضافية، مثل الكمامات، ما جعله يتعرض للدخان السام لساعات طويلة.
ولم يكن الدخان هو المشكلة الوحيدة؛ فقد تزامنت تلك الظروف مع ارتفاع شديد في درجات الحرارة والرطوبة.
وبسبب طبيعة مركبات التوصيل، اضطر العمال إلى فتح الأبواب أثناء القيادة وفي مناطق التوصيل، ما جعلهم أكثر تعرضًا للهواء الملوث.
وبعد نحو ثلاث ساعات من بدء العمل، شعر جاكوب بضيق في صدره، ثم بدأ يعاني الدوار.
وأدرك أن مواصلة القيادة أصبحت غير آمنة، فطلب الرعاية الطبية، وخضع لساعات من المراقبة والفحوص، قبل أن يُسمح له بالمغادرة.
لكن التجربة تركت لديه شعورًا بالقلق، خصوصًا مع إدراكه أن حرائق الغابات أصبحت أكبر وأكثر تدميرًا مع استمرار تغير المناخ.
العاملون في الخطوط الأمامية لأزمة المناخ
تجربة جاكوب ليست حالة منفردة.
فمع اشتداد تغير المناخ، أصبحت حرائق الغابات وموجات الحر وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة جزءًا متزايدًا من بيئة العمل في عدد من القطاعات.
ويقول ممثلو العمال إنهم أصبحوا مطالبين بالنضال من أجل الحماية من الحرارة والدخان والعواصف، إلى جانب مطالبهم التقليدية المتعلقة بالأجور والرعاية الصحية وظروف العمل.
ويؤكد سكوت ويلكي، رئيس فرع نقابة سائقي الشاحنات «Teamsters Local 638» الذي يمثل جاكوب، أن دخان حرائق الغابات أصبح ظاهرة تتكرر في مينيسوتا خلال أشهر الصيف.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، يجد العاملون أنفسهم أمام خطرين متزامنين: حرارة مرتفعة وظروف عمل صعبة، إضافة إلى تدهور جودة الهواء إلى مستويات غير صحية.
وهذا المزيج يضاعف المخاطر الصحية، خصوصًا بالنسبة إلى العمال الذين يقضون ساعات طويلة في الهواء الطلق.
الحرارة لا تهدد العمال في الخارج فقط
غالبًا ما ترتبط مخاطر الحرارة بالعاملين في الهواء الطلق، مثل عمال البناء والزراعة وسائقي التوصيل، لكن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يمثل خطرًا كبيرًا أيضًا على العاملين داخل المصانع والمنشآت المغلقة.
ففي مصنع «Affy Tapple» لتصنيع الأغذية في ولاية إلينوي، يصف العمال ظروفًا شديدة الحرارة خلال فصل الصيف، مع أنظمة تبريد يقولون إنها غير كافية.
ويقول أحد العاملين إن درجة الحرارة داخل المصنع قد تصل إلى نحو 95 درجة فهرنهايت عندما تكون الحرارة في الخارج 85 درجة، أي ما يعادل نحو 35 درجة مئوية داخل المنشأة مقابل نحو 29 درجة مئوية خارجها.
ويعمل العمال في المصنع على طهي الكراميل وتغطيسه وتجهيز التفاح بالكراميل على خطوط الإنتاج قبل تعبئته وإرساله إلى الأسواق.
وخلال موسم إنتاج الحلوى، الذي يبدأ في أغسطس ويستمر حتى الخريف، قد يصل عدد العاملين في المنشأة إلى نحو 200 شخص، كثير منهم يعملون من خلال وكالات توظيف مؤقتة.
ملابس العمل تزيد المعاناة
لا تتوقف المشكلة عند ارتفاع درجة الحرارة، إذ يقول العمال إن ملابس ومعدات الحماية التي يتعين عليهم ارتداؤها تزيد الإحساس بالحرارة.
ويحتاج بعضهم إلى ارتداء أكمام بلاستيكية تغطي الذراعين بالكامل، بينما يرتدون القفازات لفترات طويلة.
ومع التعرق، يلتصق البلاستيك بالجلد ويصبح تحريك القفازات أكثر صعوبة.
ويصف أحد العمال شعوره بأنه «عطشان طوال الوقت»، لكنه لا يستطيع مغادرة خط الإنتاج بسهولة للحصول على الماء.
ويقول عامل آخر إنه يشعر بالإرهاق بسرعة، مع استمرار التعرق والحاجة إلى الماء.
وتكشف هذه الشهادات أن الحرارة داخل أماكن العمل قد لا تكون مجرد مصدر إزعاج، وإنما عاملًا يؤثر في قدرة العامل على أداء مهامه بصورة آمنة.
28 ألف إصابة مرتبطة بالحرارة
توجد أدلة علمية واسعة على أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من مخاطر الأمراض والإصابات المرتبطة بالحرارة بين العمال، خصوصًا في قطاعات مثل البناء والزراعة.
لكن العاملين داخل المنشآت الصناعية ليسوا بمنأى عن الخطر.
وتشير منظمة الأرصاد الجوية العالمية ومنظمة الصحة العالمية إلى أن العمال في الأماكن المغلقة قد يواجهون عوامل إضافية تزيد من الإجهاد الحراري، مثل الحرارة الناتجة عن الآلات والبيئة المحيطة، إلى جانب ارتداء معدات الحماية الشخصية.
وفي الولايات المتحدة، تشير إحدى التقديرات إلى أن الحرارة ساهمت في نحو 28 ألف إصابة في أماكن العمل خلال عام 2023.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، يمكن أن تصبح هذه المخاطر أكثر حدة، خاصة في القطاعات التي تتطلب مجهودًا بدنيًا أو العمل بالقرب من مصادر حرارية.
دخان حرائق الغابات.. خطر مختلف
لا يشبه دخان حرائق الغابات أشكال تلوث الهواء التقليدية المرتبطة بحركة المرور أو النشاط الزراعي.
فعندما تشتعل الغابات في درجات حرارة مرتفعة للغاية، تنتج الحرائق جسيمات دقيقة يمكن أن تكون شديدة النشاط كيميائيًا وسامة للغاية.
وتشكل هذه الجسيمات خطرًا خاصًا على العاملين الذين يضطرون إلى البقاء في الهواء الطلق لساعات طويلة.
وأظهرت دراسة تناولت مواسم حرائق الغابات في كاليفورنيا بين عامي 2004 و2009 أن الأيام التي ينتشر فيها الدخان ارتبطت بزيادة بلغت 10.3% في زيارات المستشفيات بسبب الربو، وكان الأطفال دون الخامسة الأكثر تأثرًا.
كما أشارت دراسة حديثة إلى أن التعرض المزمن للجسيمات الدقيقة الموجودة في دخان حرائق الغابات قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكتات الدماغية لدى كبار السن.
وبالنسبة إلى العمال، تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما يتزامن الدخان مع الحرارة والرطوبة.
القانون الأمريكي يفرض مسؤولية على أصحاب العمل
ينص قانون السلامة والصحة المهنية الأمريكي الصادر عام 1970 على ضرورة توفير أماكن عمل خالية من المخاطر المعروفة التي يمكن أن تسبب الوفاة أو أضرارًا جسدية خطيرة للعاملين.
لكن النقابات العمالية تقول إن تطبيق هذه المبادئ على مخاطر المناخ الجديدة لا يزال يمثل تحديًا.
وفي حالة سائقي «UPS» في مينيسوتا، يقول ويلكي إنه تواصل مع إدارة الشركة الإقليمية في 15 يوليو، أي قبل يوم من تعرض العمال للدخان الكثيف، وطالب باتخاذ إجراءات استباقية بسبب تدهور جودة الهواء.
لكن النقابة تقول إن اليوم التالي استمر بصورة طبيعية، ولم يتم توفير خيارات للكمامات للعاملين.
وبحسب ويلكي، شجعت الإدارة الموظفين على تشغيل المراوح وأخذ فترات الغداء داخل الأماكن المغلقة، لكنها لم تقدم، وفق روايته، إجراءات أكثر شمولًا للتعامل مع الخطر.
الشركة تقدم رواية مختلفة
في المقابل، قالت شركة «UPS» إنها تلتزم بجميع لوائح السلامة والصحة المهنية الفيدرالية وعلى مستوى الولايات، وإنها تركز على دعم موظفيها مع مواصلة خدمة العملاء والمجتمعات بأمان.
وأضافت الشركة أن فرق العمليات تتواصل مع الموظفين بشأن الظروف الجوية في مناطقهم، وتؤكد أهمية الحفاظ على الترطيب، وأخذ فترات الراحة عند الحاجة، والتعرف إلى أعراض المرض، وارتداء كمامات N95، وطلب الرعاية الطبية عند الشعور بالمرض.
لكن جاكوب قال إن هذه الإجراءات لم يتم إبلاغ فريقه بها في ذلك اليوم، وإنه لم يتلق أي تحذيرات أو كمامات أو تعليمات بشأن الظروف الخطرة قبل أن يمرض.
وتوضح هذه الروايات المتباينة أهمية وجود قواعد واضحة وملزمة بدلًا من الاعتماد فقط على تقديرات أصحاب العمل أو إجراءات اختيارية.
الأعاصير تحول المستشفيات إلى ساحات أزمة
لا يقتصر تأثير تغير المناخ على العاملين الذين يتعرضون مباشرة للحرارة أو الدخان.
ففي سبتمبر 2024، ضرب إعصار «هيلين» ولاية نورث كارولينا الأمريكية باعتباره إعصارًا من الفئة الرابعة، متسببًا في فيضانات مفاجئة وأمطار غزيرة ورياح مدمرة.
وقُتل أكثر من 200 شخص جراء الإعصار في الولايات المتحدة، بينهم 107 أشخاص في نورث كارولينا.
وفي مدينة أشفيل، أصبحت الأزمة المناخية أزمة داخل مكان العمل نفسه.
فقد ظل مستشفى «Mission Hospital» مفتوحًا رغم انقطاع الكهرباء لعدة أيام، واضطر إلى الاعتماد على مولدات احتياطية لتشغيل المعدات الحيوية.
كما فقد المستشفى المياه الجارية لنحو 11 أسبوعًا، واضطر العاملون إلى الاعتماد على شاحنات المياه والآبار.
الممرضون يعملون وسط نقص المياه
تروي الممرضة كيري ويلسون أن العاملين اضطروا، بعد الإعصار، إلى استخدام دلاء للمساعدة في تشغيل دورات المياه.
وكانت فرق هندسية تعمل على توفير مصدر للمياه، بينما تنقل شاحنات صهاريج المياه إلى المستشفى.
ويقول العاملون إنهم كانوا يملأون دلاء بالمياه لاستخدامها في دورات المياه والحفاظ على النظافة قدر الإمكان.
وكان العثور على مكان لغسل اليدين بالماء والصابون أمرًا صعبًا، في وقت كان فيه المستشفى يستقبل أعدادًا كبيرة من المرضى المتضررين من الكارثة.
وفي بعض الحالات، اضطرت الفرق الطبية إلى استخدام حاويات مملوءة بالمياه للمساعدة في إزالة التلوث عن المرضى.
كما أفاد العاملون بنقص الغذاء في قسم الطوارئ خلال الفترة الأولى من الأزمة، قبل أن يتدخل المجتمع المحلي بتوفير وجبات للعاملين.
وفي إحدى المراحل، وصل قسم الطوارئ إلى ضعف طاقته المعتادة.
المستشفى يتحول إلى ملجأ للمتضررين
زادت الكارثة من الضغط على العاملين بالمستشفى، بعدما تحول المكان إلى ملاذ للأشخاص الذين فقدوا القدرة على الحصول على الرعاية أو الكهرباء في منازلهم.
وكان بعض المرضى يحتاجون إلى أجهزة طبية تعتمد على الكهرباء للبقاء على قيد الحياة، ما اضطرهم إلى اللجوء إلى المستشفى حتى لو لم تكن حالتهم تتطلب دخول المستشفى بالمعنى التقليدي.
وتقول ويلسون إن بعض الأشخاص كانوا يعتمدون على أجهزة مساعدة للقلب أو الأكسجين، وكانوا بحاجة إلى مصدر كهرباء مستمر لتشغيل أجهزتهم.
وبذلك لم يعد المستشفى يقدم الرعاية للمرضى فقط، وإنما أصبح جزءًا من البنية التحتية التي يعتمد عليها المجتمع بأكمله خلال الكارثة.
مهنة التضحيات لا يجب أن تعني التضحية بالعمال
ترى بعض الممرضات أن ثقافة مهنة التمريض نفسها قد تجعل العاملين أكثر عرضة لتحمل ظروف خطرة.
وتقول ويلسون إن التمريض ظل لفترة طويلة يُنظر إليه باعتباره «رسالة» أكثر من كونه مهنة، وهو ما يمكن أن تستغله المؤسسات عندما تقع الكوارث الطبيعية.
فالممرضون قد يواصلون العمل رغم نقص الموظفين أو عدم حصولهم على فترات الراحة أو نقص الغذاء والمياه، لأنهم يشعرون بالمسؤولية تجاه المرضى.
لكن استمرار هذه الثقافة في ظل الكوارث المناخية المتزايدة يثير سؤالًا أساسيًا: من يحمي العاملين الذين يُطلب منهم حماية الآخرين؟
غياب معيار اتحادي موحد للحرارة
رغم تزايد المخاطر، لا توجد في الولايات المتحدة حتى الآن قاعدة اتحادية شاملة وملزمة لحماية العمال من التعرض للحرارة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن سلامة العاملين من الحرارة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على تقديرات أصحاب العمل وعلى سياسات متفاوتة من ولاية إلى أخرى.
ويرى باحثون أن غياب معيار موحد ليس أمرًا حتميًا، وإنما يرتبط أيضًا بمقاومة بعض الشركات والاتحادات التجارية للأنظمة الإلزامية.
ويقول تقرير صادر عام 2026 إن مجموعات تجارية كبرى، من بينها غرفة التجارة الأمريكية وبعض الجمعيات الصناعية، عارضت جهودًا اتحادية لحماية العمال من الحرارة، ووصفت المقترحات التنظيمية بأنها صارمة ومرهقة وغير عملية.
ويضع هذا الصراع العمال في قلب معركة أوسع بين حماية الصحة المهنية وتقليل الأعباء التنظيمية على الشركات.
العمال يتحولون إلى قوة في مواجهة أزمة المناخ
لكن الأزمة لا تعني أن العمال مجرد ضحايا لتغير المناخ، فمع تزايد المخاطر، بدأت النقابات العمالية في إدخال قضايا المناخ والحماية من الحرارة والدخان والظواهر الجوية المتطرفة إلى مفاوضات عقود العمل.
وفي مينيسوتا، نجح سائقو «UPS» في الحصول على بعض إجراءات الحماية من الحرارة ضمن عقد عام 2023، لكن ممثليهم يقولون إن العقد المقبل يجب أن يتضمن أيضًا نصوصًا واضحة لحماية السائقين من دخان حرائق الغابات.
ويقول ممثلو النقابة إن مشكلة حرائق الغابات لن تختفي، ما يجعل إدراج الحماية من الدخان في عقود العمل ضرورة متزايدة.
كما تشهد قطاعات أخرى حملات عمالية للمطالبة بمدارس أكثر استدامة، ووسائل نقل أنظف، ووظائف خضراء، وخفض الانبعاثات التي تؤثر في العمال والمجتمعات المحيطة بأماكن العمل.
العدالة المناخية تبدأ من مكان العمل
تكشف هذه التجارب أن تغير المناخ لا يؤثر في الجميع بالطريقة نفسها، فالعامل الذي يقضي ساعات طويلة في الهواء الطلق أو داخل مصنع شديد الحرارة، أو الممرض الذي يعمل في مستشفى خلال كارثة طبيعية، يواجه مخاطر لا يتعرض لها شخص يعمل من مكتب مكيف.
ولهذا أصبحت حماية العمال جزءًا أساسيًا من مفهوم العدالة المناخية.
فالانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يجب ألا يقتصر على خفض الانبعاثات، وإنما ينبغي أن يضمن أيضًا أن تكون الوظائف أكثر أمانًا وأن يحصل العاملون على الحماية والتدريب والدعم اللازمين لمواجهة الظروف المناخية الجديدة.
أزمة المناخ تعيد رسم الصراع العمالي
يقول الباحث نيكولاس بيوريه، مؤلف كتاب Or Something Worse: Why We Need to Disrupt the Climate Transition، إن تغير المناخ يخلق بيئة عمل أكثر عدائية لملايين الأشخاص.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الكوارث الطبيعية، أصبحت بيئة العمل نفسها ساحة جديدة للصراع الاجتماعي والسياسي.
فالعمال لا يطالبون فقط بأجور أعلى أو ساعات عمل أفضل، وإنما يطالبون أيضًا بحق أساسي يتمثل في العمل بأمان في عالم يتغير مناخه بسرعة.
وتشير دراسة نشرت في مجلة Health Affairs Scholar في مايو 2026 إلى أن 65% من البالغين الأمريكيين يشعرون بالقلق من أن تغير المناخ سيضر بصحتهم.
وهذا القلق يتزايد عندما تصبح الآثار المناخية محسوسة بصورة مباشرة، سواء في صورة حرارة شديدة أو دخان سام أو فيضانات أو أعاصير.
من حماية العمال إلى وظائف خضراء
يمكن للنقابات العمالية أن تلعب دورًا أكبر في التحول المناخي، ليس فقط من خلال المطالبة بالحماية من المخاطر، وإنما أيضًا عبر الدفع نحو وظائف أكثر استدامة.
وتوجد بالفعل حملات عمالية تستهدف التحول إلى قطارات كهربائية، وتقليل انبعاثات القاطرات، وتحسين المدارس، ودعم التشريعات التي تجمع بين خفض الانبعاثات وخلق وظائف خضراء.
ويعني ذلك أن العمال يمكن أن يتحولوا من فئة متضررة من أزمة المناخ إلى قوة سياسية واجتماعية تدفع نحو سياسات مناخية أكثر طموحًا.
فالعامل الذي يواجه الحرارة أو الدخان في مكان عمله لا يحتاج إلى تقرير علمي لإدراك أن المناخ يتغير؛ فهو يختبر هذا التغير في جسده وفي ظروف عمله اليومية.
حماية العمال لم تعد خيارًا
تكشف حرائق الغابات وموجات الحر والأعاصير عن واقع جديد: أزمة المناخ أصبحت أزمة عمل أيضًا.
فالسائق الذي يستنشق دخان الحرائق، والعامل الذي يعمل داخل مصنع تتجاوز حرارته الخارج، والممرض الذي يقدم الرعاية وسط انقطاع المياه والكهرباء، جميعهم يواجهون نسخة مختلفة من الخطر المناخي نفسه.
ومع توقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وزيادة شدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة، لن يكون الاعتماد على الحلول المؤقتة كافيًا.
المطلوب هو وضع معايير واضحة لحماية العمال من الحرارة ودخان الحرائق والفيضانات والعواصف وغيرها من المخاطر المناخية، إلى جانب توفير التدريب والمعدات المناسبة ومنح العامل الحق في التوقف عن العمل عندما تصبح الظروف خطرة.
فإذا كان تغير المناخ يعيد تشكيل العالم من حولنا، فمن الطبيعي أن يعيد أيضًا تشكيل قواعد العمل. والسؤال لم يعد ما إذا كان العمال سيتأثرون بأزمة المناخ، وإنما: هل ستتحرك القوانين وأصحاب العمل لحمايتهم قبل أن تصبح الظروف أكثر خطورة؟
