كيف حافظت الأرض على الأكسجين بعد حدث الأكسدة العظيم؟ الفوسفور يحمل الإجابة

سر الأكسجين القديم في المحيطات.. الفوسفور يكشف حلقة مفقودة في تاريخ الأرض

منذ أكثر من ملياري عام، أصبح الأكسجين جزءًا دائمًا من الغلاف الجوي للأرض، لكن ما حدث بعد ذلك ظل لغزًا حير العلماء لعقود.

فبعد ارتفاع الأكسجين خلال ما يُعرف بـحدث الأكسدة العظيم، كان السؤال هو: كيف ظل مستواه مرتفعًا لفترات طويلة بدلًا من أن يتراجع تدريجيًا؟

وتقدم دراسة جديدة إجابة تستند إلى عنصر غذائي ربما لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي يحظى به الأكسجين، وهو الفوسفور.

وكشف الباحثون أن زيادة توافر الفوسفور في المحيطات ربما دعمت نمو الكائنات الحية، وعززت دفن الكربون العضوي في الرواسب البحرية، وهو ما ساعد بدوره على تقليل كمية الأكسجين التي كانت تُستهلك أثناء تحلل المادة العضوية، وبالتالي دعم استمرار وجود الأكسجين في الغلاف الجوي.

وقاد الدراسة باحثون من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، ونُشرت نتائجها في دورية Nature Communications.

لغز أقدم من ظهور الحياة المعقدة

يعرف العلماء الخطوط العريضة لتاريخ الأكسجين على الأرض؛ إذ أصبح الأكسجين عنصرًا مستقرًا في الغلاف الجوي قبل نحو 2.3 مليار سنة، خلال حدث الأكسدة العظيم.

لكن استمرار ارتفاع مستوياته بعد ذلك كان أكثر تعقيدًا، فإذا لم يتم الحفاظ على الأكسجين لفترات طويلة، لكان الطريق أمام تطور أشكال الحياة الأكثر تعقيدًا مختلفًا جذريًا.

ولهذا فإن معرفة العوامل التي ساعدت على إبقاء مستويات الأكسجين مرتفعة تمثل جزءًا أساسيًا من فهم كيفية تحول الأرض إلى كوكب قادر على دعم أشكال الحياة المتنوعة.

الفوسفور يدخل إلى القصة

وجد الباحثون أن الفوسفور أدى دورًا محوريًا في هذه العملية، والفوسفور عنصر أساسي للحياة، فهو يدخل في تركيب جزيئات حيوية مهمة، كما يوجد في العمود الفقري لجزيئات الحمض النووي، ويُستخدم على نطاق واسع في الأسمدة الزراعية.

وقالت أودري بيكر، الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، إن الكائنات الحية لا تستطيع النمو أو أداء وظائفها بصورة طبيعية من دون الفوسفور.

ومع زيادة توافر الفوسفور في المحيطات، أصبح بإمكان الكائنات الحية إنتاج المزيد من المادة العضوية، ما أدى إلى زيادة كمية الكربون العضوي التي دُفنت في الرواسب البحرية.

وتكمن أهمية هذه العملية في أن الكربون العضوي المدفون لا يعود بسهولة إلى التفاعل مع الأكسجين الموجود في البيئة.

وبالتالي، كلما زادت كمية الكربون التي خرجت من دورة التحلل ودُفنت في الرواسب، انخفضت كمية الأكسجين التي كان يمكن استهلاكها خلال تحلل المادة العضوية، ما ساعد على بقاء جزء أكبر منه في الغلاف الجوي.

حلقة بين الأكسجين والفوسفور والميكروبات

لم تكن العلاقة بين الفوسفور والأكسجين خطًا مستقيمًا، بل تضمنت حلقة تغذية راجعة بين المحيطات والكائنات الحية.

فمع زيادة الأكسجين في المحيطات، ارتفعت تركيزات الكبريتات أيضًا، واستخدمت الميكروبات الكبريتات في عمليات استقلابية تساعد على تفكيك المادة العضوية بكفاءة أكبر.

وأدت هذه العمليات إلى إطلاق الفوسفور مرة أخرى في مياه البحر، ما وفر مصدرًا إضافيًا من المغذيات للكائنات الحية البحرية.

ومع زيادة توافر الفوسفور، أمكن دعم نمو حيوي جديد، ما أدى إلى إنتاج مزيد من المادة العضوية ودفن مزيد من الكربون في الرواسب.

وهكذا نشأت دورة يمكن أن تساعد على تعزيز استمرار الأكسجين في البيئة بدلًا من استهلاكه بالكامل خلال عمليات التحلل.

تقنية جديدة لقراءة الصخور القديمة

كان اختبار هذه الفكرة يتطلب التغلب أولًا على مشكلة تقنية، فحلل الباحثون صخورًا قديمة من جنوب أفريقيا باستخدام تقنية جديدة تستطيع التمييز بين أشكال الفوسفور وفق نوع المعدن الذي يرتبط به.

وتقوم الطريقة على إذابة أنواع المعادن الموجودة في الصخور بصورة متتابعة، بحيث يمكن تحديد الفوسفور المرتبط بكل نوع منها.

وهذا التفصيل مهم لأن الفوسفور الموجود في الصخور القديمة ليس كله متساويًا من الناحية البيولوجية.

فبعضه كان يمكن أن يكون متاحًا للكائنات الحية في المحيطات القديمة، بينما كان جزء آخر محبوسًا كيميائيًا داخل المعادن، وبالتالي لم يكن متاحًا للاستخدام الحيوي.

وكانت الطرق السابقة تسمح للعلماء بقياس إجمالي الفوسفور المحفوظ في الصخور، لكنها لم تكن قادرة بالقدر نفسه على تحديد أي جزء منه كان متاحًا للحياة وأي جزء كان مقيدًا كيميائيًا.

وقالت بيكر إن القدرة على فصل الفوسفور الذي كان متاحًا للكائنات الحية عن الفوسفور الذي كان محبوسًا كيميائيًا توفر صورة أكثر وضوحًا لمستويات المغذيات في المحيطات القديمة.

تاريخ الأكسجين ربما كان أكثر تقلبًا

تشير النتائج أيضًا إلى أن تاريخ الأكسجين على الأرض ربما كان أكثر تقلبًا مما كان يُعتقد.

فبعد حدث الأكسدة العظيم، يُحتمل أن مستويات الأكسجين ارتفعت وانخفضت بدرجات أكبر خلال فترات امتدت لعشرات الملايين من السنين.

وكان من شأن هذه التقلبات أن تؤثر في كيمياء المحيطات، وفي الطريقة التي تدور بها المغذيات والعناصر الكيميائية داخل البيئة.

وقد يؤدي ذلك إلى إعادة النظر في بعض الأفكار المتعلقة بالتأخر الطويل بين ظهور الأكسجين بكميات أكبر وظهور أشكال الحياة المعقدة.

فإذا كانت فترات طويلة من تاريخ الأرض شهدت مستويات من الأكسجين أعلى مما كان يُعتقد، فإن نقص الأكسجين وحده قد لا يكون تفسيرًا كافيًا لتأخر ظهور الكائنات الحية المعقدة.

ومن المحتمل أن عوامل بيئية وبيولوجية أخرى لعبت أدوارًا مهمة في هذه المرحلة من تاريخ الأرض.

درس من الماضي البعيد

يحمل هذا التاريخ الجيولوجي أيضًا صلة بالبيئة البحرية الحديثة، فالتغير المناخي يؤدي بالفعل إلى انخفاض مستويات الأكسجين في بعض مناطق المحيطات، وهي ظاهرة تُعرف باسم نقص الأكسجين البحري.

ويحذر الباحثون من أن استمرار هذه التغيرات قد يؤثر بدوره في توافر الفوسفور ودورة المغذيات في المحيطات.

وإذا أصبح الفوسفور المتاح للكائنات الحية أقل، فقد تتراجع الإنتاجية الحيوية البحرية، وهو ما يمكن أن يزيد الضغوط التي تواجهها النظم البيئية البحرية في ظل ارتفاع درجات حرارة المياه وتغير شبكات الغذاء.

ولا تعني هذه المقارنة أن المحيطات الحديثة ستكرر ظروف الأرض قبل مليارات السنين، لكنها توضح مدى الترابط بين الأكسجين ودورة المغذيات والإنتاجية الحيوية في النظم البحرية.

هل يساعدنا تاريخ الأرض في البحث عن الحياة؟

تمتد أهمية هذه النتائج إلى ما هو أبعد من تاريخ الأرض، ففهم الطريقة التي تطورت بها العلاقة بين الأكسجين والمغذيات والحياة على كوكبنا يمكن أن يساعد العلماء في تحديد المؤشرات التي قد تكون ذات أهمية عند دراسة عوالم أخرى تحتوي على محيطات.

وقد تشمل هذه العوالم بعض الأقمار الجليدية في النظام الشمسي، إلى جانب الكواكب الخارجية التي قد تحتوي على بيئات مائية.

وتشير الدراسة إلى أن البحث عن الحياة خارج الأرض لا يعتمد فقط على اكتشاف الأكسجين، بل يحتاج أيضًا إلى فهم السياق الكيميائي والبيولوجي الذي يمكن أن يؤدي إلى وجوده واستمراره.

وقالت بيكر إن تاريخ الأرض يوضح أن الأكسجين والمغذيات والحياة تطورت معًا، وإن فهم هذه الروابط يوفر منظورًا أكثر دقة حول مستقبل كوكبنا، وكذلك حول المؤشرات التي يمكن البحث عنها عند دراسة الكواكب الأخرى.

وتقدم النتائج بذلك حلقة جديدة في قصة تطور الأرض: فالفوسفور لم يكن مجرد عنصر غذائي للحياة القديمة، بل ساعد، من خلال تأثيره في الإنتاجية الحيوية ودفن الكربون ودورة العناصر في المحيطات، على تشكيل الظروف التي سمحت للأكسجين بالبقاء في البيئة لفترات طويلة.

↑
Exit mobile version