6 درجات فوق المعدل.. التغير المناخي يطلق موجات حر بحرية قياسية في أوروبا
موجات الحر البحرية في أوروبا أصبحت أوسع بنحو هائل بسبب تلوث الكربون
كشفت دراسة حديثة أن التلوث الكربوني الناجم عن حرق الوقود الأحفوري تسبب في توسع «هائل» لموجات الحر البحرية في أنحاء أوروبا خلال صيف 2026، مع تسجيل درجات حرارة في بعض المناطق البحرية تصل إلى 6 درجات مئوية فوق المعدلات المعتادة.
وأظهرت الدراسة، التي أجرتها مجموعة «وورلد ويذر أتريبيوشن» (World Weather Attribution)، أن أشد فترات الحرارة البحرية التي شهدتها أوروبا هذا العام كانت «شبه مستحيلة» الحدوث في مناخ ما قبل الثورة الصناعية في ثلاث من أصل أربع مناطق بحرية خضعت للتحليل.
وفي منطقة بحرية تغطي جزءًا كبيرًا من المياه المحيطة بالجزر البريطانية، والمعروفة باسم المنطقة السلتية، وصلت موجات الحر البحرية إلى مستويات كانت تحدث تاريخيًا مرة واحدة تقريبًا كل قرن.
ووفقًا للباحثين، كان تغير المناخ مسؤولًا عن نحو ثلثي الحرارة الزائدة التي جرى رصدها، بعدما أدى الاحترار العالمي إلى رفع درجات حرارة المياه بنحو درجتين مئويتين في البحر المتوسط، و1.4 درجة مئوية في خليج بسكاي وشبه الجزيرة الأيبيرية، و1.3 درجة مئوية في المياه المحيطة بأيرلندا والقنال الإنجليزي.
وتأتي هذه النتائج في وقت تواجه فيه أوروبا واحدًا من أشد فصول الصيف حرارة في تاريخها، بعدما تسببت موجات الحر المتتالية في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص، وأدت إلى فقدان النباتات للرطوبة، وتضرر المحاصيل، فضلًا عن زيادة مخاطر اندلاع حرائق الغابات واسعة النطاق.

موجات حر بحرية غير مسبوقة
أظهرت الدراسة توسعًا كبيرًا في نطاق موجات الحر البحرية خلال عام 2026، إذ غطت حتى الآن نحو 90% من منطقة خليج بسكاي والساحل الأيبيري، ونحو 80% من غرب البحر المتوسط.
وأشار الباحثون إلى أنه في سيناريو افتراضي لم يتأثر فيه المناخ بالاحترار الناجم عن النشاط البشري، كان من المتوقع أن تكون المساحات المتأثرة بموجات الحر البحرية في تلك المناطق أقل بنحو النصف.
وفي شرق البحر المتوسط، أدى استبعاد تأثير تغير المناخ من التحليل إلى انخفاض المساحة المتوقعة لموجات الحر البحرية من 70% إلى 9% فقط، بينما تراجعت النسبة في المنطقة السلتية من 80% إلى 30%.
واعتمد التحليل على مقارنة درجات حرارة سطح البحر التي جرى رصدها فعليًا بمحاكاة أجرتها نماذج مناخية، بهدف تحديد الدور الذي لعبه الاحترار العالمي في موجات الحر البحرية التي تشهدها أوروبا.
وتُعد هذه الدراسة أول تحليل للمجموعة يركز بصورة مباشرة على تأثير حرق الوقود الأحفوري في ارتفاع حرارة البحار.
تهديد مباشر للحياة البحرية
ولا تحظى موجات الحر البحرية بالاهتمام نفسه الذي تحظى به موجات الحر على اليابسة، إلا أن آثارها على النظم البيئية يمكن أن تكون شديدة الخطورة.
ويمكن لارتفاع حرارة المياه أن يؤدي إلى نفوق أنواع بحرية تؤدي دورًا أساسيًا في تكوين الموائل، مثل الشعاب المرجانية والطحالب الكبيرة، كما يمكن أن يتسبب في اضطراب النظم البيئية وارتفاع معدلات نفوق الأسماك والطيور البحرية على نطاق واسع.
وقالت كلير بيرجين، العالمة في وحدة أبحاث المناخ الأيرلندية بجامعة ماينوث وأحد المشاركين في إعداد التقرير، إن ارتفاع درجات حرارة المياه قد يبدو أمرًا جذابًا لمرتادي الشواطئ في الدول الأوروبية الأكثر برودة، إلا أن تأثيراته على الحياة البحرية تحت سطح الماء أكثر خطورة.
وأضافت أن استمرار هذه الظاهرة يمكن أن يعيد تشكيل النظم البيئية بصورة كاملة، وهي النظم التي تعتمد عليها المجتمعات الساحلية في توفير الغذاء والدخل، فضلًا عن إمكانية مساهمتها في زيادة حدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة على اليابسة.

البحار الساخنة تزيد مخاطر الأمطار الغزيرة
ولا تقتصر تداعيات موجات الحر البحرية على البيئة البحرية، إذ تشير أبحاث سابقة إلى وجود علاقة بين ارتفاع حرارة مياه البحار وزيادة شدة الأمطار على اليابسة.
وخلصت دراسة منشورة في يناير الماضي إلى أن نحو 5% إلى 25% من حالات الأمطار الغزيرة والمتطرفة التي تشهدها المناطق الساحلية حول العالم تحدث بالتزامن مع وجود موجة حر بحرية قريبة.
كما أظهرت الدراسة أن معدلات هطول الأمطار خلال العواصف الشديدة المتأثرة بموجات الحر البحرية القوية يمكن أن تكون أعلى بنحو 20% إلى 30%.
وقال جيمي أتكينز، العالم في جامعة أوترخت والمؤلف الرئيسي لدراسة سابقة حول موجة الحر البحرية غير المسبوقة التي ضربت شمال غرب أوروبا عام 2023، إن النتائج الجديدة تعزز الأبحاث السابقة التي تظهر أن درجات الحرارة القصوى التي تشهدها أوروبا حاليًا لا ينبغي اعتبارها ظواهر غير متوقعة.
وأضاف أن تأثير تغير المناخ على البحار الأوروبية «بدأ يظهر بصورة واضحة»، ولم يعد مقتصرًا على مناطق بحرية محدودة أو معزولة، مشددًا على أن تأثير البحار في الحياة اليومية للسكان لا ينبغي التقليل من شأنه.
أوروبا تواجه تداعيات الاحترار
وتُعد أوروبا أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، وتواجه بصورة متزايدة تداعيات التلوث المتسبب في ارتفاع حرارة الكوكب.
وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت القارة لسلسلة من الظواهر الجوية الكارثية التي خلصت دراسات علمية إلى أن تغير المناخ أدى إلى تفاقمها، بالتزامن مع استمرار بعض الحكومات الأوروبية في التوسع في مشروعات الوقود الأحفوري والتراجع عن بعض السياسات الرامية إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وقال محمد عدو، مدير مؤسسة «باور شيفت أفريكا» المعنية بقضايا المناخ، والذي لم يشارك في الدراسة، إن نتائجها تؤكد أنه «لا توجد منطقة آمنة في العالم من أزمة المناخ».
وانتقد عدو استمرار التوسع في البنية التحتية للوقود الأحفوري في أوروبا، معتبرًا أن القارة لا يمكنها الاعتراف بالعلم من جهة، والاستمرار في توسيع استخدام الوقود الأحفوري من جهة أخرى.
وحذر من أن كل مشروع جديد للنفط والغاز يعني مزيدًا من الاحترار، ويدفع النظم البيئية إلى الاقتراب من حدود قد يصعب عليها التعافي منها.





