أخبارتغير المناخ

القطب الشمالي ليس منطقة مناخية واحدة.. العلماء يرصدون 3 أنظمة جوية بمستقبل مختلف

دراسة تكشف 3 مناطق مناخية متميزة في القطب الشمالي.. ولكل منها استجابة مختلفة للاحتباس الحراري

كشفت دراسة علمية حديثة أن القطب الشمالي لا يمثل نظامًا مناخيًا متجانسًا، بل يتكون من ثلاث مناطق جوية متميزة تختلف في استجابتها لارتفاع درجات الحرارة، وهو ما قد يؤثر في تكوّن السحب ومستقبل الجليد البحري ودقة التوقعات المناخية.

واعتمد الباحثون على مجموعة واسعة من بيانات الهباء الجوي، جُمعت على مدى أكثر من عقدين من ثماني محطات للرصد موزعة في أنحاء القطب الشمالي، ودمجوها مع بيانات الأقمار الصناعية وتقنيات رسم الخرائط المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لتحديد ثلاث مناطق تختلف في خصائصها الجوية وآليات تكوّن الجسيمات الدقيقة فيها.

وتشير النتائج إلى أن الاحترار قد يؤدي إلى زيادة الجسيمات التي تساعد على تكوّن السحب في إحدى المناطق، بينما قد تتراجع هذه الجسيمات في منطقة أخرى.

أما المنطقة الثالثة، فيعتمد مستقبلها بدرجة كبيرة على الانبعاثات الصناعية وحرائق الغابات ومصادر التلوث في مناطق بعيدة عن القطب الشمالي.

ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Geoscience العلمية، وقاد الدراسة صمويل دي شون تشوا من جامعة هلسنكي، واستند الفريق إلى قياسات جُمعت خلال الفترة من 2003 إلى 2024.

ويأتي هذا الاكتشاف في وقت ترتفع فيه حرارة القطب الشمالي بنحو أربعة أمثال متوسط معدل الاحترار العالمي، ما يجعل فهم الاختلافات الإقليمية أمرًا مهمًا لتفسير التحولات المناخية وتوقع مساراتها المستقبلية.

الجسيمات الدقيقة تتحكم في تكوّن السحب

القطب الشمالي

تحتاج السحب إلى جسيمات دقيقة تعمل بوصفها نوى يتكثف حولها بخار الماء، لتتكون قطرات الماء التي تشكل السحب، وتُعرف هذه الجسيمات باسم «نوى تكاثف السحب».

وفي الظروف المناسبة، يمكن أن تؤدي زيادة هذه النوى إلى تكوّن عدد أكبر من قطرات الماء الأصغر حجمًا، ما يزيد قدرة السحب على عكس أشعة الشمس.

وفي المناطق الاستوائية، تكون الجسيمات اللازمة لتكوين السحب متوافرة عادة بكميات كبيرة، ولذلك قد لا يؤدي التغير المحدود في أعدادها إلى تأثير مماثل لما يحدث في القطب الشمالي، حيث تكون تركيزاتها منخفضة أحيانًا إلى درجة تجعل تكوّن السحب مقيدًا بندرة هذه الجسيمات.

وبالتالي، يمكن أن يؤدي تغير محدود في كمية الهباء الجوي إلى التأثير في توازن الطاقة على مساحات واسعة من المحيطات أو الجليد في المنطقة القطبية.

وتتمثل إحدى العمليات المهمة المسؤولة عن إنتاج هذه الجسيمات في «تكوّن الجسيمات الجديدة»، وهي عملية تتجمع خلالها جزيئات غازية لتكوين جسيمات دقيقة في الغلاف الجوي.

وتشمل المواد الأولية اللازمة لهذه العملية مركبات اليود الناتجة عن ذوبان الجليد البحري، وأبخرة الكبريت المرتبطة بالنشاط البيولوجي، ونواتج أكسدة بعض المركبات العضوية.

ويتأثر معدل تكوّن الجسيمات بدرجة الحرارة وأشعة الشمس والرطوبة وتوافر الغازات الأولية، ما يؤدي إلى اختلاف هذه العملية من منطقة قطبية إلى أخرى.

ولم تتمكن الدراسات السابقة من رسم صورة كاملة لهذه الاختلافات بسبب محدودية البيانات المتاحة من محطات الرصد وقصر الفترات الزمنية التي غطتها بعض القياسات.

بيانات الأقمار الصناعية ترسم خريطة جديدة للقطب الشمالي

لمعالجة نقص البيانات، طور فريق جامعة هلسنكي مؤشرًا مستمدًا من بيانات الأقمار الصناعية أطلق عليه اسم «إمكانات تكوّن الجسيمات الجديدة».

ويُحسب هذا المؤشر شهريًا بالاستناد إلى مجموعة من المتغيرات، تشمل الأشعة فوق البنفسجية وبخار الماء والغطاء النباتي وتركيز الجليد البحري وكمية الهباء الجوي في الغلاف الجوي ودرجة حرارة السطح.

ثم عاير الباحثون المؤشر باستخدام القياسات الفعلية المسجلة في محطات الرصد الأرضية.

وعند تطبيقه على مناطق القطب الشمالي خلال الفترة من 2006 إلى 2021، أتاح المؤشر إعداد خريطة تمتد على 15 عامًا، توضح الأماكن التي ترتفع فيها احتمالات تكوّن الجسيمات الجديدة أو تنخفض، وكذلك المناطق التي لا تمثل فيها هذه العملية العامل الأساسي المحدد لكمية نوى تكاثف السحب.

وأظهرت النتائج وجود ثلاث مناطق رئيسية، تختلف كل منها في مصادر الجسيمات الدقيقة وآليات تأثير الاحترار في تكوّن السحب.

القطب الشمالي

المنطقة القطبية العليا: ذوبان الجليد قد يزيد تكوّن الجسيمات

تمتد المنطقة القطبية العليا عبر مناطق الجليد الدائم والأراضي المغطاة بالثلوج وجرينلاند والأرخبيل الكندي، وتظهر فيها علاقة أوضح بين تكوّن الجسيمات الجديدة وتركيز نوى تكاثف السحب.

وفي هذه المنطقة، تؤدي العمليات المحلية دورًا رئيسيًا في تحديد خصائص الغلاف الجوي. ويؤدي تراجع الجليد البحري عند أطرافه إلى إطلاق مركبات كيميائية ومواد أولية ذات منشأ بيولوجي، يمكن أن تسهم في زيادة تكوّن الجسيمات الدقيقة.

ووفقًا لتقديرات الدراسة، قد ترتفع تركيزات نوى تكاثف السحب في هذه المنطقة بنسبة تتراوح بين 3% و16% بحلول الفترة من 2090 إلى 2100، في ظل سيناريو متوسط للاحترار.

وتعكس هذه التوقعات احتمال أن يؤدي استمرار التغيرات في الجليد البحري والعمليات البيولوجية والكيميائية المرتبطة به إلى تعديل الظروف الجوية المحلية، مع بقاء حجم التغير الفعلي مرتبطًا بمسار الاحترار والظروف البيئية المستقبلية.

المنطقة البحرية: زيادة احتمالات تكوّن الجسيمات لا تعني زيادة السحب

تضم المنطقة القطبية البحرية المسطحات المفتوحة من بحر بارنتس والبحر النرويجي، وهي مناطق يخلو بعضها من الجليد بصورة موسمية، وتتميز بنشاط بيولوجي ملحوظ وتوافر مركبات اليود والكبريت التي تسهم في تكوّن الجسيمات الدقيقة.

وسجلت هذه المنطقة أعلى إمكانات لتكوّن الجسيمات الجديدة بين المناطق الثلاث، لكن الدراسة رصدت اختلافًا مهمًا بين إمكانات تكوّن الجسيمات وتركيز نوى تكاثف السحب الفعلية.

فمع زيادة بخار الماء، ترتفع قدرة الجسيمات الموجودة في الغلاف الجوي على التقاط المواد المتكثفة، وهي عملية تُعرف في كيمياء الغلاف الجوي باسم «مصرف التكثف».

وقد يؤدي ذلك إلى امتصاص الجسيمات المتكونة حديثًا بواسطة جسيمات الهباء الجوي الموجودة بالفعل، قبل أن تنمو إلى أحجام تسمح لها بالمساهمة في تكوّن السحب.

وبناءً على تقديرات الدراسة، قد تنخفض تركيزات نوى تكاثف السحب في هذه المنطقة بنسبة تتراوح بين 15% و31% بحلول نهاية القرن.

وقد يؤثر هذا التراجع في ظروف تكوّن السحب على مساحات واسعة من المنطقة القطبية، ما يوضح أن ارتفاع احتمالات تكوّن الجسيمات الجديدة لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة عدد الجسيمات القادرة على المساهمة في تكوين السحب.

القطب الشمالي

المنطقة القارية: الانبعاثات البعيدة تتحكم في الجسيمات الجوية

أما المنطقة القطبية القارية، فتمتد من لابلاند شرقًا عبر سيبيريا وصولًا إلى أجزاء من شمال كندا، وتختلف عن المنطقتين الأخريين في العلاقة بين تكوّن الجسيمات الجديدة وتركيز نوى تكاثف السحب.

ففي هذه المنطقة، لا يرتبط المؤشر الذي يقيس إمكانات تكوّن الجسيمات الجديدة ارتباطًا واضحًا بتركيز نوى تكاثف السحب، ما يشير إلى أن الإنتاج المحلي للجسيمات ليس العامل الأساسي المحدد لمخزون هذه النوى في الغلاف الجوي.

وبدلًا من ذلك، يعتمد هذا المخزون بدرجة كبيرة على انتقال الجسيمات من مناطق بعيدة، بما يشمل الهباء الجوي المحتوي على الكبريتات والجسيمات العضوية المنقولة من الأنشطة الصناعية في أوروبا وحرائق الغابات في سيبيريا والأنشطة الزراعية في أمريكا الشمالية.

ويعني ذلك أن خصائص الغلاف الجوي فوق هذا الحزام القطبي تتأثر بقرارات بشرية تُتخذ على مسافات آلاف الكيلومترات، وأن مستقبل السحب فيه قد يتحدد بدرجة أكبر وفق مسار الانبعاثات العالمية، وليس وفق درجات الحرارة المحلية وحدها.

لماذا تؤثر هذه الاختلافات في التوقعات المناخية؟

قال تشوا إن السؤال لا يقتصر على ما إذا كانت السحب ستزداد في القطب الشمالي، بل يشمل أيضًا الأماكن التي ستحدث فيها هذه الزيادة وحجمها.

وتُعد السحب أحد أكبر مصادر عدم اليقين في التوقعات المناخية، لأن تأثيرها في حرارة الأرض يعتمد على خصائصها وارتفاعها وسمكها ومحتواها المائي والظروف المحيطة بها.

فقد تؤدي السحب إلى عكس جزء من الإشعاع الشمسي، بما يساعد على تبريد السطح، لكنها قد تسهم أيضًا في احتجاز الحرارة المنبعثة من الأرض، بما يعزز الاحترار في ظروف معينة.

ولذلك، فإن حدوث تغيرات متباينة في السحب بين مناطق القطب الشمالي لا يعني أن آثارها ستلغي بعضها بعضًا بالضرورة، بل قد يؤدي إلى تغيرات إقليمية مختلفة في توازن الطاقة.

وترتبط هذه التأثيرات أيضًا بتراجع الجليد البحري وامتصاص المحيطات للحرارة وأنماط دوران الغلاف الجوي التي تنقل تأثيرات الطقس إلى مناطق خطوط العرض الوسطى.

ومن شأن التغيرات في السحب القطبية أن تؤثر في كمية أشعة الشمس الواصلة إلى السطح ومقدار الحرارة المحتجزة في الغلاف الجوي، وهو ما قد ينعكس بدوره على فقدان الجليد البحري ومعدلات الاحترار الإقليمي.

وتواجه النماذج المناخية صعوبة في تمثيل هذه العمليات المترابطة بدقة، ما يضيف مزيدًا من عدم اليقين إلى التوقعات المتعلقة بمستقبل المناخ في القطب الشمالي.

لماذا تمثل القياسات طويلة الأجل أهمية خاصة؟

يرى الباحثون، أن امتداد سجلات القياس على مدى أكثر من عقدين كان عاملًا حاسمًا في الكشف عن الاختلافات بين المناطق القطبية.

وتتسم العمليات الفيزيائية والكيميائية المرتبطة بالهباء الجوي في القطب الشمالي بتغيرات موسمية شديدة؛ ولذلك قد تكشف محطة رصد تعمل لثلاث سنوات عن ظروف صيف معين، لكنها لا تكفي بالضرورة لتحديد ما إذا كانت هذه الظروف معتادة أو استثنائية.

أما القياسات الممتدة لعشرين عامًا، فتتيح مقارنة المواسم المختلفة ورصد الاتجاهات طويلة الأجل، وتساعد على التمييز بين التغيرات الموسمية الطبيعية والتحولات المرتبطة بتغير المناخ.

وتبرز أهمية المنطقة القطبية القارية بصورة خاصة، لأن توقعات تركيز نوى تكاثف السحب فيها لا يمكن أن تعتمد على الظروف المحلية وحدها، بل تحتاج إلى تقدير التغيرات في الانبعاثات المنقولة من المناطق الصناعية وحرائق الغابات وغيرها من المصادر البعيدة.

ومع تراجع الانبعاثات الأوروبية خلال العقود الماضية، يُرجح أن تكون تركيزات نوى تكاثف السحب في هذه المنطقة قد تغيرت بالفعل، وفقًا لما تشير إليه الدراسة.

وقد يؤدي استمرار خفض الانبعاثات إلى تقليل هذه الجسيمات، في حين يمكن أن تسهم زيادة حرائق الغابات في المناطق الشمالية ذات الغابات المخروطية في رفع تركيزاتها مجددًا.

وتخلص الدراسة إلى أن التعامل مع القطب الشمالي باعتباره منطقة واحدة متجانسة لا يعكس تعقيد العمليات الجوية التي تتحكم في مناخه، وأن مراعاة الفروق بين مناطقه الثلاث قد تساعد العلماء على تحسين دقة التوقعات المناخية وفهم كيفية استجابة السحب والجليد والأنظمة البيئية لمواصلة الاحترار.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى