14 سنتيمترًا فقط.. الجفاف يخفض مياه الدانوب ويكشف حطامًا وآثارًا ظلت مدفونة لعقود
«صخرة الجوع» تظهر من جديد.. جفاف تاريخي يضرب الدانوب ويدمر المحاصيل ويهدد مياه الشرب والطاقة
يكشف الانحسار القياسي لمياه نهر الدانوب في المجر عن أزمة مناخية متفاقمة، بعدما تراجعت مستويات المياه إلى حدود غير مسبوقة، ما أدى إلى تضرر المحاصيل الزراعية، وتهديد إمدادات مياه الشرب، وتعقيد أوضاع الطاقة، فضلًا عن كشف أجزاء من قاع النهر ظلت مخفية لعقود.
وفي بودابست، لم تعد «صخرة الجوع»، التي ارتبط ظهورها تاريخيًا بانخفاض منسوب الدانوب إلى مستويات تنذر بفشل المحاصيل وانتشار المجاعة، مجرد أسطورة متوارثة؛ إذ ظهرت الصخرة مجددًا، وبشكل شبه كامل، بعدما انحسرت المياه بصورة استثنائية.
ويُعرف هذا الصخر في العاصمة المجرية باسم Ínség-szikla، أي «صخرة الجوع»، وكان ظهوره في الماضي يُعد تحذيرًا من وصول النهر إلى مستويات منخفضة للغاية، بما كان يعني تعطل الطواحين العائمة، وتراجع الإنتاج الزراعي، واحتمال وقوع أزمة غذائية.
لكن هذه المرة، يأتي ظهور الصخرة في ظل أزمة جفاف غير مسبوقة تضرب المجر وأجزاء واسعة من أوروبا، وتكشف عن تداعيات متشابكة تمتد من الزراعة والمياه إلى الطاقة والأنظمة البيئية.
خسائر زراعية ضخمة
على امتداد أكثر من 160 كيلومترًا، تظهر آثار الجفاف على ضفاف الدانوب بوضوح، حيث يواجه المزارعون ظروفًا قاسية تهدد محاصيلهم.
وفي قرية Pócsmegyer الواقعة على ضفاف النهر في مقاطعة بيشت، يقول المزارع إستفان سوموجي، البالغ من العمر 56 عامًا، إنه خسر نحو 50% من محصوله هذا العام، وقد ترتفع الخسائر إلى 70%.
ويقول سوموجي إن ما يحدث هو أسوأ كارثة شهدها منذ بدأ زراعة هذه الأراضي عقب انتهاء الحقبة الشيوعية في المجر.
وأضاف أن الأزمة لم تظهر فجأة، إذ كانت موجات الحر والجفاف خلال السنوات السابقة تمثل إنذارًا مبكرًا، مشيرًا إلى أن محصول العام الماضي كان ضعيفًا أيضًا، لكن ارتفاع مستوى الدانوب ساعد في الحفاظ على قدر من المياه داخل التربة.
أما هذا العام، فيرى أن الوضع مختلف تمامًا، وأنه لم يعد هناك أمل كبير في إنقاذ المحاصيل.
ويؤكد العلماء أن تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري يجعل موجات الحر أكثر شدة واحتمالًا، بينما يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الضغوط على الموارد المائية والزراعية.

نهر يمكن السير في قاعه
في مناطق من الدانوب بالقرب من مدينة Szentendre، انخفض منسوب المياه إلى درجة أصبح معها من الممكن السير في أجزاء من مجرى النهر، فيما لم تعد المياه تتجاوز الكاحلين في بعض المناطق.
وكشفت المياه المنحسرة عن جزر شاسعة تشبه الصحارى، بينما تشقق قاع النهر وأصبح أشبه بفسيفساء من الطين الجاف، بعد أن تعرض لحرارة خانقة دفعت درجات الحرارة في بودابست إلى الاقتراب من 42 درجة مئوية، مع تسجيل درجات حرارة ليلية مرتفعة بصورة غير معتادة.
وفي بعض المناطق، حُظرت السباحة والملاحة بسبب انخفاض المياه، لكن السكان والسائحين لا يزالون يدخلون إلى النهر هربًا من الحرارة، الأمر الذي يثير مخاطر الغرق بسبب وجود حفر ومناطق عميقة مفاجئة وسط الأجزاء الضحلة.
وسجلت الشرطة في بودابست، في نهاية يونيو، اختفاء ثلاثة أشخاص في نهر الدانوب خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة، قبل أن تتمكن شرطة المياه من انتشال جثة أحدهم، بينما استمرت عمليات البحث عن شخصين آخرين.

آلاف الأسر تواجه نقص المياه
لم تتوقف آثار الجفاف عند الزراعة، بل امتدت إلى مياه الشرب.
وفي مدينة Szentendre، اضطر المسؤولون إلى تخزين آلاف زجاجات المياه تحسبًا لحدوث نقص في الإمدادات، ولا سيما بالنسبة إلى كبار السن والفئات الأكثر احتياجًا.
وقال نائب رئيس بلدية المدينة، جوزيف جولياس، إن نحو 4 آلاف إلى 5 آلاف أسرة تُركت دون مياه، بينما جرى توزيع نحو 25 طنًا من المياه، وتلقت السلطات قرابة 100 مكالمة طوارئ يوميًا.
ويصف المسؤول الوضع بأنه غير مسبوق بالنسبة إلى المدينة، مشيرًا إلى أن بعض كبار السن كانوا يحتضنون عناصر فرق توزيع المياه ويبكون من شدة الأزمة.

مياه الدانوب عند مستويات قياسية الانخفاض
في العاصمة بودابست، التي يبلغ متوسط ارتفاع مياه الدانوب فيها في الظروف الطبيعية نحو مترين إلى ثلاثة أمتار، ويمكن أن يصل في بعض الحالات إلى 8 أمتار، تراجع منسوب المياه بصورة حادة.
وفي 4 أغسطس، هبط مستوى المياه إلى ما بين 14 و19 سنتيمترًا فقط، في واحدة من أكثر حالات الانحسار إثارة للقلق في تاريخ النهر الحديث.
وأدى هذا الانخفاض إلى ظهور مجموعة من الآثار والمخلفات التي كانت مدفونة تحت المياه، من بينها بقايا جسر دُمر بعد الحرب العالمية الثانية، وحطام سفينة حربية نازية، وقنبلة بريطانية غير منفجرة، فضلًا عن بقايا حيوانات وآثار أخرى.
الدانوب يتحول إلى مسار للدراجات
وفي مشهد يعكس حجم التراجع في مياه النهر، تمكن غابور كورتي، رئيس نادي راكبي الدراجات المجري ومالك شركة للدراجات المخصصة لنقل البضائع، من قيادة دراجته لمسافة 30 كيلومترًا فوق أجزاء من قاع الدانوب التي انكشفت بفعل الجفاف.
وانطلق كورتي في 28 يوليو من منطقة مصب جدول Szilas، وسار عبر الحصى والرمال والطين، قبل أن يصل بعد نحو ثلاث ساعات إلى محطة العبارات في مدينة فاك.
وقال إن الرحلة كانت بالنسبة إلى كثيرين مغامرة استثنائية، لكنها بالنسبة إليه كانت تجربة مؤلمة، لأنه كان يركب دراجته فوق أجزاء من النهر التي اعتاد السباحة والتجديف فيها عندما كان طفلًا.
ووصف المشهد بأنه يشبه النظر إلى موقع حادث مأساوي، مؤكدًا أن حجم الكارثة كان يتكشف أمامه طوال الرحلة.

الجفاف يهدد المحميات الطبيعية
وفي منطقة Nagytétény، أدى انحسار المياه إلى كشف أجزاء من الأراضي التي كانت تقع على عمق عدة أمتار تحت سطح النهر.
وأصبحت محمية Kis-Háros-sziget الطبيعية، التي كان الوصول إليها عادة لا يتم إلا بالقوارب، متصلة باليابسة بصورة مؤقتة، بعدما كشف انخفاض مستوى المياه جزءًا من قاع النهر.
وتضم المنطقة غابات فيضية ونباتات متسلقة وكرومًا برية، فضلًا عن مجموعات من القنادس الأوروبية.
ومع استمرار الجفاف، بدأت السلطات المجرية ضخ المياه إلى مناطق واسعة من المحميات الطبيعية للحفاظ على الأراضي الرطبة ومنعها من الجفاف الكامل.
أزمة تمتد إلى الطاقة
ولا تقتصر تداعيات الجفاف على الزراعة والمياه والنظم البيئية، إذ امتدت أيضًا إلى قطاع الطاقة.
فقد أدى انخفاض مستوى مياه الدانوب وارتفاع درجات الحرارة إلى تعقيد عمليات تبريد المنشآت النووية التي تعتمد على مياه النهر، ما دفع المجر إلى إيقاف معظم مفاعلات محطة الطاقة النووية في باكس التي تعتمد على مياه الدانوب للتبريد، في واقعة وُصفت بأنها غير مسبوقة منذ 44 عامًا.
وفي المدينة نفسها، يعمل موظفو البلدية خلال عطلات نهاية الأسبوع للحفاظ على أكثر من 700 شجرة مهددة بالجفاف، فضلًا عن ري المساحات الخضراء.
وتقول سيلفيا فاركاس، التي تعمل منذ 18 عامًا في شركة Dunakom Zrt التابعة للبلدية، إنها لم تشهد في حياتها المهنية هذا الحجم من جفاف النباتات والغطاء الأخضر.
وتعتمد الشركة على بئر خاص بها لاستخراج المياه، إلى جانب مصدر آخر في حوض ترسيب، بينما مُنع السكان من استخدام مياه الصنبور لري الحدائق، واضطر بعضهم إلى جمع المياه الرمادية وإعادة استخدامها.

الأزمة تكشف فجوة اجتماعية في الحصول على المياه
في المناطق الأكثر فقرًا وتهميشًا، أضاف الجفاف عبئًا جديدًا إلى مشكلات قائمة أصلًا، خاصة لدى الأسر التي تعاني منذ سنوات ضعف الوصول إلى شبكات مياه الشرب والصرف الصحي.
وتعيش غيزا أورشوس ريناتا، البالغة من العمر 43 عامًا، مع أطفالها الأربعة في منزل ريفي على أطراف باكس، من دون اتصال بشبكة مياه جارية.
وتعتمد الأسرة منذ سنوات على المياه التي يوفرها أحد الجيران، بينما تضطر حتى في فصل الشتاء إلى ضخ المياه وتسخينها في أوعية كبيرة لاستخدامها في الاغتسال.
ومع اشتداد الجفاف، أصبحت المياه تصل إلى الأسرة مرة واحدة أسبوعيًا فقط، ما جعل الظروف أكثر صعوبة.
«صخرة الجوع».. تحذير من الماضي يعود إلى الحاضر
ومع استمرار انخفاض منسوب الدانوب، تترقب المجر هطول الأمطار لإنهاء واحدة من أقسى موجات الجفاف التي شهدتها البلاد.
لكن ظهور «صخرة الجوع» مجددًا يمنح الأزمة بعدًا رمزيًا لافتًا، إذ إن الصخرة التي كانت في الماضي مؤشرًا على انخفاض المياه إلى مستويات تهدد الزراعة والغذاء، أصبحت اليوم شاهدًا على أزمة مناخية تتجاوز حدود دولة واحدة.
ويرى المزارع سوموجي أن الجفاف لن يكون أزمة عابرة، محذرًا من احتمال عودته العام المقبل.

ويقول: «الجفاف سيعود العام المقبل. هذا هو الاتجاه، وليس هناك الكثير مما يمكننا فعله».
وبينما ينتظر سكان ضفاف الدانوب عودة الأمطار وارتفاع منسوب النهر، تبدو «صخرة الجوع» أكثر من مجرد أثر تاريخي؛ فهي تذكير صارخ بأن تغير المناخ قد يحول التحذيرات القديمة إلى واقع جديد، وأن ندرة المياه يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة تمس الغذاء والطاقة والصحة والنظم البيئية والحياة اليومية للملايين.





