موجات حر ووفيات ومحاصيل مدمرة.. تقرير يرسم صورة قاتمة لصيف أوروبا ويكشف الوجه الأخطر لتغير المناخ
من موجات الحر إلى حرائق الغابات.. صيف أوروبي استثنائي ينذر بمخاطر أكبر
لم يكن صيف 2026 مجرد موسم شديد الحرارة في أوروبا، بل كان فصلًا استثنائيًا اجتمعت خلاله موجات الحر والجفاف وانخفاض تدفقات الأنهار وارتفاع حرارة البحار وحرائق الغابات، في صورة تكشف كيف يمكن لتطرف المناخ أن يضغط في الوقت نفسه على صحة الإنسان والمياه والطاقة والزراعة والنظم البيئية.
وبحسب أحدث مراجعة صادرة عن خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي، كان صيف 2026 ثالث أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق في أوروبا ككل، بينما سجلت أوروبا الغربية أعلى متوسط حرارة صيفية في سجلاتها.
أوروبا الغربية تسجل صيفًا قياسيًا
خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس 2026، بلغ متوسط درجة حرارة سطح الهواء في منطقة أوروبا الغربية 21.69 درجة مئوية، بزيادة قدرها 2.54 درجة مئوية عن متوسط الفترة المرجعية 1991-2020، متجاوزًا الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2003.
أما أوروبا ككل، فكان متوسط حرارة أراضيها خلال الصيف أعلى بنحو 1.17 درجة مئوية من متوسط 1991-2020، ليصبح صيف 2026 ثالث أكثر فصول الصيف حرارة في سجل بيانات كوبرنيكوس، بعد عامي 2024 و2022.
ولم تكن الحرارة القياسية محصورة في أشهر الصيف التقليدية؛ إذ بدأت موجات الحرارة مبكرًا بصورة استثنائية، بعدما ضربت موجة قوية مناطق واسعة من أوروبا الغربية في أواخر مايو، واستمرت درجات الحرارة المرتفعة حتى سبتمبر.
وكان يونيو 2026 الأكثر حرارة على الإطلاق في أوروبا الغربية، بمتوسط بلغ 20.74 درجة مئوية، أي أعلى بـ3.06 درجة مئوية من متوسط يونيو للفترة 1991-2020.

52 % من أوروبا تعرضت لإجهاد حراري شديد
الأخطر من ارتفاع درجات الحرارة نفسها كان اتساع نطاق الإجهاد الحراري، وهو مقياس يأخذ في الاعتبار تأثير الظروف الحرارية على جسم الإنسان.
وأظهرت بيانات كوبرنيكوس أن 52% من مساحة أوروبا تعرضت، بحلول نهاية الصيف، لمستوى “إجهاد حراري شديد جدًا” على الأقل، وهو ما يعادل درجات حرارة محسوسة تبلغ 38 درجة مئوية أو أكثر وفق مؤشر الحرارة الفسيولوجية المستخدم في الدراسة.
وفي أوروبا الغربية، شهدت المنطقة في المتوسط 41 يومًا من الإجهاد الحراري القوي خلال الصيف، بزيادة خمسة أيام عن الرقم المسجل في عام 2003، بينما بلغ عدد أيام الإجهاد الحراري “الشديد جدًا” 13 يومًا، وهو رقم قياسي جديد.
كما شهدت 17 يومًا وصلت خلالها درجات الحرارة إلى 30 درجة مئوية أو أكثر في 60% على الأقل من مساحة أوروبا الغربية، مقابل 11 يومًا في عام 2003 و7 أيام فقط في 2025.
الحرارة لم تضرب البشر وحدهم
تكشف بيانات كوبرنيكوس أن آثار صيف 2026 تجاوزت سجلات درجات الحرارة لتطال قطاعات مترابطة، من توافر المياه والطاقة والنقل إلى الزراعة والنظم البيئية والصحة العامة.
وقالت سامانثا بيرجس، عالمة المناخ في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، إن نتائج الصيف توضح أهمية بناء القدرة على الصمود أمام المخاطر المناخية المتزايدة والمترابطة.
وفي الوقت نفسه، سجلت درجات حرارة سطح البحار المحيطة بأوروبا مستويات قياسية أو قريبة من القياسية، بينما وصلت تدفقات الأنهار في أنحاء القارة إلى أدنى مستوياتها الصيفية منذ أكثر من 30 عامًا، ما يزيد الضغوط على إمدادات المياه والطاقة والنقل النهري والزراعة.
الجفاف والحرائق يضاعفان الخسائر
لم تأتِ الحرارة وحدها؛ فقد تزامنت مع ظروف جافة على نطاق واسع، وانخفاض في رطوبة التربة، وارتفاع مخاطر اندلاع وانتشار حرائق الغابات.
وتشير مراجعة كوبرنيكوس إلى أن صيف 2026 كان موسمًا من التطرفات المناخية المركبة، حيث اجتمعت الحرارة الشديدة والجفاف وانخفاض تدفقات الأنهار وارتفاع حرارة البحار والحرائق في مناطق واسعة من القارة.
وبذلك لم يعد الخطر مرتبطًا بحدث مناخي منفرد؛ فارتفاع الحرارة يزيد الطلب على المياه والطاقة، والجفاف يرفع مخاطر الحرائق، وانخفاض تدفقات الأنهار يضغط على إمدادات المياه وبعض أنظمة الطاقة والنقل، بينما يمكن للحرائق أن تضيف ملوثات خطرة إلى الهواء.

الزراعة أمام موسم صعب
كانت الزراعة من القطاعات الأكثر تعرضًا للضغط خلال موجات الحر والجفاف، خصوصًا في المناطق التي تزامن فيها ارتفاع الحرارة مع نقص المياه.
فالحرارة المرتفعة لفترات طويلة يمكن أن تقلل إنتاجية بعض المحاصيل وتزيد احتياجات الري، بينما يؤدي الجفاف إلى تقليص توافر المياه اللازمة للزراعة. وفي المناطق التي اجتمعت فيها الحرارة الشديدة مع حرائق الغابات، اتسعت المخاطر لتشمل الأراضي الزراعية وسلاسل الإمداد الغذائي.
وفي فرنسا، على سبيل المثال، استمرت موجات الحرارة خلال يوليو لفترات طويلة، بينما سجلت مناطق مختلفة من أوروبا درجات حرارة أعلى بكثير من المعدلات المعتادة.

دخان الحرائق يضيف خطرًا صحيًا جديدًا
لم تتوقف تداعيات الحرائق عند الأراضي والغابات، إذ أصبح دخان الحرائق مصدرًا إضافيًا للتلوث الهوائي، خاصة مع انتشار الجسيمات الدقيقة التي يمكن أن تتغلغل إلى الجهاز التنفسي.
ومع اتساع نطاق الحرائق وتزامنها مع موجات الحرارة، تتضاعف المخاطر الصحية بالنسبة إلى كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون من أمراض تنفسية أو قلبية، ما يجعل موجات الحر والحرائق أزمة صحية وبيئية في الوقت نفسه.
ما الذي يكشفه صيف 2026؟
الرسالة الأبرز من بيانات صيف 2026 ليست أن أوروبا سجلت أرقامًا قياسية جديدة فحسب، وإنما أن عدة مخاطر مناخية بدأت تظهر بصورة متزامنة.
فدرجات الحرارة القياسية تزامنت مع إجهاد حراري واسع، وجفاف، وانخفاض شديد في تدفقات الأنهار، وارتفاع حرارة البحار وحرائق الغابات. وهذا النوع من المخاطر المركبة يمكن أن يجعل التعامل مع كل أزمة على حدة أكثر صعوبة.
ويرى علماء مناخ وصحة أن الاستجابة لا تقتصر على خفض الانبعاثات المسببة لتغير المناخ، بل تشمل أيضًا إجراءات للتكيف، من زيادة المساحات الخضراء والظل في المدن إلى تحسين تصميم المباني، وحماية المستشفيات ودور الرعاية والمدارس، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد لموجات الحر والحرائق.
وبالنسبة إلى أوروبا، فإن صيف 2026 يقدم مؤشرًا واضحًا على أن الاحترار المناخي لا يظهر فقط في ارتفاع متوسط درجات الحرارة على المدى الطويل، وإنما أيضًا في تداخل الحرارة والمياه والحرائق والصحة والزراعة والطاقة داخل أزمة واحدة.
ومع استمرار ارتفاع حرارة المناخ، تصبح قدرة المدن والدول على التكيف مع هذه المخاطر المتزامنة عاملًا حاسمًا في الحد من آثارها المستقبلية.





