وجبة واحدة من ثدييات القطب الشمالي قد تنقل جرعة خطيرة من الملوثات
باحثون: الصناعة الكيميائية تواصل تهديد القطب الشمالي رغم الحظر الجزئي
-
PFAS تصل إلى أقصى شمال الأرض وتثير مخاوف صحية وبيئية عالمية
تشكل الملوثات الصناعية غير المرئية، المعروفة باسم PFAS، خطرًا متصاعدًا على الحياة البرية في القطب الشمالي، حيث تتراكم هذه المواد الكيميائية تدريجيًا في أجسام الدببة القطبية، والفقمات، والطيور البحرية، بل وحتى البشر الذين يعتمدون على الموارد الطبيعية في هذه المنطقة للحصول على الغذاء.
وكشفت دراسة علمية جديدة أن تراكيز هذه المواد في الكائنات الحية باتت مرتفعة لدرجة تهدد التوازن الهرموني، والمناعة، والبقاء على قيد الحياة على المدى الطويل.
نُشرت الدراسة في مجلة علوم البيئة الكلية Science of the Total Environment.
تتبع انتشار المواد الكيميائية في القطب الشمالي
تتبع الباحثون انتشار مركبات البيرفلورو ألكيل والبولي فلورو ألكيل (PFAS) عبر انتقالها مع الرياح والتيارات المائية من المصانع البعيدة إلى الجليد القطبي. وقد شارك في الدراسة باحثون من الولايات المتحدة وفنلندا وجزر فارو والدنمارك وكندا والنرويج والإمارات العربية المتحدة، حيث دمجوا بين البيانات الميدانية ونماذج الكمبيوتر لرسم خريطة دقيقة لحركة هذه المركبات السامة.
وقال الدكتور خالد عباس، الأستاذ المشارك في جامعة الشارقة وأحد المشاركين في الدراسة: “يسلط البحث الضوء على تأثيرات PFAS على وظائف الجهاز التناسلي والمناعي، وحتى زيادة خطر الإصابة بالسرطان لدى كل من البشر والحيوانات”.
وأضاف: “من المثير للقلق أن السكان الذين يعيشون في القطب الشمالي، والذين يعتمدون على الأغذية التقليدية مثل الثدييات البحرية، يتعرضون بشكل مباشر لهذه المواد الكيميائية”.

بين الموروث والسلامة: الصيادون أمام معضلة صحية
يواجه الصيادون التقليديون الذين يعتمدون على صيد الفقمة والحيتان والفظ معضلة بين الحفاظ على التقاليد وضمان السلامة الصحية. فبما أن مركبات PFAS تتراكم في الأنسجة الدهنية مع انتقالها عبر السلسلة الغذائية، يمكن لوجبة واحدة أن توفر جرعة مرتفعة وخطيرة من هذه المواد.
كيف تؤثر المواد الكيميائية على صحة البشر؟
قالت الدكتورة إلسي إم. سندرلاند، أستاذة الكيمياء البيئية بجامعة هارفارد والمشاركة في الدراسة: “إن النقل بعيد المدى لـ PFAS يذكرنا بأن المشكلات البيئية لا تعترف بالحدود الجغرافية. ما يُطلق في جزء من العالم ينتهي به المطاف في جزء آخر”.
وبمجرد ذوبان هذه المركبات في مياه البحر أو ارتباطها بجزيئات الغبار المحمول جواً، تنجرف نحو الشمال عاماً بعد عام، وتتجمد داخل الجليد البحري أو تترسب مع الثلوج.
وكتب مؤلفو الدراسة: “كانت التأثيرات الفسيولوجية والغدد الصماء والتكاثرية المرتبطة بالتعرض لـ PFAS متشابهة بدرجة كبيرة بين البشر والدببة القطبية والطيور البحرية في القطب الشمالي”.
وأشاروا إلى أن: “في معظم تجمعات الدببة القطبية الفرعية المنتشرة في أنحاء القطب الشمالي، تجاوزت تراكيز مصل الدم النموذجية مستويات PFOS المسجلة لدى البشر، بل تجاوز العديد منها حدود السمية المناعية المصنفة ضمن فئة الخطر الشديد”.

مخاطر صحية مشتركة بين الأنواع
قال المؤلف الرئيسي راينر لوهمان من جامعة رود آيلاند:”إن أوجه التشابه في التأثيرات الصحية بين البشر والحيوانات والطيور تثير القلق وتؤكد على الترابط الوثيق بين الصحة البيئية وصحة الإنسان”.
ومن جانبه، أشار المؤلف المشارك بال ويهي من جامعة جزر فارو إلى أن:”القطب الشمالي يعمل كمرآة تعكس مدى انتشار واستمرار تلوث PFAS عالميًا. إنها إشارة تحذيرية لا يمكن تجاهلها”.
حتى الجليد البحري لا يردع التلوث
أوضح الدكتور خالد عباس:”حتى في أبعد بقاع كوكبنا، يتمكن التلوث الصناعي من التسلل إلى أجسام الحيوانات والبشر. مركبات PFAS ثابتة ومتنقلة وخطيرة — ونحن بحاجة إلى حل عالمي شامل”.
وأضاف أن:”القطب الشمالي معرض للخطر بشكل خاص، حيث تُرصد مستويات PFAS القديمة والناشئة بمعدلات مثيرة للقلق”.

متغيرات جديدة تظهر رغم القيود
على الرغم من فرض قيود على بعض مركبات PFAS المبكرة، تواصل المصانع إنتاج بدائل مماثلة. وبيّنت الدراسة أن هناك اتجاهًا تصاعديًا في بعض مركبات PFCA طويلة السلسلة (C9–C20)، بما في ذلك PFNA، ما يبرز استمرارية التلوث وتهديده المستمر.
كما تواجه المجتمعات التي تعتمد على الأنظمة الغذائية التقليدية تركيزات أعلى بكثير من PFAS مقارنة بتلك التي تعتمد على الأطعمة السوقية. ولا تقتصر هذه النتائج على القطب الشمالي فقط، بل يمكن رصدها حتى في الدول الصناعية، ما يشير إلى أن مجتمعات السكان الأصليين في القطب الشمالي تعمل – دون قصد – كخط الدفاع الأول في مواجهة التلوث الكيميائي.
“يشكل تلوث PFAS تهديدًا للأمن الغذائي والسيادة الغذائية، وكذلك لصحة العديد من الأنواع في جميع أنحاء القطب الشمالي”.

دعوات لتحرك عالمي لحماية القطب الشمالي
انبثقت هذه الدراسة عن برنامج مراقبة وتقييم القطب الشمالي، وقد وصلت بالفعل نتائجها إلى وزارات البيئة في الدنمارك وكندا وعدد من الدول الأخرى.
وقال عباس:”على الرغم من عدم تسليط الضوء على جهات صناعية محددة، فإن نتائج الدراسة تسهم مباشرة في مناقشات السياسات العالمية واللوائح البيئية التي تستهدف الشركات المصنعة للمواد الكيميائية”.
ويحث الفريق البحثي على تشديد المعايير الدولية، وتسريع التخلص التدريجي من المواد الكيميائية الضارة، والاستثمار في بدائل أكثر أمانًا. ويؤكد الباحثون أن التعاون الدولي وحده هو القادر على منع “المواد الكيميائية الدائمة” من تقويض النظم البيئية القطبية — والمجتمعات التي تعتمد عليها — لأجيال مقبلة.





