أخبارالاقتصاد الأخضر

هرمز وباب المندب وتايوان والبحر الأسود.. أخطر شرايين التجارة العالمية تحت النار

4 ممرات بحرية تهز الاقتصاد العالمي.. ماذا يحدث إذا أُغلقت هرمز أو باب المندب أو تايوان؟

لم تعد الممرات والمضائق البحرية مجرد خطوط زرقاء تظهر على خرائط الجغرافيا والملاحة، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحات للصراع ومصادر مباشرة للضغط العسكري والاقتصادي، وأصبح أي اضطراب فيها قادرًا على التأثير في أسعار الطاقة والغذاء، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية، وصولًا إلى المصانع ومحطات الوقود ومتاجر الغذاء في دول بعيدة آلاف الكيلومترات عن مناطق النزاعات.

وقد أعادت الحرب الحالية ضد إيران مصطلحات الممرات البحرية إلى صدارة المشهد، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أحد أشهر وأهم الممرات البحرية في العالم، بالتزامن مع بروز ممرات أخرى مثل البحر الأحمر وباب المندب، وبدرجة أقل بحر جنوب الصين ومضيق تايوان، إلى جانب البحر الأسود.

وتكتسب هذه الممرات أهمية استثنائية بسبب الدور الذي تؤديه باعتبارها شرايين رئيسية للتجارة الدولية، التي تنقل أهم ما يحتاج إليه الإنسان؛ الغذاء والطاقة، فضلًا عن المواد الخام والسلع ومكونات الصناعات الحديثة.

وبحسب التقديرات، ينقل النقل البحري ما بين 80% و90% من السلع المتداولة عالميًا من حيث الحجم، وأكثر من 70% من التجارة العالمية من حيث القيمة، وهو ما يفسر لماذا تتحول أي أزمة في أحد الممرات البحرية الرئيسية سريعًا إلى أزمة اقتصادية تتجاوز حدود الدول المتنازعة.

ومع تطور أحداث الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ صباح السبت 28 فبراير/شباط الماضي، برزت إلى جانب مضيق هرمز ممرات أخرى، يتقدمها البحر الأحمر وباب المندب، وبدرجة أقل بحر جنوب الصين ومضيق تايوان، إضافة إلى البحر الأسود.

وتتفاوت هذه الممرات في أطوالها وعروضها، لكنها تشترك جميعًا في أهمية استراتيجية كبيرة، تنبع من كونها شرايين للتجارة الدولية ومنافذ لنقل الطاقة والغذاء.

وبسبب هذه الأهمية، لم تعد الممرات البحرية مجرد خطوط وعلامات على خرائط الملاحة، وإنما تحولت إلى أدوات للضغط العسكري والاقتصادي، تنقل تداعيات الحروب إلى الاقتصادات والأسواق، وتصل آثارها في النهاية إلى المصانع ومحطات الوقود ومتاجر الغذاء، ليجد الإنسان نفسه في قلب تداعيات صراع قد يبعد عنه آلاف الكيلومترات.

أخطر شرايين التجارة العالمية تحت النار
أخطر شرايين التجارة العالمية تحت النار

وهذا ما أعادت الحروب تذكير العالم به خلال القرن الحالي، بداية من الحرب الروسية على أوكرانيا، سواء في جولتها الأولى التي بدأت عام 2014 أو جولتها الحالية المستمرة منذ أوائل عام 2022، وليس انتهاءً بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت قبل أكثر من 5 أشهر ولم تضع أوزارها بعد.

وربما تكمن النقطة الأكثر إثارة في أن القوى الكبرى لا تبدو قادرة على تأمين هذه الممرات بشكل كامل، بينما باتت القوى الأصغر تمتلك من الوسائل ما يمكنها من إزعاج القوى الكبرى وتهديد مصالحها، بما يجعل العالم بأسره أمام هشاشة متزايدة في أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي.

لماذا هذه الممرات الأربعة؟

من بين نحو 10 مضائق وممرات بحرية رئيسية، تبرز أربعة ممرات بسبب الاهتمام المتزايد بها خلال الفترة الماضية، وما أحدثته من صدمات في الأوساط العالمية، رغم اختلاف طبيعة هذه الصدمات.

فإغلاق مضيق هرمز يعني تهديد إمدادات النفط والغاز، بينما يؤدي الاضطراب في باب المندب، ومن بعده قناة السويس، إلى إطالة الطريق البحري بين آسيا وأوروبا، من خلال اللجوء الاضطراري إلى الطريق البديل حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح.

أما مضيق تايوان، فإن أي أزمة فيه تثير مخاوف واسعة بشأن الصناعات الإلكترونية وسلاسل التوريد الآسيوية، في حين يمثل التصعيد في البحر الأسود خطرًا مباشرًا على تجارة الحبوب العالمية، فضلًا عن تأثيراته المحتملة في الأسمدة والنفط.

وهكذا، فإن لكل ممر من هذه الممرات وظيفة استراتيجية مختلفة؛ هرمز يرتبط بالطاقة، وباب المندب يرتبط بالتجارة وسلاسل الإمداد، والبحر الأسود بالغذاء والحبوب والطاقة، بينما يمثل مضيق تايوان عقدة أساسية للصناعة والتكنولوجيا وسلاسل توريد أشباه الموصلات.

اضطراب الإمدادات قد يقود لركود عالمي
اضطراب الإمدادات قد يقود لركود عالمي

مضيق هرمز.. شريان الطاقة الأكثر حساسية

يربط مضيق هرمز بين الخليج العربي وبحر العرب، ومن ورائه المحيط الهندي، ويقع بين إيران وسلطنة عمان، ويُعد ببساطة أهم ممرات الطاقة في العالم وأكثرها حساسية، باعتباره منفذًا رئيسيًا لصادرات النفط والغاز لدول الخليج.

ولتوضيح أهمية المضيق، تكفي عبارة واحدة تضم ثلاثة أرقام رئيسية؛ إذ يمر عبره نحو 11% من حجم التجارة الدولية، ونحو 20% من الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، فضلًا عن نسب لا بأس بها من البتروكيماويات والأسمدة.

وتكشف أرقام حركة الملاحة حجم التحول الذي طرأ على المضيق نتيجة الحرب. فقد قالت شركة كبلر المتخصصة في معلومات الشحن البحري إن 8 سفن فقط عبرت المضيق يوم الجمعة الماضي، علمًا بأن معدلات العبور في مارس/آذار الماضي بلغت 6 سفن يوميًا، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يوميًا قبل الحرب.

وعلى مدى عقود من الصراع والتناوش بين إيران والولايات المتحدة، ظل الحديث عن إمكانية إغلاق مضيق هرمز يظهر بين الحين والآخر، لكن هذا الإغلاق لم يتحول إلى واقع عملي إلا بعد أيام من اندلاع الحرب الحالية في آخر أيام فبراير/شباط الماضي.

وبعد أقل من شهر على بدء الحرب، نقلت وكالة الأناضول عن خبراء اقتصاد أن خسائر سوق النفط بلغت نحو 500 مليون برميل نتيجة تعطل الشحنات بسبب الإغلاق الفعلي للمضيق.

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز في أول يوم من الحصار الأمريكي لإيران
ناقلة نفط في مضيق وسط الحصار الأمريكي لإيران

وبعد شهرين، تحدثت تقارير عالمية عن خسائر تقارب 600 مليار دولار بسبب إغلاق المضيق، مع تحذيرات من إمكانية وصول الخسائر إلى أكثر من تريليون دولار إذا استمرت الأزمة.

وأدى تقييد حركة الملاحة في المضيق وإغلاقه أحيانًا إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، وارتفاع أسعار النفط، وهو ما أثار مخاوف متزايدة من تداعيات اقتصادية عالمية.

وحسب رويترز، ارتفعت أسعار النفط إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل، أي أكثر من 50% مقارنة بالمستويات التي كانت عليها قبل الحرب.

وفي تحليل كشفت رويترز عن نتائجه في 18 مايو/أيار الماضي، أشارت إلى امتداد التأثير إلى مئات الشركات حول العالم، حيث لحقت بها خسائر تتجاوز 25 مليار دولار، مع توقعات بزيادة هذه الخسائر.

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة، بل أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وتقليص إمدادات المواد الخام، وقطع مسارات تجارية حيوية لتدفق البضائع.

كما تأثرت إمدادات الأسمدة والهيليوم والألمنيوم والبولي إيثيلين وغيرها من المدخلات الرئيسية التي تعتمد عليها قطاعات صناعية متعددة.

وأشارت 20% من الشركات التي شملتها المراجعة، والتي تنتج كل شيء تقريبًا من مستحضرات التجميل إلى الإطارات والمنظفات، فضلًا عن شركات السياحة والسفر والطيران، إلى تعرضها لأثر مالي بسبب الحرب.

وأوضحت رويترز أن أغلب الشركات المتضررة مقرها في أوروبا، حيث كانت تكاليف الطاقة قد ارتفعت بالفعل قبل الأزمة الأخيرة، بينما يوجد ما يقرب من الثلث في آسيا، وهو ما يعكس الاعتماد الكبير لهذه المناطق على منتجات النفط والوقود القادمة من الشرق الأوسط.

أزمة غذاء عالمية تلوح في الأفق بسبب اضطرابات مضيق هرمز

باب المندب.. البوابة الجنوبية للتجارة العالمية

يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، في حين تمثل قناة السويس بوابته الشمالية، وتعمل البوابتان كحلقتين ضمن ممر بحري واحد يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط، ويختصر الطريق بين آسيا وأوروبا.

وبحسب بيانات نقلتها وكالة بلومبيرغ الأمريكية، يمر عبر باب المندب ما بين 12% و15% من التجارة العالمية، ونحو 30% من تجارة الحاويات، إضافة إلى بضائع تبلغ قيمتها أكثر من تريليون دولار سنويًا، فضلًا عن نحو 10% من تجارة النفط المنقولة بحرًا.

ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة عبر مضيق باب المندب لا يقتصر تأثيره على أسواق الطاقة، وإنما يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، وتكاليف الشحن، وأسعار السلع.

ناقلة نفط تعبر مضيق باب المندب وسط أجواء بحرية متوترة في البحر الأحمر
ناقلة نفط تعبر مضيق باب المندب وسط أجواء بحرية متوترة في البحر الأحمر

وقد اختبر العالم هذا التأثير في أواخر عام 2023، عندما أدت هجمات الحوثيين على السفن إلى تحويل جانب كبير من حركة الشحن البحري إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو الطريق الأطول الذي يلتف حول أفريقيا بدلًا من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وما إن بدأت حركة التجارة عبر البحر الأحمر تعود إلى مسارها الطبيعي في أوائل العام الجاري، حتى جاءت الحرب على إيران وتداعياتها لتعيد التوتر إلى هذه البقعة الحساسة من العالم.

يتزايد القلق من انتقال التوترات العسكرية في الشرق الأوسط إلى أحد أهم الشرايين البحرية في العالم
هل دخل باب المندب مرحلة الخطر؟

ووصل التوتر إلى ذروته مع تجدد الهجمات في الشهر الماضي، ليجد العالم نفسه أمام السيناريو الأكثر خطورة، والمتمثل في إضافة توتر جديد في باب المندب إلى الصراع حول مضيق هرمز، بما يؤدي إلى مضاعفة الضغوط على حركة التجارة العالمية.

وقادت التطورات الأخيرة، في 30 يوليو/تموز الماضي، إلى إعلان السعودية عن تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يستهدف حماية حرية الملاحة.

وجاء الإعلان عقب اجتماع عقد في الرياض بمشاركة 43 دولة، حيث قالت السعودية إن 14 دولة قررت الانضمام إلى التحالف، بينما تواصل دول أخرى استكمال ترتيباتها وإجراءاتها الوطنية من أجل الانضمام.

وتحدثت تقارير إعلامية عن انضمام كل من تركيا وباكستان ومصر والكويت وقطر والبحرين واليمن والأردن والسودان وجيبوتي والصومال ونيجيريا وبنغلاديش، بينما تحدثت وكالة الأناضول التركية عن انضمام الولايات المتحدة ونيوزيلندا، إضافة إلى السعودية بالطبع.

لكن التوتر ظل قائمًا رغم ذلك؛ إذ نقلت وكالة رويترز عن بيانات صادرة عن شركة كبلر أن 5 أغسطس/آب الجاري شهد مرور سفينة واحدة فقط من مضيق باب المندب، مقارنة بـ20 سفينة في اليوم السابق، وأكثر من 50 سفينة في الظروف الطبيعية.

وتكشف هذه الأرقام مدى حساسية الممر البحري، ومدى سرعة تأثر حركة الشحن بمجرد ارتفاع المخاطر الأمنية، حتى دون الحاجة إلى إغلاق المضيق بصورة كاملة.

وتبقى الإشارة إلى أن “جغرافيا المندب” كانت خلال العقدين الماضيين مسرحًا للعديد من التهديدات والأخطار التي طاولت الملاحة الدولية، وساحة لصراع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية حول واحد من أهم الممرات الجيوسياسية في العالم.

ومنذ عملية أتلانتا التي نظمها الاتحاد الأوروبي أواخر عام 2008 لحماية السفن من هجمات القراصنة قبالة سواحل الصومال، ظلت المخاطر تطل برأسها بين حين وآخر في هذه البقعة الحساسة، وسط محاولات إقليمية ودولية لم تفلح حتى الآن في إبعاد هذه الأخطار بشكل كامل.

إغلاق مضيق هرمز يعني تهديد إمدادات النفط والغاز
إغلاق مضيق هرمز يعني تهديد إمدادات النفط والغاز

البحر الأسود.. بوابة الحبوب والنفط والأسمدة

وكما يتضح من اسمه، فإن البحر الأسود ليس مضيقًا، لكنه اكتسب أهمية استراتيجية كونه بحرًا شبه مغلق، حيث لا تتصل الموانئ المطلة عليه بالبحار المفتوحة إلا عبر مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين.

ويُعد البحر الأسود أكبر مسطح مائي داخلي في العالم، ويقع عند مفترق الطرق بين جنوب شرق أوروبا وغرب آسيا، وتطل عليه ست دول هي: أوكرانيا من الشمال، وروسيا من الشمال الشرقي، وجورجيا من الشرق، وتركيا من الجنوب، وبلغاريا ورومانيا من الغرب.

لكن من بين هذه الدول تبرز روسيا باعتبارها الدولة الأقوى، فهي وريثة الاتحاد السوفياتي الذي نافس الولايات المتحدة على قطبية العالم لعقود قبل أن يتفكك في نهاية عام 1991.

كما تبرز تركيا التي تمتلك المخرج الوحيد لهذا البحر إلى العالم، من خلال مضيق البوسفور الذي يربطه ببحر مرمرة، ثم مضيق الدردنيل الذي يصل إلى البحر المتوسط.

البحر الأسود

وحسب وكالة الأناضول التركية، عبرت أكثر من 40 ألف سفينة مضيق البوسفور خلال عام 2025، بحمولة تتجاوز 619 مليون طن، وبمتوسط يبلغ 110 سفن يوميًا.

وتجمع أهمية البحر الأسود بين تجارة النفط القادمة من روسيا وكازاخستان، وصادرات الحبوب من روسيا وأوكرانيا، علمًا بأن الدولتين تهيمنان تقليديًا على أكثر من ربع صادرات الحبوب العالمية.

وتتفوق روسيا بصورة كبيرة في تصدير القمح، بينما تتمتع أوكرانيا بمكانة مهمة في تصدير الذرة.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا خطيرًا بعد سلسلة من الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، استهدفت منشآت لتصدير الحبوب وكذلك السفن التجارية في منطقة البحر الأسود.

وتركت هذه الهجمات أثرًا سريعًا في الأسواق، تحدث عنه المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية في تقريره الأخير، مشيرًا إلى ارتفاع حاد في أسعار القمح العالمية وصلت نسبته إلى نحو 25% مقارنة بأسعار بداية العام الجاري.

وتملك أوكرانيا بعض البدائل لتصدير القمح، إذ تستطيع شحن جزء منه عبر الشاحنات والسكك الحديدية والمراكب النهرية من خلال نهر الدانوب إلى موانئ رومانيا.

لكن التكلفة الكبيرة لهذه البدائل من شأنها أن ترفع الأسعار وتدفع المستوردين إلى التردد.

كما تمتلك روسيا بدائل عبر بحر البلطيق والبحر المتجمد الشمالي، لكنها خيارات غير عملية إلى حد كبير بالنظر إلى بعدها عن مناطق الإنتاج، فضلًا عن افتقارها إلى التجهيزات ومرافق التحميل اللازمة.

وقبل مغادرة البحر الأسود، تكشف التطورات التي شهدها خلال الأشهر الأخيرة أيضًا كيف تمكنت الطائرات المسيّرة من تغيير طبيعة الحروب البحرية، إذ أصبحت سلاحًا يوفر للطرف الأضعف عسكريًا وسيلة أقل تكلفة لتهديد السفن والموانئ والبنى التحتية التي يترتب على تعطيلها تكلفة اقتصادية هائلة.

وبطبيعة الحال، بات هذا الأمر مرشحًا للتكرار، سواء في البحر الأسود أو غيره من الممرات البحرية، التي اتضحت هشاشتها بصورة أكبر، خصوصًا أن أصغر هجوم يمكن أن يثير قلقًا كبيرًا لدى شركات الشحن والتأمين، ويترك آثارًا فورية على حركة التجارة في عالم تتغير موازينه العسكرية بصورة مثيرة.

مضيق تايوان.. المعركة المقبلة على سلاسل التوريد والتكنولوجيا

عند الانتقال إلى أهم الممرات البحرية في شرقي العالم، يبرز حتمًا مضيق ملقا ومضيق تايوان.

ويقع مضيق ملقا بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية، ويربط بين المحيطين الهندي والهادي، كما يصل شرق آسيا بأوروبا مرورًا بالشرق الأوسط، وتمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية تكاد تصل إلى الربع.

لكن المضيق الآخر هو موضوع الاهتمام الرئيسي هنا، وهو مضيق تايوان، الذي يفصل جزيرة تايوان عن البر الصيني، ويربط بحر جنوب الصين ببحر شرق الصين.

ويُعد مضيق تايوان شريانًا رئيسيًا للتجارة الصناعية وسلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا، وتصل نسبة التجارة الدولية التي تمر عبره إلى نحو 20%.

وتعتمد اليابان وكوريا الجنوبية بصورة خاصة على هذا الطريق؛ إذ قدرت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن 30% من واردات اليابان و24% من واردات كوريا الجنوبية عبرت مضيق تايوان خلال عام 2024.

مضيق تايوان

لكن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى مضيق تايوان تتمثل في كونه بؤرة توتر جيوسياسي بين القوى الكبرى.

فالمضيق يفصل بين الصين وتايوان، وهذا وحده كافٍ لإثارة التوتر، في ظل استمرار الخلاف بين الجانبين.

وتعتبر الصين تايوان جزءًا من أراضيها، وتتبنى خطابًا ثابتًا يؤكد حتمية استعادتها تحت مبدأ “صين واحدة”.

وفي المقابل، ورغم اعتراف الولايات المتحدة بالصين، فإنها تعتبر تايوان حليفًا وتلتزم بمساعدتها للدفاع عن نفسها، كما تؤكد رفضها لأي محاولة صينية للسيطرة على الجزيرة بالقوة، باعتبارها ورقة استراتيجية واقتصادية أساسية في مواجهة النفوذ الصيني في قارة آسيا.

وتقول صحيفة صينية إن معركة تايوان لم تعد تدور حول “انتماء هذه الجزيرة فقط”، وإنما حول “من يسيطر على البحار التي تحيط بها؟”.

ولهذا السبب ازدادت حساسية هذا الممر مع تحول التدريبات العسكرية إلى محاكاة للحصار والسيطرة البحرية.

وفي أواخر الشهر الماضي، أجرت الصين تدريبات بالذخيرة الحية قرب المضيق، بينما تستعد تايوان لتدريبات تشمل حماية خطوط الإمداد البحرية ونقل منشآت إنتاج السلاح في حال التعرض لهجوم.

والأمر المؤكد أن حدوث أي أزمة تتسبب في عرقلة الملاحة عبر مضيق تايوان لن يكون أزمة آسيوية فحسب، وإنما سيمثل صدمة مباشرة للتصنيع العالمي.

فأي اضطراب حول الجزيرة سيؤثر في شحنات أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية والآلات، وهي منتجات يصعب تعويضها بسرعة بمجرد تغيير مسارات السفن.

وببساطة، إذا كان مضيق هرمز يمثل الممر الأكثر توترًا في الوقت الحالي، فإن المركز الأول قد يكون من نصيب مضيق تايوان خلال السنوات المقبلة، في ظل الصراع المتوقع على قطبية العالم بين الولايات المتحدة والصين.

لماذا يصعب إيجاد بدائل لهذه الممرات؟

في ختام المشهد، يرى الباحث السياسي نيكولاس شوليك أن التطورات الأخيرة في العالم تنطوي على خطر يتمثل في تحول الممرات البحرية المهمة إلى أدوات للتأثير الجيوسياسي، وفق ما نقل عنه موقع دويتشه فيله الألماني.

أما الباحث كريستيان فيرت، فأوضح للموقع نفسه أن أهمية وخطورة أي ممر بحري ترتبط بثلاثة عوامل رئيسية؛ أولها حجم حركة الملاحة، وثانيها الطرق البديلة الممكنة، بينما يتعلق العامل الثالث بـالوضع السياسي في المنطقة المحيطة.

وبالتالي، تزداد الأهمية الاستراتيجية للمضيق كلما كان مهمًا لحركة الملاحة، وكلما كان تجاوزه أكثر صعوبة.

وتزداد حساسية هذه الممرات، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يعد الأكثر اشتعالًا حاليًا، بسبب أن بدائلها نفسها ليست بعيدة عن مناطق الخطر.

فحتى إذا تمكن النفط من تجاوز مضيق هرمز عبر خط أنابيب بري، فإنه سيكون في الغالب بحاجة إلى المرور عبر باب المندب للوصول إلى الأسواق.

ولا تقتصر مشكلة البدائل على وجودها من عدمه، وإنما تمتد إلى ارتفاع تكلفتها، كما ظهر بوضوح في حالة البحر الأسود.

وفي حالة مضيق تايوان، تبدو صعوبة توفير بديل مناسب أكثر وضوحًا بسبب طبيعة التجارة التي تمر عبره، خصوصًا شحنات أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية والآلات.

ناقلة نفط تعبر ممرًا بحريًا استراتيجيًا وسط أجواء توتر عسكري في الشرق الأوسط

وتتضاعف المشكلة لأن تكلفة الصراع تبدأ حتى قبل الإغلاق الكامل للممر البحري.

فما إن تلوح مؤشرات الخطر حتى تبدأ شركات التأمين في رفع رسومها، وتبدأ شركات الشحن في حساب جدوى القيام بالرحلات من الأساس، وهو ما يعني انعكاسًا فوريًا على أسعار الطاقة والغذاء والسلع.

وفي عالم يعتمد على سلاسل توريد طويلة ومخزونات محدودة، وفي ظل تجارة لا تزدهر إلا في أجواء الأمن والاستقرار، أثبت التوتر في ممرات بحرية صغيرة المساحة قدرته على التأثير في اقتصادات دول وقارات بأكملها.

ولا يبدو من المبالغة، في ظل هذا الواقع، الحديث عن قدرة أزمة تبدأ في مضيق أو ممر بحري على الوصول بتداعياتها إلى العالم أجمع.

فمضيق هرمز يهدد الطاقة، وباب المندب يضغط على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، والبحر الأسود يهدد الغذاء والطاقة والأسمدة، بينما يحمل مضيق تايوان خطرًا مباشرًا على التكنولوجيا والصناعة وأشباه الموصلات.

وهكذا، تكشف خريطة الممرات البحرية الأربعة أن الاقتصاد العالمي، رغم اتساعه وتعقده، لا يزال يعتمد على نقاط جغرافية محدودة يمكن أن تتحول في لحظة من شرايين للتجارة إلى أدوات للصراع، وأن حماية هذه الممرات لم تعد قضية أمنية أو عسكرية فقط، وإنما أصبحت مسألة اقتصادية عالمية تمس الطاقة والغذاء والصناعة والتجارة ومستقبل سلاسل الإمداد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة