مؤتمر دولي: تسعير خدمات الطبيعة مفتاح التنمية والاستثمار المستدام
من حماية البيئة إلى الاقتصاد.. العالم يوسع استخدام رأس المال الطبيعي في صنع القرار
أكد خبراء وصناع سياسات وممثلون عن مؤسسات مالية دولية أن دمج قيمة الطبيعة في القرارات الاقتصادية والاستثمارية أصبح ضرورة ملحة لمواجهة فقدان التنوع البيولوجي وتعزيز التنمية المستدامة، وذلك خلال ندوة رأس المال الطبيعي 2026 التي استضافتها جامعة ستانفورد الأمريكية، بمشاركة 350 خبيرًا من 32 دولة.
وشكلت الندوة، التي تعقد كل عامين، محطة لتقييم عقدين من التقدم في تطوير أدوات قياس الخدمات التي تقدمها النظم البيئية، وتحويلها من أبحاث أكاديمية إلى تطبيقات عملية تستخدمها الحكومات والبنوك والمؤسسات الدولية في التخطيط واتخاذ القرار.

من الفكرة إلى التطبيق
أوضح المشاركون أن مفهوم رأس المال الطبيعي انتقل خلال السنوات العشرين الماضية من مجرد محاولة لإثبات القيمة الاقتصادية للطبيعة إلى أدوات عملية تُستخدم لتقييم آثار مشروعات التنمية على المياه والغابات والتنوع البيولوجي والمناخ.
وأشار البروفيسور ستيفن بولاسكي، أحد رواد هذا المجال، إلى أن تطوير منصة InVEST مفتوحة المصدر ساهم في تمكين الحكومات والباحثين من تقدير قيمة الخدمات البيئية، وأصبحت تُستخدم اليوم في معظم دول العالم.
وأكد المشاركون أن النجاح الحقيقي لم يكن في تطوير النماذج العلمية فقط، بل في إدخالها إلى المؤسسات الحكومية والقطاع المالي والشركات الكبرى، بما جعل الطبيعة عنصرًا أساسيًا في تقييم المشروعات والاستثمارات.

الطبيعة تدخل حسابات البنوك
وشهدت الندوة مشاركة ممثلين عن عدد من بنوك التنمية الدولية، بينها بنك التنمية للبلدان الأمريكية وبنك التنمية الأفريقي والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، الذين أكدوا أن رأس المال الطبيعي أصبح جزءًا من تقييم المخاطر والاستثمارات.
وأوضح خوان بابلو بونيلا، مدير قطاع تغير المناخ والتنمية المستدامة في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، أن وزارات المالية والبيئة باتت تتحدث “لغة مشتركة” عند مناقشة قضايا التنمية، وهو تطور لم يكن قائمًا قبل سنوات.
كما أكد مسؤولو بنك التنمية الأفريقي أن أكثر من 30 دولة أفريقية تشارك حاليًا في مبادرة إقليمية لإعداد حسابات رأس المال الطبيعي، بهدف دمجها في تخطيط مشروعات البنية التحتية وإدارة الموارد الطبيعية.

الطبيعة والأمن الاقتصادي
وشدد المشاركون على أن تدهور النظم البيئية لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح يمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي.
وأوضح إلياس ألباجلي، كبير الاقتصاديين في البنك المركزي التشيلي، أن دمج مخاطر المناخ والطبيعة في التحليلات الاقتصادية يساعد على إظهار أن فقدان الطبيعة يهدد معيشة المواطنين واستقرار الاقتصادات، وليس مجرد قضية أخلاقية أو بيئية.
كما أشار خبراء إلى أهمية ما يُعرف بـ”الأنهار الطائرة”، وهي الرطوبة الجوية التي تنتجها الغابات الكبرى وتسهم في هطول الأمطار عبر الحدود، معتبرين أنها تمثل خدمة بيئية عالمية تستحق إدراجها ضمن آليات التمويل الدولية.

المدن والصحة في صدارة الأولويات
وسلطت المناقشات الضوء على تزايد الاهتمام بدور الطبيعة في تحسين صحة الإنسان، خاصة داخل المدن، حيث تسهم الحدائق الحضرية والغابات والمساحات الخضراء في خفض درجات الحرارة، وتقليل التوتر والأمراض النفسية، والحد من تلوث الهواء، وتعزيز جودة الحياة.
وأكد المشاركون أن الاستثمار في الطبيعة داخل المدن يمكن أن يوفر حلولًا منخفضة التكلفة مقارنة بمشروعات البنية التحتية التقليدية، مع توقع أن يعيش نحو ثلاثة أرباع سكان العالم في المناطق الحضرية بحلول منتصف القرن.
دعوات لتحويل المبادرات الطوعية إلى قوانين
ورغم التقدم الكبير في استخدام أدوات رأس المال الطبيعي، رأى المشاركون أن وتيرة التطبيق لا تزال أبطأ من المطلوب، داعين إلى إدماج هذه الأدوات في التشريعات والسياسات العامة بدلاً من الاعتماد على المبادرات الطوعية فقط.
واستعرضت عدة دول تجاربها في هذا المجال، من بينها الفلبين التي أقرت قانونًا يلزم بإنشاء نظام وطني لحسابات رأس المال الطبيعي، إضافة إلى المملكة المتحدة التي أدرجت قيمة الطبيعة ضمن منهجيات تقييم المشروعات الحكومية، وأصدرت أول تقرير وطني عن “أمن الطبيعة” وتأثير فقدانها على الأمن القومي.

حسابات جديدة للطبيعة
كما ناقش الخبراء مفهوم الناتج الإجمالي للنظم البيئية (GEP)، وهو مؤشر اقتصادي جديد يقيس القيمة المالية للخدمات التي تقدمها النظم البيئية بطريقة يمكن مقارنتها بالناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح الباحثون أن اعتماد مؤشرات موحدة لحساب رأس المال الطبيعي يمثل خطوة أساسية لتوسيع استخدامه في السياسات الاقتصادية والاستثمارية على مستوى العالم.
التعليم وبناء القدرات
وشهدت الندوة إطلاق دورة تدريبية عالمية مفتوحة بعنوان “رأس المال الطبيعي من أجل التنمية: التقييم والاستثمار والسياسات”، إلى جانب مجموعة أدوات جديدة تساعد الحكومات والمؤسسات على توسيع تطبيقات رأس المال الطبيعي.
وأكد منظمو الندوة أن المرحلة المقبلة لن تركز على تطوير أفكار جديدة فحسب، بل على تعميم الحلول التي أثبتت نجاحها وتسريع تطبيقها في مختلف الدول والقطاعات.





