أخبارصحة الكوكب

لماذا نخطئ عند تعدد المهام؟ الدماغ قد يحتفظ بالمعلومات التي يفترض أن يتجاهلها

دراسة تكشف ما يحدث داخل الدماغ عند تعدد المهام: المشتتات تتسلل إلى القرارات

هل سبق أن كنت في مكالمة فيديو، وترد في الوقت نفسه على رسالة، وتراجع بريدك الإلكتروني، ثم اكتشفت أنك أخطأت في شيء كنت تعرفه جيدًا؟

 

غالبًا ما يُفسَّر هذا النوع من الأخطاء بأنه نتيجة ضعف التركيز أو قلة الانضباط، لكن دراسة جديدة تشير إلى تفسير أكثر تعقيدًا: عندما لا يكون الدماغ متأكدًا من المهمة أو المعلومة التي يجب أن تحظى بالأولوية، فقد يحتفظ بتفاصيل كان من المفترض تجاهلها، ثم يسمح لها بالتداخل مع المعلومات التي يحتاج إليها لاتخاذ القرار الصحيح.

 

وكشفت الدراسة، التي قادها الباحث تشنغ شيويه، الباحث ما بعد الدكتوراه في علم الأعصاب بجامعة شيكاغو، تحت إشراف مارلين كوهين، أستاذة علم الأعصاب، أن حالة عدم اليقين بشأن المهمة يمكن أن تؤدي إلى ما وصفه الباحثون بـ«تداخل الخصائص»، حيث تبدأ المعلومات ذات الصلة وغير ذات الصلة بالاختلاط داخل النظام العصبي.

 

وشملت الدراسة أكثر من 200 شخص خضعوا لتجارب عبر الإنترنت، إلى جانب تسجيل نشاط الدماغ لدى قردين من قرود المكاك الريسوسي. كما درب الباحثون نموذجًا من الشبكات العصبية الاصطناعية على محاكاة الأخطاء التي ارتكبتها الحيوانات.

 

وتجدر الإشارة إلى أن تسجيلات نشاط الدماغ في الدراسة جاءت من القرود، بينما اقتصرت التجارب البشرية على قياس السلوك والأداء.

 

اختبار بسيط يكشف مشكلة معقدة

صمم الباحثون مهمة بصرية تبدو بسيطة، لكنها تتطلب من المشاركين اكتشاف أي قاعدة تنطبق في كل جولة.

 

في بداية كل جولة، ظهر على الشاشة شكل دائري مملوء بخطوط متوازية، ثم ظهر شكل دائري ثانٍ تغيرت فيه خاصيتان في الوقت نفسه.

 

بالنسبة إلى المشاركين من البشر، تغير ميل الخطوط والمسافة الفاصلة بينها. أما بالنسبة إلى القرود، فتغيرت المسافة بين الخطوط، وتحركت الرقعة بأكملها إلى أحد الجانبين.

 

وكان المطلوب من المشاركين معرفة أي من التغيرين هو المهم لتحديد الإجابة الصحيحة، رغم أن الشاشة لم تخبرهم مباشرة بالقاعدة التي ينبغي اتباعها.

 

واعتمد المشاركون على التغذية الراجعة لاكتشاف القاعدة. فإذا ظهرت علامة خضراء، أو حصل الحيوان على مكافأة، كان ذلك يعني أن الاختيار اعتمد على الخاصية الصحيحة، بينما كانت علامة الخطأ أو غياب المكافأة تعني أن الإجابة لم تكن صحيحة.

 

وبشكل دوري، تغيرت القاعدة التي تحكم المهمة دون تحذير مسبق، وذلك في نحو جولة واحدة من كل 10 جولات لدى البشر، وفي نحو جولة واحدة من كل 40 جولة لدى القرود.

 

وهنا ظهرت المشكلة الأساسية، فعندما يخطئ المشارك، لا يستطيع دائمًا معرفة ما إذا كان الخطأ ناتجًا عن اختيار غير صحيح أم عن تغير القاعدة نفسها. ويطلق الباحثون على هذه الحالة «عدم اليقين بشأن المهمة».

 

عندما لا يعرف الدماغ ما الذي يجب أن يهتم به

أدى عدم اليقين إلى تراجع الأداء، وانخفضت دقة القرود بنحو 5 نقاط مئوية، كما أصبحت إجاباتها أبطأ.

 

وكان هذا التراجع لافتًا لأن النموذج الرياضي للمشارك المثالي لا يفترض أن يتأثر بالخطأ السابق، إذ إن كل جولة مستقلة عن الأخرى، كما أن الباحثين يولدون أنماط الخطوط عشوائيًا.

 

لكن الأخطاء التي ارتكبها المشاركون لم تكن عشوائية، فمع ارتفاع حالة عدم اليقين، بدأت الخاصية التي كان يفترض تجاهلها تؤثر في القرارات.

 

فعلى سبيل المثال، أصبح المشاركون يحكمون على ميل الخطوط بطريقة تختلف باختلاف المسافة بينها، والعكس صحيح؛ أي أن تغير خاصية واحدة بدأ يؤثر في إدراك الخاصية الأخرى رغم أن إحداهما لم تكن مهمة في تلك الجولة.

 

وهذا يشير إلى أن المشكلة لم تكن مجرد فقدان عابر للانتباه، وإنما تغيرًا محددًا في الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات.

 

الذاكرة تكشف المفاجأة

اختبر الباحثون أيضًا ما إذا كان هذا التداخل يمتد إلى الذاكرة، وفي نحو خُمس الجولات، أوقف الباحثون المهمة بعد نصف ثانية أو ثانيتين، ثم طلبوا من المشاركين إعادة إنتاج إحدى خصائص الشكل الأول.

 

بعد ارتكاب خطأ، كان المشاركون يتذكرون الخاصية غير المهمة بصورة أفضل مقارنة بالجولات التي أجابوا فيها بشكل صحيح.

 

وفي المقابل، لم تتغير ذاكرتهم عن الخاصية المهمة بالقدر نفسه، وهذا يعني أن الدماغ، في حالة عدم اليقين، لم يكن يفقد ببساطة المعلومات الضرورية، وإنما كان يحتفظ بمعلومات إضافية كان من المفترض التخلص منها أو تقليل تأثيرها.

 

وقال تشنج شيويه، إن أكثر ما فاجأه هو أن الأخطاء الناتجة عن عدم اليقين بشأن المهمة لم تكن مجرد «فوضى عشوائية» أو فقدان للانتباه، بل اتبعت أنماطًا محددة، إذ تلوثت المعلومات المرتبطة بالمهمة بمعلومات غير مرتبطة بها.

 

شبكة عصبية اصطناعية تحاكي أخطاء القرود

للبحث عن تفسير محتمل لهذه الظاهرة، لجأ الباحثون إلى الذكاء الاصطناعي.

 

ودرب شيويه وزميله سول ك. ماركمان شبكتين عصبيتين اصطناعيتين على المهمة نفسها.

 

تعلمت الشبكة الأولى الوصول إلى الإجابة الصحيحة، بينما دُربت الثانية على تقليد الاختيارات الفعلية للقرود، بما في ذلك أخطاؤها.

 

وكان الفرق بين النموذجين مهمًا، فالشبكة التي تعلمت تقديم الإجابة الصحيحة تمكنت من تغيير القواعد دون أن تفقد دقتها.

 

أما الشبكة التي تعلمت تقليد أخطاء القرود، فقد أظهرت الانخفاض نفسه في الأداء بعد حدوث الخطأ.

 

وعندما فحص الباحثون ما يحدث داخل الشبكة، وجدوا أن الخاصيتين لم تعودا منفصلتين كما ينبغي.

 

ففي حالة عدم اليقين، احتفظت الشبكة بالخاصية غير المهمة بصورة أقوى، وأصبحت تمثل الخاصيتين بطريقة متداخلة، بحيث يمكن أن يبدو التغير في إحداهما وكأنه تغير في الأخرى.

وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة «تداخل الخصائص».

 

تسجيلات الدماغ تؤكد التوقع

لم يتوقف الأمر عند النموذج الحاسوبي، فقد زرع الباحثون مصفوفات تحتوي على 48 قطبًا كهربائيًا في القشرة البصرية الأولية لدى قردين، وهي المنطقة الأولى من القشرة الدماغية التي تتعامل مع الإشارات القادمة من العينين.

 

وعبر 154 جلسة تسجيل، وجد الباحثون نمطًا يتوافق مع ما تنبأت به الشبكة العصبية التي حاكت أخطاء الحيوانات.

 

فبعد الخطأ، بدأت الخلايا العصبية التي كانت تتبع موقع الرقعة البصرية تحمل أيضًا قدرًا أكبر من المعلومات المتعلقة بالمسافة بين الخطوط، كما أصبحت الإشارتان أكثر ترابطًا وتقلبًا معًا من جولة إلى أخرى.

 

بعبارة أخرى، لم تعد الإشارات العصبية الخاصة بالخصائص المختلفة منفصلة بالقدر نفسه.

 

نبضة كهربائية تكشف التداخل

وفي أحد القرود، استخدم الباحثون في نصف الجولات المختارة عشوائيًا نبضة كهربائية قصيرة وصلت إلى أحد الأقطاب في اللحظة التي ظهر فيها الشكل الدائري الثاني.

 

وتحت ظروف عدم اليقين، أدت النبضة إلى تغيير اختيارات الحيوان في المهمتين معًا، وبالاتجاه الذي توقعه النموذج الحاسوبي.

 

وقال شيويه إن النتيجة لا تعني أن المعلومات البصرية الخاصة بإحدى الخصائص تختفي أو أن الحيوان لا يستطيع تذكرها، وإنما تشير إلى صعوبة الحفاظ على فصل واضح بين الخصائص المختلفة.

 

أين يبدأ الخلط داخل الدماغ؟

رغم النتائج، لا تزال هناك أسئلة أساسية بلا إجابة، فالاتجاه الذي حدث فيه التداخل اختلف من شخص إلى آخر، كما اختلف من يوم إلى آخر لدى القرد، ولم يتمكن الباحثون بعد من تحديد سبب هذا الاختلاف.

 

كما أن القشرة البصرية الأولية تصبح أقل نشاطًا بين ظهور الدائرتين، ولذلك لم يتمكن الباحثون حتى الآن من تحديد ما إذا كان التداخل يبدأ أو يزداد خلال فترة الانتظار بين المثيرات البصرية.

 

وأجرى شيويه تجربة النبضات الكهربائية على حيوان واحد فقط، بعدما تعطلت مصفوفة الأقطاب الخاصة بالقرد الثاني عقب توقف المختبر خلال جائحة كورونا.

 

ويريد الباحثون في الخطوة المقبلة معرفة ما إذا كانت مناطق أخرى من الدماغ، خصوصًا المناطق التي تحتفظ بالمعلومات البصرية بعد اختفاء الصورة مثل القشرة أمام الجبهية، تُظهر النمط نفسه من التداخل.

 

كما يدرسون احتمال أن تؤدي الإشارات الراجعة القادمة من القشرة الجدارية دورًا في هذه العملية.

 

علاقة محتملة باضطرابات أخرى

وتشير النتائج إلى أسئلة أوسع بشأن الحالات التي يصبح فيها تجاهل المعلومات غير ذات الصلة أكثر صعوبة.

 

وكان مختبر مارلين كوهين قد أبلغ سابقًا عن تداخل مشابه في نموذج حيواني لمرض ألزهايمر، حتى في غياب حالة عدم اليقين بشأن المهمة.

 

ويقترح الباحثون أن ظاهرة تداخل الخصائص قد تساعد مستقبلًا في فهم بعض جوانب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) وحالات أخرى ترتبط بصعوبة تصفية المعلومات غير الضرورية.

 

لكن هذه الصلة لا تعني أن الدراسة أثبتت وجود الآلية نفسها لدى البشر المصابين بهذه الاضطرابات، إذ إن نتائج الدراسة الحالية لا تتضمن تسجيلات مباشرة لنشاط الدماغ لدى البشر.

 

ماذا تفعل إذا كنت تعمل على أكثر من مهمة؟

يقدم شيويه نصيحة عملية بسيطة لتقليل فرص هذا النوع من التداخل أثناء العمل.

 

وينصح بالتخلص من مصادر التشتيت المتنافسة، وإنجاز مهمة واحدة قبل الانتقال إلى أخرى، وترك فترة قصيرة للدماغ حتى ينتقل من المهمة السابقة إلى الجديدة.

 

وهذا يتوافق مع الفكرة الأساسية التي كشفتها التجربة: المشكلة عند الانتقال السريع بين المهام قد لا تكون أن الدماغ «ينسى» المعلومات المهمة، وإنما أنه لا يتخلص بالسرعة الكافية من المعلومات التي لم تعد مهمة.

 

وبالتالي، فإن الانتقال المستمر بين البريد الإلكتروني والمكالمات والرسائل والتنبيهات قد يجعل الحدود بين المعلومات التي نحتاج إليها والمعلومات التي يفترض أن نتجاهلها أقل وضوحًا.

 

ومع ذلك، لا تزال الصورة العصبية الكاملة غير مكتملة؛ فالنتائج الحالية تستند إلى أكثر من 200 مشارك بشري في الاختبارات السلوكية، وإلى تسجيلات دماغية من قردين فقط، إضافة إلى نموذج حاسوبي صُمم لمحاكاة أخطاء الحيوانات.

 

ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Nature Neuroscience تحت عنوان يبحث في تداخل الخصائص أثناء عدم اليقين بشأن المهمة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة