مع تزايد موجات الحر وفترات الجفاف، لم يعد تصميم الحدائق يعتمد فقط على المظهر الجمالي، بل أصبح ترشيد استهلاك المياه واختيار النباتات القادرة على التكيف مع الظروف المناخية من الاعتبارات الأساسية. ومن هنا تبرز فكرة الحدائق الجافة، التي تعتمد على نباتات تتحمل نقص المياه نسبيًا، وتصميم يتوافق مع طبيعة التربة والمناخ بدلًا من الاعتماد على الري المكثف طوال العام.
ولا تعني الحديقة الجافة إزالة جميع المساحات العشبية أو التخلي عن النباتات الخضراء، بل إعادة توزيع النباتات واختيار الأنواع المناسبة لكل موقع، بما يقلل الاحتياجات المائية ويحافظ على التنوع الحيوي ويحد من تدهور التربة.
وتشير التوصيات التي يستعرضها تقرير نشره موقع «فوتورا ساينس» الفرنسي إلى أهمية اختيار النباتات وفق طبيعة التربة والصرف والتعرض للشمس، بدلًا من شراء نباتات كبيرة أو أنواع جذابة لا تتناسب مع ظروف الحديقة.
ما المقصود بالحدائق الجافة؟
يُعرف هذا النهج باسم «تنسيق الحدائق الجافة» أو Xeriscaping، وهو أسلوب يهدف إلى تقليل الحاجة إلى الري من خلال الجمع بين النباتات المتحملة للجفاف، والتخطيط الجيد للمساحات، وتحسين إدارة مياه الأمطار، وتغطية التربة للحد من التبخر.
وتختلف الحديقة الجافة عن الحديقة المهملة؛ فهي تحتاج إلى تخطيط مسبق، واختيار دقيق للأنواع، ورعاية مناسبة خلال مرحلة التأسيس. وبعد نمو النباتات واستقرار جذورها، يمكن أن تنخفض احتياجاتها المائية مقارنة بحديقة تعتمد على مساحات واسعة من العشب كثيف الاستهلاك للمياه.
كما لا يعني هذا الأسلوب زراعة النباتات في الحصى وحده، أو الاستغناء عن التربة الجيدة؛ إذ يظل فهم خصائص الموقع شرطًا لنجاح التصميم.

5 خطوات لإنشاء حديقة تتحمل الجفاف
1. افهم التربة قبل اختيار النباتات
تبدأ الخطوة الأولى بفحص التربة ومعرفة قدرتها على تصريف المياه، ومدى احتفاظها بالرطوبة، وطبيعة تعرضها للشمس والظل.
فالأرض الرملية سريعة الصرف تختلف عن التربة الطينية الثقيلة التي قد تحتفظ بالمياه وتتعرض للتشبع، خصوصًا في الشتاء. وقد يساعد إنشاء أحواض مرتفعة أو تشكيل ارتفاعات بسيطة في بعض المواقع الطينية على تحسين حركة المياه، لكن ذلك لا يغني عن معالجة مشكلات الصرف الحادة عند وجودها.
وتوصي الممارسات المستدامة باختيار النبات الذي يناسب الموقع، بدلًا من محاولة تغيير ظروف الحديقة باستمرار لتناسب نباتات غير ملائمة.
2. اختر نباتات متحملة للجفاف ومناسبة للمناخ المحلي
يمكن للنباتات المتأقلمة مع المناخ المحلي أن تقلل الحاجة إلى الري والرعاية بعد استقرارها. وتشمل الخيارات المحتملة بعض النباتات المحلية، وأنواعًا من بيئات البحر المتوسط التي تتحمل فترات الجفاف، لكن الاختيار النهائي يجب أن يعتمد على نوع التربة ودرجات الحرارة والملوحة والصقيع المحتمل.
وقد تساعد بعض الصفات النباتية، مثل الأوراق الفضية أو الجلدية أو المغطاة بزغب، على تقليل فقد الماء لدى أنواع معينة، لكنها ليست قاعدة كافية وحدها للحكم على قدرة النبات على تحمل الجفاف.
وفي مصر والمناطق العربية الحارة، من الأفضل إعطاء الأولوية للأنواع التي أثبتت نجاحها محليًا، مع مراعاة احتياجاتها الفعلية للمياه وعدم افتراض أن كل نبات صحراوي أو متوسطي مناسب لكل حديقة.
3. لا تستعجل شراء النباتات الكبيرة
قد تبدو النباتات الكبيرة خيارًا جذابًا للحصول على حديقة مكتملة بسرعة، لكن الشتلات الأصغر قد تتكيف بصورة أفضل مع موقعها الجديد في بعض الظروف، وتتمكن من بناء نظام جذري تدريجيًا.
ومع ذلك، لا يعني صغر حجم النبات أنه أقل احتياجًا إلى الماء في كل الحالات؛ فالشتلات الحديثة تظل حساسة للجفاف، وتحتاج إلى متابعة منتظمة خلال مرحلة التأسيس.
والأهم هو اختيار نبات سليم، وزراعته في الموعد المناسب، ومنحه الرعاية اللازمة حتى تستقر جذوره.
4. غطِّ التربة للحد من التبخر
تساعد طبقة التغطية السطحية، المعروفة باسم «الملش»، على تقليل فقد الرطوبة، والحد من نمو بعض الأعشاب غير المرغوبة، وحماية سطح التربة من التقلبات الحرارية.
ويذكر التقرير أن وكالة الانتقال البيئي الفرنسية توصي بطبقة من التغطية العضوية يتراوح سمكها بين 3 و5 سنتيمترات، بينما توصي الجمعية الملكية البريطانية للبستنة بطبقة من الحصى يتراوح سمكها بين 5 و7.5 سنتيمترات لبعض النباتات المتوسطية.
لكن المادة المناسبة تختلف حسب نوع النبات والتربة والمناخ. فالتغطية العضوية تتحلل بمرور الوقت، بينما قد تكون الحصى ملائمة لبعض النباتات المحبة للجفاف، لكنها لا تناسب جميع الأنواع أو المواقع.
5. أعد التفكير في المساحات العشبية بدلًا من إزالتها بالكامل
قد يكون تقليص مساحة العشب كثيف الاستهلاك للمياه خطوة فعالة في الحدائق التي تحتاج إلى ري متكرر، لكن ليس من الضروري إزالة العشب كله.
فالعشب الذي يُترك لينمو بارتفاع أكبر نسبيًا قد يوفر موائل لبعض الكائنات الحية، كما تساعد جذوره على تثبيت التربة والحد من الانجراف. ويمكن الإبقاء على مساحات محدودة للاستخدام اليومي، واستبدال الأجزاء الأقل استخدامًا بنباتات ملائمة للمناخ المحلي.
ويتيح هذا الحل الجمع بين ترشيد المياه والحفاظ على الوظائف البيئية للمساحات الخضراء.

هل تحتاج الحديقة الجافة إلى الري؟
نعم، خصوصًا في بداية الزراعة. فالنباتات المتحملة للجفاف ليست بالضرورة قادرة على البقاء دون ماء منذ اليوم الأول، وقد تحتاج الشتلات الجديدة إلى ري منتظم خلال الأشهر الأولى، أو خلال موسم التأسيس، حتى تتمكن من تكوين جذور قوية.
بعد ذلك، يمكن تعديل فترات الري وكمياته وفق نوع النبات والطقس والتربة ومدى استقرار الجذور. ويساعد الري العميق المناسب، بدلًا من الري السطحي المتكرر في بعض الحالات، على تشجيع الجذور على الاستفادة من الرطوبة في طبقات أعمق من التربة.
كما ينبغي الانتباه إلى أن زيادة الري قد تكون ضارة، خاصة للنباتات التي لا تتحمل تشبع التربة بالماء. لذلك، فإن ترشيد المياه لا يعني تقليلها عشوائيًا، بل تقديم الكمية المناسبة في الوقت المناسب.
حديقة بيت شاتو.. تجربة تلهم تنسيق الحدائق الجافة
يعرض التقرير تجربة حديقة «بيت شاتو» الجافة في المملكة المتحدة، التي أُنشئت عام 1992 بدلًا من مساحة عشبية كانت تتعرض للجفاف تحت أشعة الشمس.
وبحسب التقرير، تتلقى الحديقة نحو 500 مليمتر من الأمطار سنويًا، ولم تعتمد على الري منذ إنشائها. وتقوم فلسفة التصميم على اختيار النباتات وفق طبيعة الموقع، وهي الفكرة التي تلخصها القاعدة الشهيرة في تنسيق الحدائق: «النبات المناسب في المكان المناسب».
لكن هذه التجربة لا تعني أن كل حديقة يمكنها الاستغناء عن الري؛ فالنتائج تتوقف على المناخ، وكمية الأمطار، وخصائص التربة، وأنواع النباتات، ومدى استقرار الحديقة بعد سنوات من التأسيس.

لماذا تزداد أهمية الحدائق الجافة في المدن العربية؟
تواجه مدن عربية كثيرة ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية، في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة وتزداد الحاجة إلى المساحات الخضراء لتلطيف البيئة الحضرية. ويمكن لتصميم الحدائق وفق احتياجات النباتات الفعلية أن يخفف جزءًا من الطلب على مياه الري، خصوصًا في المساحات العامة والمجمعات السكنية والحدائق الخاصة.
وتزداد فاعلية هذا النهج عندما يقترن بجمع مياه الأمطار حيثما تسمح الظروف، وتحسين كفاءة أنظمة الري، وتقليل التسرب، واستخدام المياه المعالجة المعتمدة للري وفق الاشتراطات المحلية.
والهدف ليس تحويل المدن إلى مساحات جافة خالية من الخضرة، بل إنشاء مساحات نباتية أكثر قدرة على التكيف مع الحرارة ونقص المياه، مع الحفاظ على التنوع الحيوي والوظائف البيئية للحدائق.
الخلاصة: الحديقة المقاومة للجفاف لا تبدأ بشراء نباتات تتحمل العطش فحسب، بل بفهم التربة والمناخ، واختيار الأنواع الملائمة، وتقليل المساحات مرتفعة الاستهلاك للمياه، وحماية رطوبة التربة.
ومع التخطيط والصبر خلال مرحلة التأسيس، يمكن بناء مساحة خضراء أكثر استدامة وأقل اعتمادًا على الري المكثف.





