أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

ملوحة الأنهار تزداد بصمت.. مستقبل قاتم لسكان المناطق الساحلية

دراسة دولية: المياه المالحة تواصل زحفها إلى أعماق الدلتا والمياه الجوفية

قد لا يجذب التدفق البطيء لمياه البحر عبر ضفاف الأنهار وطبقات المياه الجوفية اهتمام الإعلام كما تفعل الفيضانات أو حرائق الغابات، ومع ذلك، فإن الملوحة تتزايد بقوة لا هوادة فيها في العديد من المناطق الساحلية، ولا سيما في دلتا الأنهار.

تؤدي الملوحة ـ أي تسرب المياه المالحة إلى أنظمة المياه العذبة ـ إلى إعادة تشكيل المناظر الطبيعية، وتهديد المحاصيل، وتشريد الأسر، وتحدي قدرة المجتمعات على الصمود. ينبع هذا التهديد المتصاعد من ارتفاع منسوب مياه البحار، وتناقص تدفقات الأنهار، واشتداد العواصف. تغيرات هادئة في ظاهرها، لكنها بعيدة المدى.

من أبرز الأمثلة وأكثرها دلالة ما حدث في دلتا البنغال ببنجلاديش، حيث راقب العلماء تغيرات الملوحة لما يقرب من عقدين من الزمن. ولا يقتصر عملهم على دراسة إقليمية، بل يُقدم لمحة عن مستقبل السواحل المنخفضة حول العالم.

ارتفاع نسبة الملوحة في أنحاء بنغلاديش

تعد منطقة دلتا البنغال، المؤلفة من أنهار الجانج وبراهمابوترا وميجنا، موطنًا لأكثر من 150 مليون شخص.

وتدعم أراضيها الرطبة الشاسعة وشبكتها المعقدة من الأنهار والجداول والمصبات حقول الأرز وغابات المانغروف، وبعضًا من أكثر المناطق الريفية كثافة سكانية على وجه الأرض. ومع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يشهد هذا النظام البيئي الهش تحولات عميقة.

أصبح تسرب المياه المالحة مصدر قلق متزايد، إذ يحمل مد وجزر المحيط، الذي يصل بالفعل إلى أعماق اليابسة عبر جداول المد والجزر، كميات أكبر من الملح.

دراسة طويلة الأمد

نُشرت دراسة حديثة في مجلة “المؤشرات البيئية”، حيث وجد الباحثون أنه منذ منتصف العقد الأول من الألفية، ارتفعت مستويات الملوحة بشكل مطرد، وخاصة في غرب الدلتا بالقرب من مدينة خولنا، حيث تجاوزت المستويات 25,000 ميكروسيمنز/سم، مقارنة بمستويات أقل من 3,000 ميكروسيمنز/سم في المناطق الشرقية قرب نهر ميجنا.

اعتمدت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعات بورتسموث ودكا وكيرتن، على بيانات من 54 محطة مراقبة خلال الفترة من عام 2000 إلى 2017، وكشفت عن زيادة سنوية متوسطة في ملوحة الأنهار قدرها 76 ميكروسيمنز/سم، في حين تجاوزت الزيادة في بعض المواقع 800 ميكروسيمنز/سم سنويًا.

وقد لاحظ الفريق أن الملوحة ارتفعت بشكل ملحوظ بعد عام 2007، بالتزامن مع أعاصير شديدة مثل إعصار سدر، مما يدل على أن العواصف القوية، إلى جانب ارتفاع مستوى سطح البحر وتغير ديناميكيات المياه البحرية، أدت إلى دفع المياه المالحة إلى الداخل وإبقائها هناك.

توزيع وحدوث أقصى درجات الملوحة في دلتا البنغال بين نوفمبر 2000 ويونيو 2017

أسباب تفاقم الملوحة في غرب الدلتا

لفهم هذا التغير، اقترح الباحثون نموذجًا مفاهيميًا جديدًا يُعرف بـ”إطار ترابط مصبات الأنهار والخزانات الجوفية الخاضعة للتحكم البحري (OCEAN)”.

يشرح النموذج كيف تسهم المنحدرات البحرية الحادة، مثل Swatch-of-No-Ground، في تبديد طاقة المد والجزر، مما يؤدي إلى تباطؤ تدفق المياه واحتباس الملح.

كما تلعب الحواجز الترابية والسدود البشرية دورًا في الحد من حركة المياه العذبة، بينما تعمل الجداول المدية الكثيفة كمخازن للمياه المالحة، التي تتسرب لاحقًا إلى طبقات المياه الجوفية الضحلة.

وأوضح الدكتور محمد حق أن “ما نراه في دلتا البنغال ليس مجرد أزمة محلية، بل إشارة مبكرة لما قد يحدث في مناطق ساحلية منخفضة حول العالم”.

ارتفاع ملوحة الأنهار في المناطق الجنوبية الغربية والساحلية

انخفاض تدفق الأنهار يُفاقم الأزمة

كانت التدفقات الموسمية القوية للأنهار خلال موسم الرياح الموسمية تُساعد على طرد الملح من الدلتا. إلا أن سحب المياه من المنبع، وقلة الأمطار، وتراكم الرواسب، أضعفت هذا الدفاع الطبيعي. وقد وجد الخبراء أن انخفاض التدفقات أدى إلى ارتفاع واضح في الملوحة، خاصة في أشهر الجفاف.

فعلى سبيل المثال، في نظام نهر غوراي، ارتبط انخفاض تدفق المياه العذبة بزيادة واضحة في الملوحة في مواقع مثل SW241 وSW244.

في المقابل، يُسهم تدفق نهري الجانج وبراهمابوترا القوي شرق الدلتا في تقليل حدة الملوحة، مما يجعل المنطقة أقل تعرضًا للخطر مقارنة بالغرب.

ارتفاع ملوحة الأنهار في المناطق الجنوبية الغربية والساحلية

الأعاصير تنقل مياه البحر إلى أعماق الأنهار

أصبحت الأعاصير أكثر تدميرًا، ليس فقط بسبب الرياح والأمطار، بل لأنها تُدخل كميات كبيرة من مياه البحر إلى أعماق المناطق النهرية العذبة.

وسجلت الدراسة ارتفاعًا حادًا في مستويات الملوحة خلال فترات نشاط أعصاري كثيف، مثل أعوام 2006 إلى 2009، والتي شهدت أعاصير أكاش وسدر وبيجلي وأيلا.

وقد تسبب هذا النشاط في تغييرات جيومورفولوجية عميقة، كتحول مجاري الأنهار وزيادة تسرب المياه المالحة مستقبلاً.

تحول الأراضي الخصبة إلى قاحلة

ارتفاع ملوحة الأنهار لا يؤثر على المياه فحسب، بل يمتد إلى التربة أيضًا. فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية أن ملوحة التربة زادت بشكل واضح في مناطق مثل SW24 وSW258 وSW259 بين عامي 2000 و2020، وخاصة بعد عام 2007. ومع ازدياد ملوحة المياه، تراجعت خصوبة التربة تدريجيًا.

تتأثر المجتمعات الزراعية بشكل مباشر، حيث يؤدي انخفاض الإنتاج الزراعي وتلف أنظمة الري إلى معاناة المزارعين، ودفعهم إلى الاستدانة أو الهجرة.

كما تواجه غابات المانغروف في سونداربانس تهديدًا وجوديًا بفعل الملوحة، مما يعرض السواحل لخطر أكبر في مواجهة الأعاصير.

أزمة عالمية بصبغة محلية

أشار الدكتور شون فايست، أحد مؤلفي الدراسة، إلى أن “ما يحدث في بنغلاديش له دلالات عالمية”. فالمناطق الساحلية الأخرى، مثل دلتا نهر ميكونغ في فيتنام وأراضي لويزيانا الرطبة في الولايات المتحدة، تواجه تحديات مشابهة.

ومع استمرار ارتفاع منسوب البحر، تزداد مخاطر ملوحة المياه والتربة، وتقل صلاحية المياه الجوفية للاستخدام البشري.

وأظهرت النماذج أن ارتفاعًا بسيطًا في مستوى البحر بمقدار 30 سم قد يُضاعف من حدة الملوحة في هذه المناطق.

تحليل صور لاندسات باستخدام الانعكاس الطيفي لتحديد الملوحة النسبية للتربة

الدعوة إلى التحرك والتخطيط طويل الأمد

تُظهر الدراسة أهمية المراقبة طويلة الأمد لرصد التغيرات البيئية، حيث مكنت البيانات الممتدة من عام 1965 إلى 2017 الباحثين من رصد أنماط طويلة المدى لم تكن لتُكتشف بالمسوحات القصيرة.

وباستخدام أدوات تحليلية قوية، مثل اختبار مان-كيندال المعدل والنماذج الخطية، تم تحديد نقاط تحول حاسمة، أبرزها في عام 2007.

وتؤكد الدراسة على أن الحل لا يكمن في مشاريع هندسية قصيرة المدى فقط، بل يتطلب تخطيطًا متكاملًا يمتد عبر أحواض الأنهار والحدود السياسية والنظم البيئية.

دعوة لحماية مستقبل الدلتا

في ختام الدراسة، أشار الدكتور أشرف ديوان إلى أن “الملوحة الزاحفة تمثل قوة صامتة ومدمرة”، مضيفًا أن “الاستثمار في الزراعة المقاومة للملوحة، وتحسين تخزين المياه، والتخطيط الاستراتيجي هو السبيل الوحيد لتقليل المخاطر”.

فدلتا البنغال في طليعة المعركة مع تغير المناخ، لكنها ليست وحدها. وما يحدث اليوم هناك، قد يتكرر في مناطق أخرى ما لم نتحرك بشكل فوري وجماعي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading