مستوحاة من الطبيعة.. طباعة ثلاثية الأبعاد ترفع كفاءة تخزين الطاقة المتجددة
52 % قفزة في الأداء.. هندسة «الماس» تطور بطاريات تخزين الطاقة المتجددة
في الوقت الذي تتوسع فيه مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح حول العالم، تبرز مشكلة أساسية أمام التحول إلى منظومة كهرباء أكثر اعتمادًا على المصادر المتجددة: كيف يمكن تخزين كميات كبيرة من الكهرباء عندما تكون الشمس غائبة أو الرياح ضعيفة؟
في محاولة للإجابة عن هذا التحدي، طور باحثون قطبًا كهربائيًا مطبوعًا بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، يمكن أن يساعد في جعل تخزين كميات كبيرة من الطاقة المتجددة أكثر كفاءة وأمانًا.
وقاد فريق البحث البروفيسور ماكسيم فان دير هايدن، من جامعة واترلو الكندية، حيث استوحى الباحثون تصميمهم من أشكال وهياكل موجودة في الطبيعة، لإعادة هندسة أحد المكونات الرئيسية في بطاريات التدفق الأكسدة والاختزال (Redox Flow Batteries – RFBs).
وأظهر التصميم الجديد قدرة على تحسين حركة السائل داخل البطارية، بما يسمح للتفاعلات الكيميائية المسؤولة عن تخزين الطاقة وإطلاقها بالحدوث بكفاءة أكبر.
ونُشرت الدراسة بعنوان «تعزيز انتقال الكتلة في بطاريات التدفق الأكسدة والاختزال باستخدام هياكل أقطاب مطبوعة ثلاثية الأبعاد ذات أسطح دنيا دورية ثلاثية الاتجاهات» في دورية Journal of Energy Storage.
بطاريات تخزن الطاقة في السوائل
تختلف بطاريات التدفق الأكسدة والاختزال عن بطاريات أيونات الليثيوم المستخدمة على نطاق واسع في الهواتف والسيارات الكهربائية والعديد من أنظمة تخزين الطاقة.
فبدلًا من الاعتماد على مواد صلبة لتخزين الطاقة، تستخدم بطاريات التدفق إلكتروليتات مائية موجودة داخل خزانات خارجية، ثم يتم ضخ هذه السوائل عبر البطارية لتحدث التفاعلات الكيميائية التي تخزن الطاقة أو تطلقها.
ومن أهم مزايا هذه التقنية أن الإلكتروليتات القائمة على الماء تجعلها خيارًا يحتمل أن يكون أكثر أمانًا في تطبيقات التخزين واسعة النطاق مقارنة بالبطاريات التي تعتمد على مواد قابلة للاشتعال.
كما أن تصميمها يسمح بزيادة كمية الطاقة المخزنة من خلال استخدام خزانات أكبر، بدلًا من زيادة حجم وحدات البطارية الصلبة نفسها.
ويقول فان دير هايدن إن تخزين الطاقة في إلكتروليتات سائلة موجودة داخل خزانات خارجية يعني أن كمية الطاقة المخزنة يمكن زيادتها ببساطة من خلال زيادة حجم هذه الخزانات، وهو ما يجعل بطاريات التدفق مناسبة بصورة خاصة لتطبيقات تخزين الطاقة المتجددة والشبكات الكهربائية.
لماذا تحتاج الطاقة الشمسية والرياح إلى بطاريات ضخمة؟
تكمن أهمية هذه التكنولوجيا في طبيعة مصادر الطاقة المتجددة نفسها.
فالشمس لا تشرق طوال الوقت، والرياح لا تهب بالسرعة المطلوبة بصورة مستمرة، ما يجعل إنتاج الكهرباء من هذين المصدرين متقطعًا.
وقد تنتج مزارع الرياح والطاقة الشمسية كميات كبيرة من الكهرباء في أوقات لا يتزامن فيها الإنتاج مع ذروة الطلب.
وهنا تأتي أهمية تقنيات التخزين، إذ يمكنها الاحتفاظ بالطاقة الزائدة عندما يكون الإنتاج مرتفعًا، ثم إعادتها إلى الشبكة عندما تنخفض قدرة المصادر المتجددة على التوليد أو يرتفع الطلب على الكهرباء.
ولهذا السبب، تمثل بطاريات التدفق أحد الخيارات الواعدة لتخزين الطاقة المتجددة على نطاق كبير، بما في ذلك إمداد المجتمعات والشبكات الكهربائية بالطاقة بصورة أكثر استقرارًا.
الطباعة ثلاثية الأبعاد تمنح العلماء تحكمًا أكبر
اعتمد الباحثون على الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة أقطاب مسامية لبطاريات التدفق، وهو ما أتاح لهم التحكم بدقة في البنية الداخلية للقطب وفي الطريقة التي تتحرك بها السوائل خلاله.
ويشير فان دير هايدن إلى أن الطباعة ثلاثية الأبعاد تتيح تصميم البنية الداخلية للقطب بطرق يصعب تحقيقها باستخدام تقنيات التصنيع التقليدية.
وتكمن أهمية ذلك في إمكانية التحكم بصورة أكبر في مسار السائل داخل البطارية، وضمان وصوله إلى الأسطح التي تحدث عليها التفاعلات المسؤولة عن تخزين الطاقة.
وبالتالي، لا يتعلق الابتكار بمجرد تصنيع قطب باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، بل باستخدام هذه التكنولوجيا لهندسة المسارات الداخلية للسائل والتفاعلات الكيميائية على مستوى دقيق.
هندسة مستوحاة من الطبيعة ترفع الأداء 52%
كان أحد أهم عناصر الابتكار هو استخدام أشكال هندسية تعرف باسم الأسطح الدنيا الدورية ثلاثية الاتجاهات (TPMS).
وهي هياكل ثلاثية الأبعاد معقدة ومتكررة يمكن أن تشبه بعض البنى الموجودة في الطبيعة.
اختبر الباحثون عدة تصميمات مختلفة لهذه الهياكل، واكتشفوا أن تصميمًا يعرف باسم «هندسة الماس» (Diamond) حقق أفضل أداء.
وأدى هذا التصميم إلى زيادة الأداء بنسبة 52% مقارنة بالتصميمات التي جرى اختبارها للمقارنة.
وتوفر هندسة الماس شبكة معقدة من المسارات والممرات داخل القطب، بما يساعد على تحسين انتقال المواد والتفاعلات بين السائل والسطح الكهربائي للقطب.
من هيكل مطبوع إلى قطب موصل للكهرباء
استخدم الفريق طابعة ثلاثية الأبعاد تعتمد على تقنية المعالجة بالضوء الرقمي (DLP) لإنتاج الهياكل المسامية وفق التصميمات المطلوبة.
وبعد الطباعة، خضعت الهياكل لمعالجة حرارية، أدت إلى تحويلها إلى أقطاب من الكربون الموصل للكهرباء يمكن استخدامها في البطارية.
وأظهرت الأقطاب بعد المعالجة الحرارية احتفاظها بالتفاصيل الدقيقة للبنية المسامية التي صُممت أصلًا باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.
وهذا يعني أن الباحثين تمكنوا من نقل التصميم الهندسي المعقد من النموذج الرقمي إلى بنية فعلية يمكن استخدامها داخل نظام لتخزين الطاقة.

نجاح الاختبارات في بطارية فاناديوم حقيقية
لم يتوقف الاختبار عند مرحلة التصميم أو المحاكاة.
فقد اختبر الفريق الأقطاب الجديدة في تجارب معملية باستخدام خلايا التدفق، كما جرى اختبارها داخل بطارية فعلية من نوع بطاريات تدفق الفاناديوم الأكسدة والاختزال.
وأثبتت التجارب أن التصميمات المطبوعة ثلاثية الأبعاد قادرة على العمل داخل بطارية تشغيلية بالفعل.
ويمثل ذلك خطوة مهمة، لأن نجاح التصميم في نظام بطارية حقيقي يوضح أن الفكرة تتجاوز مجرد إثبات نظري لإمكانات الهندسة ثلاثية الأبعاد.
ويعتقد الباحثون أن هذه النتائج يمكن أن تمهد الطريق أمام تطوير بطاريات تدفق أكثر كفاءة قادرة على تخزين الطاقة المتجددة على نطاق واسع.
نحو أقطاب أكثر كفاءة وتخزين أكبر للطاقة
يركز الباحثون في المرحلة المقبلة على تطوير التصميمات بصورة أكبر.
ومن بين أهدافهم زيادة مساحة سطح الأقطاب، وتحسين طرق تصنيعها، والاستفادة من أدوات تصميم أكثر تقدمًا لإنتاج هياكل قادرة على تعزيز كفاءة البطاريات.
وزيادة مساحة السطح تمثل عاملًا مهمًا في هذه الأنظمة، لأنها توفر مساحة أكبر للتفاعلات الكهروكيميائية التي تحدث بين الإلكتروليت والقطب.
كما أن تحسين طرق التصنيع سيكون ضروريًا للانتقال من النماذج المختبرية إلى إنتاج أقطاب يمكن تصنيعها بكميات كبيرة وبتكلفة مناسبة.

خطوة نحو تخزين الطاقة المتجددة على نطاق الشبكة
تكشف الدراسة عن اتجاه يجمع بين الهندسة المستوحاة من الطبيعة والطباعة ثلاثية الأبعاد وتكنولوجيا تخزين الطاقة لمعالجة أحد التحديات الأساسية في التحول إلى الطاقة النظيفة.
فمع زيادة الاعتماد على الشمس والرياح، لن يكون إنتاج الكهرباء وحده كافيًا؛ إذ تحتاج الشبكات إلى وسائل مرنة لتخزين الكهرباء الزائدة وإعادتها عند الحاجة.
وتوفر بطاريات التدفق ميزة مهمة في هذا المجال، لأن زيادة حجم خزانات الإلكتروليت يمكن أن ترفع كمية الطاقة المخزنة، بينما تتيح الطباعة ثلاثية الأبعاد تحسين تصميم الأقطاب والتحكم في حركة السوائل والتفاعلات داخلها.
وبذلك يمكن أن تفتح الهندسة الجديدة الباب أمام جيل من أنظمة التخزين المصممة خصيصًا لتلبية احتياجات الشبكات الكبيرة، مع إمكانية الجمع بين الأمان والكفاءة والقدرة على التوسع.
وفي ظل التوسع المتسارع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، قد تصبح مثل هذه الابتكارات عنصرًا مهمًا في بناء شبكة كهرباء قادرة على الاعتماد بدرجة أكبر على مصادر الطاقة المتجددة، دون أن يمثل عدم استمرارية إنتاجها عائقًا أمام استقرار الإمدادات.

