أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

بدلًا من بناء شبكات جديدة.. كيف تتحول محطات الكهرباء القائمة إلى منصة للطاقة النظيفة؟

في وقت تتزايد فيه احتياجات الكهرباء بفعل التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وعودة الأنشطة الصناعية وانتشار الاستخدامات الكهربائية، كشفت دراسة أمريكية عن فرصة كبيرة لتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، عبر استغلال شبكات الربط الكهربائي الموجودة بالفعل في محطات الطاقة، بدلًا من انتظار إنشاء توصيلات جديدة تستغرق سنوات وتتطلب استثمارات ضخمة.

وخلصت الدراسة، التي أجراها باحثون بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، إلى أن مواقع محطات الكهرباء العاملة بالوقود الأحفوري في الولايات المتحدة قد تستوعب ما يصل إلى 597 جيجاوات من قدرات الطاقة النظيفة الإضافية بحلول عام 2030، اعتمادًا على إمكانات الربط القائمة، مع تراجع تكاليف الطاقة الشمسية والرياح.

لكن الباحثين يشددون على أن هذا الرقم يمثل تقديرًا للإمكانات الممكنة في ظل افتراضات محددة، وليس توقعًا مؤكدًا للقدرات التي ستُبنى أو تدخل الخدمة فعليًا؛ إذ يتوقف تحقيقه على القواعد التنظيمية، والقيود التشغيلية، وتوافر الأراضي، وقدرة الشبكة على نقل الكهرباء إلى المستهلكين.

شبكات قائمة.. وقدرات غير مستغلة

تنطلق الفكرة من مشكلة واضحة في منظومة الكهرباء الأمريكية: بناء محطة جديدة لا يعني أنها ستتمكن من ضخ إنتاجها إلى الشبكة فورًا، إذ قد يستغرق انتظار توصيلها بالشبكة من خمس إلى ست سنوات في المتوسط، وفق الدراسة، إلى جانب تكاليف تحديث البنية التحتية اللازمة للربط.

في المقابل، تمتلك محطات قائمة نقاط اتصال بالشبكة وخطوطًا كهربائية لا تُستخدم بكامل طاقتها طوال الوقت.

فمحطات الغاز التي تعمل لتغطية ذروة الطلب قد تعمل خلال نسبة محدودة من ساعات السنة، كما أن المزارع الشمسية تستخدم في المتوسط نحو ربع سعة اتصالها بالشبكة، بحسب المادة المنشورة عن الدراسة.

ويقترح الباحثون استغلال الأراضي المتاحة المحيطة بهذه المحطات لتركيب ألواح شمسية وتوربينات رياح وبطاريات تخزين، وربطها بنقاط الاتصال الموجودة، بما يتيح إضافة مصادر جديدة للكهرباء دون الحاجة بالضرورة إلى إنشاء اتصال مستقل لكل مشروع.

وتُعرف هذه الممارسة في قطاع الكهرباء باسم استغلال سعة الربط الفائضة، وتسمح القواعد الفيدرالية الأمريكية بمشاركة المولدات الجديدة في جزء من سعة الاتصال غير المستخدمة، لكن تطبيقها لا يزال متفاوتًا بين مشغلي الشبكات.

تتحول محطات الكهرباء القائمة إلى منصة للطاقة النظيفة

كيف توصل الباحثون إلى تقدير 597 جيجاوات؟

فحص فريق الدراسة، الذي ضم باحثين من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، الأراضي المحيطة بـ3890 محطة قائمة، باستخدام صور الأقمار الصناعية ومعايير لتقييم مدى ملاءمة المواقع لإقامة مشروعات جديدة.

وشملت العينة 1403 محطات تعمل بالوقود الأحفوري و2487 مزرعة للطاقة الشمسية والرياح. ورسم الباحثون نطاقًا حول كل محطة يمتد نحو 20 كيلومترًا في كل اتجاه، ثم قيّموا قطع الأراضي داخله، بمساحة تقارب 30 مترًا في 30 مترًا للقطعة الواحدة.

واستخدم الفريق أكثر من 50 معيارًا لتحديد مدى ملاءمة الأراضي، شملت الانحدار وطبيعة الغطاء الأرضي والقيود المرتبطة بالمناطق المحمية.

وأظهرت النتائج أن نحو 90% من محطات الوقود الأحفوري و76% من منشآت الطاقة المتجددة التي خضعت للتحليل لديها مساحات تسمح، من الناحية المكانية، بإضافة قدرات تتجاوز خمسة أمثال سعة اتصالها بالشبكة.

لكن وجود مساحة مناسبة لا يعني بالضرورة أن المشروع قابل للتنفيذ اقتصاديًا أو فنيًا؛ لذلك قارن الباحثون تكلفة تشغيل وحدات الوقود الأحفوري، التي تتأثر خصوصًا بأسعار الوقود، بالتكاليف المتوقعة لإنشاء قدرات جديدة من الطاقة الشمسية أو الرياح بجوار المحطات.

الطاقة الشمسية تتفوق اقتصاديًا على محطات الوقود الأحفوري

وفق تقديرات الدراسة، كانت الطاقة الشمسية أقل تكلفة من تشغيل نحو 60% من وحدات الوقود الأحفوري الأمريكية التي شملها التحليل، وعددها 4643 وحدة، في عام 2024. كما تفوقت طاقة الرياح من حيث التكلفة على نحو 53% منها.

وعند احتساب القدرات التي يمكن إضافتها ضمن حدود سعة الربط المتاحة والجدوى الاقتصادية المقدرة، توصل الباحثون إلى إمكانية إضافة نحو 412 جيجاوات في عام 2024، ترتفع إلى 507 جيجاوات بحلول 2027، ثم إلى 597 جيجاوات في 2030 مع توقع استمرار انخفاض تكاليف مصادر الطاقة المتجددة.

وتتجاوز هذه الإمكانات عدة مرات الزيادة المتوقعة في ذروة الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة، التي تُقدّر بنحو 15% إلى 25% بحلول عام 2030.

ومع ذلك، لا تعني مقارنة القدرات بهذه الزيادة أن الطاقة الجديدة ستكون متاحة في جميع الأوقات؛ فالإنتاج الشمسي والرياح يتغير وفق ظروف الطقس والوقت، وهو ما يجعل التخزين وإدارة الشبكة عاملين أساسيين للاستفادة الفعلية من القدرات المضافة.

وتتركز أكثر من 200 جيجاوات من الإمكانات المقدرة في منطقتي تشغيل الشبكات PJM وMISO، اللتين تغطيان أجزاء من وسط المحيط الأطلسي والغرب الأوسط الأمريكي.

كما تُظهر الحسابات حساسية النتائج لأسعار الوقود والسياسات الحكومية. فمع ارتفاع أسعار الغاز، يمكن أن تتجاوز الإمكانات الاقتصادية المقدرة لعام 2030 نحو 800 جيجاوات، بينما تنخفض إلى قرابة 250 جيجاوات إذا تراجعت أسعار الغاز. وفي سيناريو يعتمد على الطاقة الشمسية وحدها، تصل الإمكانات المقدرة إلى نحو 404 جيجاوات.

وتشير الدراسة أيضًا إلى أن إدراج الإعفاءات أو الحوافز الضريبية الفيدرالية ضمن الحسابات قد يرفع التقدير إلى 977 جيجاوات، مقارنة بالسيناريو الأساسي البالغ 597 جيجاوات. وهذه أرقام سيناريوهات تحليلية وليست مشروعات معتمدة أو قدرات مضمونة التنفيذ.

تتحول محطات الكهرباء القائمة إلى منصة للطاقة النظيفة

البطاريات تجعل الطاقة المتجددة أكثر قدرة على تلبية الطلب

لا تقتصر الفكرة على محطات الوقود الأحفوري، إذ بحث الفريق أيضًا إمكانية استغلال نقاط الربط القائمة في مزارع الطاقة الشمسية والرياح لإضافة قدرات جديدة، مع استخدام بطاريات تخزين لتعزيز موثوقية الإمدادات.

فبدلًا من الاعتماد على الشمس أو الرياح وقت توافرهما فقط، تستطيع البطاريات تخزين الكهرباء وإطلاقها لاحقًا، بما يساعد على توفير الطاقة خلال ساعات الذروة المسائية.

وفي منطقة PJM، تمنح قواعد تخطيط الشبكة بطارية قادرة على التفريغ لمدة ست ساعات قيمة موثوقية تعادل نحو 58% من قدرتها الاسمية، مقارنة بنحو 60% لتوربين غاز، وفق الأرقام الواردة في الدراسة.

وفي أحد السيناريوهات التي حللها الباحثون، يمكن للمزارع المتجددة القائمة استيعاب 324 جيجاوات من الطاقة الشمسية الجديدة و128 جيجاوات من طاقة الرياح، عند إضافة بطاريات بالحجم المفترض في التحليل. وتُقدّر القدرة الموثوقة الناتجة من هذا السيناريو بنحو 260 جيجاوات.

ويتطلب ذلك قرابة 1530 جيجاوات ساعة من سعة البطاريات، أي نحو 50 ضعف السعة المقترنة حاليًا بمشروعات الطاقة المتجددة وفق الدراسة. ويشير الباحثون إلى أن سلاسل توريد البطاريات وتوافر مكوناتها يمثلان قيدًا مهمًا قد يحد من تحقيق هذا السيناريو.

وتبرز إمكانات إضافية في شبكة تكساس، المعروفة باسم ERCOT، حيث يمكن إضافة أكثر من 60 جيجاوات وفق التحليل، وفي منطقة MISO بنحو 44 جيجاوات تقريبًا.

توفير محتمل يصل إلى 160 مليار دولار

الميزة الاقتصادية لاستغلال نقاط الربط القائمة لا تقتصر على خفض زمن الانتظار، بل تمتد إلى تقليل تكاليف توصيل المشروعات الجديدة بالشبكة.

ووفق الدراسة، بلغ متوسط تكاليف الربط للمشروعات التي اكتمل تنفيذها بين عامي 2019 و2023 نحو 81 دولارًا لكل كيلووات، ووصلت إلى 250 دولارًا في بعض المناطق.

ويقدّر الباحثون أن الاستفادة من سعة الربط الفائضة قد تتجنب تكاليف تصل إلى 51 مليار دولار في مواقع محطات الوقود الأحفوري، وما يصل إلى 109 مليارات دولار في مواقع منشآت الطاقة المتجددة.

لكن هذه الأرقام تمثل وفورات محتملة وفق افتراضات الدراسة، وليست مبالغ مؤكدة ستوفرها مشروعات منفذة بالفعل.

تتحول محطات الكهرباء القائمة إلى منصة للطاقة النظيفة

ما العقبات أمام تحويل الإمكانات إلى مشروعات؟

رغم الإمكانات الكبيرة، فإن مشاركة نقطة الربط بين أكثر من مصدر للكهرباء لا تخلو من تحديات تنظيمية وفنية.

فقد أتاح الأمر التنظيمي رقم 845 الصادر عن هيئة تنظيم الطاقة الفيدرالية الأمريكية (FERC) إطارًا يسمح باستغلال سعة الربط الفائضة، لكن مشغلي الشبكات لا يطبقون هذه الممارسة بالطريقة نفسها. كما أن بعض البطاريات التي تشارك مزارع الرياح أو الشمس في نقطة الربط قد تُعامل باعتبارها مصدرًا للطاقة فقط، دون احتساب كامل مساهمتها في تلبية الطلب خلال ساعات الذروة.

ودعا الباحثون إلى وضع قواعد موحدة، وتحديد جداول زمنية واضحة لدراسة طلبات الربط، وإيجاد آليات تسمح بنقل حقوق الربط إلى مشروعات جديدة عند خروج المحطات الأصلية من الخدمة.

وتتعلق هناك قيود أخرى بحدود تشغيل محطات الوقود الأحفوري وعقودها، وهي أمور لم يتضمنها التقدير بالكامل، ما يعني أن الإمكانات الفعلية في بعض المواقع قد تكون أقل مما توحي به الأرقام النظرية.

كما لم تحسم الدراسة مدى قدرة شبكات النقل على استيعاب الكهرباء الإضافية وإيصالها إلى مناطق الطلب، ولم تحسب إجمالي الانبعاثات التي يمكن تجنبها.

ويحتاج ذلك إلى نمذجة تدفقات الكهرباء على الشبكات الفعلية، لتحديد حجم القدرات التي يمكن تشغيلها دون خلق اختناقات جديدة.

تتحول محطات الكهرباء القائمة إلى منصة للطاقة النظيفة

ماذا تعني الدراسة للتحول إلى الطاقة النظيفة؟

تطرح الدراسة مسارًا عمليًا لتسريع نشر الطاقة المتجددة: فبدلًا من التركيز حصريًا على بناء محطات جديدة وخطوط ربط مستقلة، يمكن أن تصبح البنية التحتية القائمة منصة لإضافة مصادر نظيفة وتخزين الكهرباء، بما يخفض بعض تكاليف الاستثمار ويختصر زمن الوصول إلى الشبكة.

لكن نجاح هذا المسار يتوقف على أكثر من توافر الأرض أو انخفاض تكلفة الألواح الشمسية؛ إذ يحتاج إلى قواعد واضحة للربط المشترك، وتخطيط للشبكات، وبطاريات كافية، ودراسات تثبت قدرة البنية الكهربائية على نقل الإنتاج الإضافي إلى المستهلكين.

ونُشرت الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)، وتركز على الولايات المتحدة. أما تطبيق الفكرة في دول أخرى، فيتطلب تقييمًا مستقلًا لسعة الشبكات القائمة، وتكاليف الربط، وأسعار الوقود والطاقة المتجددة، والقيود التنظيمية المحلية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة