مايو ثاني أكثر الشهور حرارة عالميًا منذ بدء التسجيل
تحذيرات من موجات حر غير مسبوقة في المناطق الباردة مع تجاوز درجات الحرارة 1.5 درجة
قال علماء، إن العالم شهد ثاني أكثر شهور مايو حرارة على الإطلاق، في ظل موجة حر قياسية ضربت غرينلاند نتيجة تغيّر المناخ.
وأوضحت خدمة “كوبرنيكوس” لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي، في نشرتها الشهرية، أن شهر مايو الماضي كان ثاني أكثر شهر مايو دفئًا على الإطلاق على مستوى العالم، بعد مايو 2024، ليُكمّل ثاني أكثر فصول الربيع دفئًا (مارس – مايو) في نصف الكرة الشمالي.
وأشارت الهيئة إلى أن متوسط درجات حرارة سطح الأرض في مايو الماضي تجاوز الفترة المرجعية لما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بـ1.4 درجة مئوية، وهي الفترة التي بدأ فيها البشر بحرق الوقود الأحفوري على نطاق واسع.
وقد أدّى هذا الارتفاع إلى تجاوز متوسط درجة الحرارة العالمية في 21 من الأشهر الـ22 الماضية حاجز 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، رغم أن العلماء حذروا من أن هذا التراجع الأخير في الحرارة قد لا يدوم.

تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية مجددًا
وقال كارلو بونتيمبو، مدير مركز “C3S”: “بينما قد يبدو هذا التراجع بمثابة راحة مؤقتة للكوكب، إلا أننا نتوقع أن يتم تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية مجددًا في المستقبل القريب نتيجة استمرار ارتفاع حرارة النظام المناخي”.
ويُعدّ السبب الرئيس في تغير المناخ هو انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري. وقد كان عام 2023 الأشدّ حرارة على الإطلاق وفقًا للتقديرات.
وكشفت دراسة منفصلة نشرتها مجموعة “World Weather Attribution” أن تغيّر المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية هو السبب وراء موجة الحر القياسية في آيسلندا وغرينلاند الشهر الماضي، حيث ارتفعت درجات الحرارة بنحو 3 درجات مئوية مقارنة بما كانت ستكون عليه في غياب هذا التغير، ما أدى إلى ذوبان هائل إضافي في الغطاء الجليدي لغرينلاند.
وقالت الدكتورة سارة كيو، الباحثة في المعهد الملكي الهولندي للأرصاد الجوية والمؤلفة المشاركة في الدراسة: “غالبًا ما يربط الناس موجات الحر بدول مثل الهند أو إيطاليا أو الولايات المتحدة، لكن الدراسة تُظهر أن حتى الدول ذات المناخ البارد تسجل درجات حرارة غير مسبوقة”.
قم قياسي وطني جديد لهذا الشهر
في 15 مايو، سجّلت محطة مطار إيجيلستادير في آيسلندا درجة حرارة بلغت 26.6 درجة مئوية، وهو رقم قياسي وطني جديد لهذا الشهر. وبعد أيام، وتحديدًا في 19 مايو، سجّلت محطة إيتوكورتورميت في شرق غرينلاند درجة حرارة بلغت 14.3 درجة مئوية، مقارنة بمتوسط لا يتجاوز 0.8 درجة مئوية عادة لهذا الوقت من العام.
وأضاف الدكتور كيو: “قد لا يبدو ارتفاع الحرارة بـ3 درجات مئوية أمرًا كبيرًا للبعض، لكنه ساهم في خسارة كبيرة للجليد في جرينلاند”.

وبحسب المركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلوج والجليد، فقد أسفرت موجة الحرارة بين 15 و21 مايو عن ذوبان جليدي أسرع بـ17 مرة من المعدلات الطبيعية في تلك الفترة.
مخاطر جديدة في آيسلندا وجرينلاند
وتقول مايا فالبيرج، المستشارة الفنية في مركز المناخ التابع للصليب الأحمر والهلال الأحمر: “لقد بنت المجتمعات المحلية في القطب الشمالي نمط حياتها اعتمادًا على ظروف جوية مستقرة عبر قرون، إلا أن موجات الحر المتكررة تنذر بمخاطر جديدة في آيسلندا وجرينلاند، حيث ترتفع درجات الحرارة بشكل أسرع من بقية مناطق العالم”.
وقد ارتفعت حرارة القطب الشمالي بمعدل يزيد عن ضعف المعدل العالمي، وهي ظاهرة تُعرف بـ”تضخيم القطب الشمالي”، ويرجع ذلك إلى ذوبان الجليد البحري، الذي كان يعكس أشعة الشمس، بينما تمتص المياه التي تحلّ مكانه حرارة أكبر.
وقالت فالبيرغ إن المجتمعات الإينويتية تواجه تهديدات متزايدة لأسلوب حياتها التقليدي، كما أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة في آيسلندا باتوا أكثر عرضة لمخاطر الحرارة المرتفعة.

موجة الحر الأخيرة أثّرت على المصابين بأمراض مزمنة
ورغم أن معدل الوفيات المرتبطة بالحرارة في آيسلندا يُعدّ منخفضًا جدًا مقارنة بدول جنوب أوروبا، إلا أن موجة الحر الأخيرة أثّرت على المصابين بأمراض مزمنة قبل أن تتاح لهم فرصة التكيف.
وقد أظهرت تحذيرات من حروق الشمس وتدهور الطرق في آيسلندا كيف بدأت البلدان الباردة في مواجهة مخاطر مناخية جديدة قد تفاجئ السكان.
كما أثّر تراجع الجليد البحري في غرينلاند على المجتمعات الإينويتية التي تُشكّل 90% من سكانها، حيث أصبح التنقل إلى مناطق الصيد التقليدية أكثر صعوبة بسبب ترقّق الجليد، مما أدى إلى تراجع أعداد كلاب الزلاجات التي اعتمدت عليها تلك المجتمعات منذ آلاف السنين.
ويتوقّع العلماء أن تصبح موجات الحر في آيسلندا أشدّ بـدرجتين مئويتين إضافيتين مستقبلاً، إذا استمر الاحترار العالمي بوتيرته الحالية ليصل إلى 2.6 درجة مئوية بحلول عام 2100.
أما في جرينلاند، فقد أظهرت البيانات من محطة أرصاد جوية شرق البلاد أن أكثر أيام شهر مايو حرارة كان أعلى بـ3.9 درجات مئوية مقارنة بالفترة ما قبل الثورة الصناعية.

تفقد جرينلاند 43 مليار طن من الجليد سنويًا
وعلى الرغم من أن التحليل لم يتضمن نماذج محاكاة مناخية، يرجّح العلماء أن غالبية هذا الارتفاع ناجم عن تغير المناخ.
وتحذّر الدكتورة فريدريك أوتو، أستاذة علوم المناخ في مركز السياسات البيئية في “إمبريال كوليدج” لندن، من أن “ما يحدث في القطب الشمالي لا يبقى فيه”، مشيرة إلى أن الحرارة غير العادية تُسرّع من ذوبان الجليد، ما يرفع مستوى سطح البحر ويهدد بقاء المجتمعات في الجزر المنخفضة مثل توفالو وكيريباتي وفانواتو، وكذلك الشعوب الأصلية مثل الإينويت.
وتفقد جرينلاند ما معدله 43 مليار طن من الجليد سنويًا، وتُشير الأدلة إلى أن استمرار الاحترار قد يدفع الغطاء الجليدي نحو نقطة تحول لا يمكن الرجوع عنها.
فقدان الصفائح الجليدية
وقد حذرت دراسة حديثة من أن مجرد ارتفاع بدرجة 1.5 مئوية قد يؤدي إلى فقدان الصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار عدة أمتار على مدار القرون المقبلة، ما يشكّل تهديدًا وجوديًا للجزر المنخفضة.
وقد يكون لذوبان جليد غرينلاند تأثيرات كارثية أخرى، حيث إنه يُبطئ الدورة الانقلابية الزوالية الأطلسية (AMOC)، وهو تيار محيطي رئيسي. وإذا ما انهار هذا التيار نتيجة الذوبان المستمر، فقد يتسبب ذلك في اضطرابات مناخية واسعة النطاق، تؤدي إلى تغيرات مناخية حادة حول العالم، وربما تُدخل أوروبا في حالة تجمد عميق.
ويقول الدكتور أوتو: “نحن نعرف تمامًا سبب هذا الاحترار – وهو حرق النفط والغاز والفحم. والخبر السار هو أننا نمتلك التكنولوجيا والمعرفة الكافية للحد من الاحترار الشديد. ما نحتاج إليه هو إرادة سياسية، والاعتراف بأن حقوق الإنسان تشمل الجميع، وليس فقط الأغنياء والأقوياء”.





