مؤشرات المناخ العالمي تسجل مستويات قياسية مقلقة.. والطاقة المتجددة تتجاوز الفحم لأول مرة

7 مؤشرات مناخية تسجل مستويات قياسية خطيرة.. والطاقة المتجددة تتجاوز الفحم عالميًا

لم يعد تغير المناخ تهديدًا مؤجلًا للمستقبل، بل باتت آثاره تضغط على أنظمة الأرض في الوقت الحاضر، مع تسجيل سبعة من أصل 16 مؤشرًا حيويًا للمناخ مستويات قياسية متطرفة، وفق تقرير علمي دولي جديد، يرصد في الوقت نفسه تقدمًا في التحول إلى الكهرباء منخفضة الكربون، بعدما تجاوزت مصادر الطاقة المتجددة الفحم في توليد الكهرباء عالميًا خلال عام 2025.

ويجمع التقرير، الذي أعده تحالف دولي يقوده علماء من جامعة ولاية أوريغون الأمريكية، بيانات من مصادر علمية متعددة لتقييم حالة المناخ، بدءًا من تركيزات الغازات الدفيئة وحرارة المحيطات، وصولًا إلى الأنهار الجليدية والغطاء الشجري والانبعاثات.

وقال ويليام ريبل، الأستاذ الفخري المشارك في قيادة التقرير، إن زعزعة استقرار المناخ المتسارعة لم تعد مجرد تحذير بشأن المستقبل، بل أصبحت تشخيصًا للواقع الحالي.

نُشرت الدراسة في دورية BioScience العلمية، ضمن التحديث السنوي السابع لمؤشرات الحالة المناخية للأرض.

وتضم قائمة المؤشرات السبعة التي سجلت مستويات قياسية جديدة ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز، إلى جانب وصول محتوى المحيطات من الحرارة ومستوى سطح البحر إلى مستويات غير مسبوقة، وتراجع سماكة الأنهار الجليدية وكتلة الجليد في جرينلاند إلى مستويات قياسية منخفضة.

الغازات الدفيئة وحرارة المحيطات عند مستويات غير مسبوقة

أظهر التقرير أن تركيزات الغازات الثلاثة الرئيسية المسببة للاحتباس الحراري واصلت ارتفاعها، إذ تجاوز تركيز ثاني أكسيد الكربون 428 جزءًا في المليون خلال مايو، بزيادة تقارب 50% مقارنة بمستوياته قبل الثورة الصناعية.

ويزيد هذا التركيز على أي مستوى شهدته الأرض خلال مليوني سنة مضت، وفق البيانات التي يستند إليها التقرير.

وتؤدي المحيطات دورًا أساسيًا في امتصاص الحرارة الإضافية الناتجة عن تراكم الغازات الدفيئة، لكن هذا الامتصاص يترتب عليه ارتفاع حرارة المياه وتمددها، وهو ما يسهم في زيادة مستوى سطح البحر.

ويعزو التقرير نحو 56% من ارتفاع مستوى البحر خلال العقود الأخيرة إلى التمدد الحراري لمياه المحيطات.

وفي جرينلاند، ازدادت شدة بعض أحداث ذوبان الجليد، مع ارتفاع حجم المياه الناتجة عن أشد أحداث الذوبان الصيفي بنحو ستة أضعاف، بحسب التقرير.

وقال ريبل إن ما لفت انتباهه بصورة خاصة هو تحرك أجزاء متعددة من النظام المناخي في الاتجاه الخاطئ في الوقت نفسه، مشيرًا إلى أن حرارة المحيطات ومستوى سطح البحر بلغا مستويات قياسية مرتفعة، في حين تراجعت سماكة الأنهار الجليدية وكتلة الجليد في جرينلاند إلى مستويات قياسية منخفضة.

المحيطات تمتص 90% من حرارة الأرض

تسارع الاحترار العالمي منذ عام 2010

لا يقتصر القلق على ارتفاع درجات الحرارة، بل يشمل أيضًا سرعة الاحترار نفسها.

فبين عامي 1970 و2010، ارتفعت حرارة الكوكب بمعدل يقارب 0.19 درجة مئوية كل عقد، بينما وصل المعدل خلال الفترة من 2010 إلى 2024 إلى نحو 0.36 درجة مئوية كل عقد، أي ما يقارب ضعف المعدل السابق.

وإذا استمر الاحترار وفق هذا المعدل، فقد يصل ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض إلى درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية قبل عام 2050، بحسب تقديرات مؤلفي التقرير.

ويشير الباحثون إلى أن انخفاض بعض ملوثات الهواء قد يكون أحد العوامل التي أسهمت في تسارع الاحترار المرصود؛ إذ تعكس بعض الجسيمات الملوثة أشعة الشمس وتوفر تأثيرًا تبريديًا مؤقتًا، ما يعني أن تراجعها يقلل هذا التأثير الذي كان يحجب جزءًا من الاحترار الناتج عن الغازات الدفيئة.

لكن التقرير ينقل أيضًا تحليلًا آخر خلص إلى أن الاحترار، بما في ذلك الارتفاع الاستثنائي في درجات الحرارة خلال عامي 2023 و2024، يتوافق مع النطاق الذي تتوقعه النماذج المناخية الرئيسية، ومع ذلك، يرى المؤلفون أن هذه النماذج قد لا تلتقط بالكامل حجم الزيادة في بعض الظواهر الجوية المتطرفة.

ظاهرة النينيو قد تضيف مزيدًا من الحرارة

تراقب الأوساط العلمية تطور ظاهرة النينيو، التي ترتبط بارتفاع دوري في حرارة أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، ويمكن أن تدفع متوسط درجات الحرارة العالمية إلى مستويات أعلى مؤقتًا فوق اتجاه الاحترار طويل الأمد.

وقال ريبل إنه يراقب عن كثب درجات الحرارة العالمية ومحتوى المحيطات من الحرارة، محذرًا من أن حدوث نينيو شديدة القوة قد يضيف قدرًا كبيرًا من الاحترار إلى التأثير المستمر لانبعاثات الغازات الدفيئة.

ووفق التقرير، قد تجعل هذه الظروف عام 2026 مرشحًا لأن يكون واحدًا من أشد الأعوام حرارة على الإطلاق، لكن تحديد مدى قوة التأثير يتطلب متابعة القياسات الفعلية خلال الأشهر المقبلة.

هل ستصبح ظاهرة إل نينيو أكثر تأثيرًا مستقبلًا؟

حرائق الغابات وموجات الحر ترفعان الخسائر البشرية والبيئية

سجل عام 2025 فقدان الغطاء الشجري بسبب الحرائق على مساحة بلغت نحو 10.8 مليون هكتار حول العالم، وهي ثالث أعلى حصيلة مسجلة.

وتؤدي حرائق الغابات إلى إطلاق غازات دفيئة، ما قد يعزز الاحترار ويهيئ بدوره ظروفًا تزيد مخاطر الحرائق في بعض المناطق.

ويرصد التقرير أيضًا أحداثًا مناخية متطرفة ذات خسائر بشرية كبيرة، من بينها إعصار ميليسا في أكتوبر 2025، الذي عادل الرقم القياسي لأقوى الأعاصير الأطلسية من حيث سرعة الرياح، وأسفر عن وفاة 95 شخصًا، معظمهم في جامايكا وهايتي.

كما يشير إلى تقدير أولي يفيد بأن موجة حر ضربت أوروبا في يونيو 2026 تسببت في نحو 14 ألف وفاة. ويضع المؤلفون الحدثين ضمن الظواهر التي يُرجح أن تغير المناخ أسهم في زيادة مخاطرها أو شدتها.

ولا تعني هذه الإشارات أن تغير المناخ هو العامل الوحيد المسؤول عن كل حدث، لكنها تعكس الدور الذي يمكن أن يؤديه الاحترار في زيادة احتمالات بعض الظواهر المتطرفة أو تفاقم آثارها.

حرائق الغابات

غابات الأمازون تواجه خطر تجاوز نقاط التحول

تحظى غابات الأمازون المطيرة باهتمام خاص في التقرير، بسبب احتمال تفاعل الاحترار مع إزالة الغابات لدفع النظام البيئي نحو تغيرات يصعب عكسها.

وبحسب الأبحاث التي يستشهد بها التقرير، قد تتمكن الأمازون من الحفاظ على قدر من الاستقرار في ظل الاحترار وحده حتى ارتفاع درجات الحرارة بنحو 3 إلى 5 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

لكن عند إضافة إزالة الغابات إلى تأثير الاحترار، تشير تلك الأبحاث إلى احتمال الوصول إلى عتبة تحول خطرة عند احترار يتراوح بين 1.5 و1.9 درجة مئوية فقط.

وتبرز هذه المقارنة أهمية حماية الغابات، ليس فقط باعتبارها مخازن للكربون وموائل للتنوع البيولوجي، بل أيضًا لأنها تساعد على الحد من خطر التحولات البيئية واسعة النطاق.

غابات الأمازون

الطاقة المتجددة تتجاوز الفحم.. لكن الوقود الأحفوري يواصل الصعود

وسط المؤشرات المناخية المقلقة، يبرز تطور مهم في قطاع الكهرباء؛ إذ أنتجت مصادر الطاقة المتجددة، بما يشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، كهرباء أكثر من الفحم عالميًا خلال عام 2025، للمرة الأولى منذ أكثر من قرن، وفق التقرير.

كما ارتفع استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بنحو 18% خلال عام واحد، فيما أصبحت المصادر منخفضة الكربون توفر نحو 43% من الكهرباء العالمية.

وقال كريستوفر وولف، المشارك في قيادة التقرير والباحث السابق في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة ولاية أوريغون، إن هذه التطورات قد تشير إلى بداية ما وصفه بـ«عصر الكهرباء».

لكن نمو الطاقة النظيفة لم يؤد بعد إلى تراجع إجمالي استخدام الوقود الأحفوري، بسبب استمرار ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة.

فخلال عام 2025، ارتفع استهلاك الوقود الأحفوري بنحو 0.9%، وسجل استخدام النفط والفحم والغاز مستويات قياسية، بينما تجاوزت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة 41 مليار طن متري للمرة الأولى.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة بين التوسع السريع في مصادر الكهرباء النظيفة وبين التحول المطلوب في منظومة الطاقة ككل. فزيادة الطاقة المتجددة لا تضمن وحدها خفض الانبعاثات ما دام الطلب المتزايد يدفع أيضًا إلى استهلاك مزيد من الوقود الأحفوري.

وفي تطور إيجابي آخر، تراجع معدل إزالة الغابات في الأمازون البرازيلية للعام الرابع على التوالي، ليصل إلى ثالث أدنى مستوى خلال 38 عامًا.

وقال ريبل إن العالم يحقق تقدمًا بالفعل، لكنه لا يزال أقل من السرعة والحجم المطلوبين لمواجهة أزمة المناخ.

الطاقة المتجددة

خفض الانبعاثات لم يعد كافيًا وحده

يؤكد التقرير أن تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة يظل ضرورة أساسية، لكنه لا يغني عن تسريع إجراءات التكيف مع الآثار المناخية التي باتت قائمة بالفعل.

وتشمل الإجراءات المقترحة زيادة الأشجار في المدن وإنشاء مراكز للتبريد لمواجهة موجات الحر، واستعادة الأراضي الرطبة للحد من مخاطر الفيضانات، وحماية غابات المانجروف الساحلية من آثار العواصف واندفاع مياه البحر.

كما يمكن للألواح الشمسية المدعومة ببطاريات تخزين أن تساعد على تقليل مخاطر انقطاع الكهرباء عند تعرض شبكات الطاقة للعواصف والظواهر المتطرفة.

غير أن تمويل التكيف لا يزال بعيدًا عن الاحتياجات المتوقعة. فقد بلغ الإنفاق العالمي على التكيف مع تغير المناخ نحو 64 مليار دولار في عام 2024، بينما يُتوقع أن تتراوح التكلفة السنوية لتكيف الدول النامية وحدها بين 310 و365 مليار دولار بحلول عام 2035.

وبذلك، فإن الحد الأدنى للتكلفة المتوقعة يقترب من خمسة أمثال الإنفاق العالمي المسجل في عام 2024.

ودعا ريبل إلى الجمع بين التحركات الفردية والجماعية، بما يشمل تقليل استخدام الوقود الأحفوري حيثما أمكن، ودعم الطاقة النظيفة والسياسات المناخية، ومساعدة المجتمعات على الاستعداد لمخاطر الحرارة وحرائق الغابات والفيضانات.

اختلال توازن الطاقة على الأرض يزيد الغموض

رغم التقدم في فهم تغير المناخ، لا يزال العلماء يناقشون الأسباب الدقيقة وراء اتساع اختلال توازن الطاقة على الأرض، وهو الفرق بين الطاقة الشمسية التي يمتصها الكوكب والطاقة التي يعيد إطلاقها إلى الفضاء.

ويعني اتساع هذا الاختلال أن الأرض تحتفظ بمزيد من الحرارة، لكن تفسير التغيرات الأخيرة لا يزال موضع بحث. وتشمل التفسيرات المطروحة انخفاض السحب العاكسة لأشعة الشمس، والتغيرات المرتبطة بظاهرة النينيو، وتراجع قدرة بعض الأراضي على امتصاص الكربون.

كما تثير مصادر الانبعاثات الطبيعية المرتبطة بالاحترار مخاوف إضافية. فذوبان التربة الصقيعية، وتغيرات الأراضي الرطبة، وحرائق الغابات قد تؤدي إلى إطلاق مزيد من الغازات الدفيئة مع ارتفاع درجات الحرارة.

ويستشهد التقرير بتقديرات بحثية تشير إلى أن هذه المصادر الطبيعية قد تزيد الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية منذ عام 2020 بنحو 20 إلى 30% بحلول عام 2100، مقارنة بالاحترار المتوقع من التأثيرات البشرية وحدها، وفق السيناريوهات التي تناولتها تلك التقديرات.

نافذة الأمل مرتبطة بسرعة التحرك

تعكس نتائج التقرير صورة مزدوجة: مؤشرات مناخية رئيسية تتجه إلى مستويات أكثر خطورة، في مقابل تقدم ملموس في انتشار الطاقة المتجددة وتراجع إزالة الغابات في الأمازون البرازيلية.

لكن الرسالة الأساسية للباحثين أن التقدم التكنولوجي وحده لن يكون كافيًا ما لم يصاحبه خفض أسرع للانبعاثات، وتراجع فعلي في الاعتماد على الوقود الأحفوري، وزيادة التمويل المخصص للتكيف مع الآثار المناخية.

وتظل القياسات المقبلة، خصوصًا لدرجات الحرارة العالمية وحرارة المحيطات، مهمة لتحديد مدى استمرار الاتجاهات الحالية، وكيفية انعكاسها على بقية المؤشرات الحيوية للمناخ.

↑
Exit mobile version