لماذا لم تعد مؤتمرات المناخ تخدم الدول الفقيرة؟ تكلفة باهظة وصوت غائب
القمم المناخية الأممية أصبحت أكبر من أن تكون فعالة
إذا كنت في طريقك لحضور مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ هذا العام في مدينة بيليم البرازيلية، فآمل أنك حجزت إقامتك مبكرًا.
فقد نفدت جميع الفنادق منذ فترة طويلة، وأصبح المتأخرون يواجهون أسعارًا باهظة، أو اضطرارًا للإقامة في ما يُعرف بـ”فنادق الحب” ذات السمعة المشكوك فيها.
ارتفاع الأسعار وتدني جودة الإقامة أثارا موجة من الغضب، بل أصبحت هذه القضية محورًا لاجتماعات ومناقشات رفيعة المستوى. لكن الحقيقة أن هذه ليست المشكلة الوحيدة؛ إنها مجرد عرض لمرض أعمق: قمم المناخ أصبحت ضخمة إلى درجة أنها فقدت فعاليتها.
كشف جين ألان، محاضِرة في السياسات البيئية بجامعة كارديف، أنه خلال أحد عشر مؤتمرًا شارك فيها على مدار السنوات الماضية، تابع عن قرب تطور هذه القمم، سواء من خلال عملي الأكاديمي أو عبر نشرتنا المتخصصة Earth Negotiations Bulletin، التي تقدم تغطية مجانية لمفاوضات البيئة العالمية. مؤتمر المناخ الحالي (COP30) في بيليم، الذي انطلق في 10 نوفمبر، هو أول مؤتمر أغيب عنه منذ مؤتمر الدوحة عام 2012.
ويقول أنه لقد شاهد بنفسه كيف تضخمت هذه المؤتمرات لتتحول إلى “ميجا كوب” (MegaCops) – تجمعات هائلة تضم المفاوضات الرسمية، والفعاليات الجانبية، وورش العمل، والعروض والمعارض، وجلسات التصوير، ويشارك فيها أكثر من 50 ألف شخص. إنها الآن أكبر فعاليات الأمم المتحدة على الإطلاق.
حتى مدينة يبلغ عدد سكانها مليون نسمة مثل بيليم بدت صغيرة جدًا لاستيعاب هذا الحدث.
والحقيقة أن القليل فقط من المدن حول العالم يمكنها استضافة قمة بهذا الحجم. أما بالنسبة للدول الفقيرة وممثلي الشعوب الأصلية والمجتمع المدني، فالكلفة المرتفعة تجعل المشاركة شبه مستحيلة.
والنتيجة هي أن النفوذ ينتقل تدريجيًا نحو الدول الثرية التي تستطيع استضافة المؤتمر أو إرسال وفود ضخمة، ما يُضعف العدالة في الحوكمة المناخية العالمية.
القوة والهيبة لمن يدفع الثمن
المدن والدول التي تمتلك القدرة على استضافة مؤتمر المناخ تكتسب ما يُعرف بـ”القوة الناعمة”، مقابل التكلفة الضخمة التي تتحملها.
فعلى سبيل المثال، استضافت باريس نحو 25 ألف شخص في عام 2015، بتكلفة بلغت 187 مليون يورو، لكنها حصدت المجد عندما ارتبط اسمها بـ”اتفاق باريس” الشهير الذي سيظل يُذكر لعقود.
واقتداءً بها، تسعى دول أخرى لأن يُخلّد اسمها في وثيقة أو اتفاق، مثل “توافق الإمارات” أو “ميثاق غلاسكو للمناخ”.
ومن الصعب أن نسمع مستقبلًا عن “ميثاق ماجورو” (عاصمة جزر مارشال) لأن هذه الدولة الصغيرة لن تستضيف 50 ألف دبلوماسي في أي وقت قريب، رغم قيادتها البارزة في قضايا المناخ.
الدول المضيفة لا تكتفي بالشهرة، بل تتحكم في صياغة أجندة المؤتمر وموضوعاته.
فخلال مؤتمر الإمارات عام 2023، ركزت “إعلانات الرئاسة” على الصحة والطاقة المتجددة والسلام والمساواة بين الجنسين، بينما غابت الإشارة إلى الاستغناء عن الوقود الأحفوري، وهو أمر لم يكن صدفة بطبيعة الحال.
خلال الأعوام الأخيرة، كانت الدول المضيفة غالبًا من كبار مصدّري النفط مثل الإمارات والمملكة المتحدة وأذربيجان، ولذلك لا عجب أن تركز مخرجاتها على قضايا الغابات والسلام أكثر من الوقود الأحفوري.

مؤتمرات كبيرة… ودول صغيرة مغيبة
رغم أن الخسائر والأضرار الناتجة عن التغير المناخي تُعد من أخطر القضايا المطروحة، فإنها لا تحظى بالاهتمام الكافي في هذه القمم العملاقة، لأن الدول الجزرية الصغيرة تفتقر إلى القدرات الدبلوماسية للدفاع عنها.
في مؤتمر العام الماضي، أرسلت 39 دولة جزرية ما مجموعه 261 مفاوضًا فقط (بمتوسط 6 أو 7 أفراد لكل دولة)، بينما ضم الوفد البريطاني وحده 37 دبلوماسيًا.
أما الدول المضيفة فغالبًا ما تلجأ إلى شركات استشارية، معظمها من دول متقدمة، لتقديم الدعم الفني والعلاقات العامة، مما يثير التساؤلات حول تأثير هذه الشركات على مسار التفاوض.

“مزيد من الحضور” لا يعني “مزيدًا من العدالة”
هناك اعتقاد شائع بأن تضخم مؤتمرات المناخ يعني أنها أصبحت أكثر شمولًا، لكن الحقيقة مغايرة.
ففي مؤتمر شرم الشيخ (COP27) كان عدد ممثلي شركات الوقود الأحفوري ضعف عدد ممثلي الشعوب الأصلية.
كما أن المساحات المخصصة للعرض داخل “منطقة الأجنحة” تُباع بأسعار مرتفعة تبدأ من 1250 دولارًا للمتر المربع، بخلاف تكاليف التجهيزات، ما يجعلها حكرًا على الحكومات والمنظمات الكبرى القادرة على الدفع.
أما الشباب والمجتمعات الأصلية، فيحصلون على مساحات صغيرة غالبًا بتمويل من المانحين.
في النهاية، يعلو صوت الأغنياء وتغيب الأصوات الأشد تضررًا من الأزمة المناخية.
نحو قمم أصغر وأكثر عدالة
ربما حان الوقت لإعادة التفكير في هيكل هذه القمم. يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مكونات منفصلة:
– المفاوضات الرسمية في مكان صغير وهادئ، مثل مقر الأمم المتحدة في بون.
– القمة السياسية لقادة العالم في مكان مختلف.
– منطقة العرض والمعارض التي يمكن تنظيمها بالتناوب أو حتى افتراضيًا عبر الإنترنت.
– كما يمكن تحديد حجم الوفود الرسمية، والتركيز على تنفيذ القواعد والاتفاقيات القائمة بدلًا من عقد مفاوضات جديدة.
هذه التغييرات من شأنها تقليل التكاليف وإتاحة مساحة أكبر للدول الصغيرة والفئات الهشة للمشاركة الفعلية.
فـالعدالة المناخية الحقيقية تبدأ من عدالة العملية نفسها.






Your blog is a testament to your dedication to your craft. Your commitment to excellence is evident in every aspect of your writing. Thank you for being such a positive influence in the online community.