لا للوقود الحيوي ولا لتعويضات الكربون.. تصميم أذكى يمكنه خفض انبعاثات الطيران
كيف يمكن لشركات الطيران تقليل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 75% دون تقليل عدد الرحلات؟
لا يزال الطيران جزءًا أساسيًا من متطلبات العمل والسفر والترفيه، إلا أن التلوث الناتج عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بكل رحلة يواصل الارتفاع.
ويشير باحثون إلى أن تغييرات بسيطة في كيفية إدارة شركات الطيران لعملياتها الحالية يمكن أن تخفض الانبعاثات بشكل حاد، دون مطالبة الناس بتقليل عدد رحلاتهم الجوية.
الانبعاثات الخفية داخل الرحلات
يأتي جزء كبير من الضرر المناخي للطيران من قرارات تتعلق بالمساحة الداخلية للطائرات وجدولة الرحلات. وقد تتبع فريق بحثي من جامعة لينياس السويدية هذه الاختيارات وتأثيرها البيئي.
قاد الدراسة البروفيسور ستيفان جوسلينج، أستاذ الجغرافيا البشرية، الذي يركز في أبحاثه على كيفية تفاعل الطلب على السفر ونماذج الأعمال والحوافز السياسية لتحويل الرحلات اليومية إلى مصادر كبيرة للاحترار العالمي.
ومن خلال تحليل هذه العوامل، قدّر الفريق أن الانبعاثات يمكن أن تنخفض بنسبة تتراوح بين 50 و75% دون تقليل عدد الرحلات التي يقوم بها الركاب.

ماذا كشفت الأرقام؟
قدّر الباحثون أن طيران الركاب أنتج نحو 637 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون عبر 27.5 مليون رحلة تجارية.
وقارن الفريق بين الانبعاثات لكل ميل راكب مدفوع الأجر، عبر قسمة إجمالي الانبعاثات على المسافة المقطوعة وعدد الركاب.
وتراوحت النتائج بين 0.11 و3.2 رطل من ثاني أكسيد الكربون لكل ميل راكب، تبعًا لنوع الطائرة، وتوزيع المقاعد، ونسبة الإشغال.
ويعني هذا التباين الكبير أن بعض المسارات تُظهر بالفعل ما هو ممكن، بينما تهدر مسارات أخرى الوقود مع كل مقعد فارغ.

المقاعد الفاخرة تضاعف الانبعاثات
تزيد الدرجات المميزة من الانبعاثات لكل فرد، لأن عددًا أقل من الركاب يتقاسم استهلاك الوقود نفسه أثناء الإقلاع والتحليق.
ووجد الباحثون أن مقاعد درجتي رجال الأعمال والأولى قد تكون أكثر كثافة في الانبعاثات بما يصل إلى خمسة أضعاف مقارنة بالدرجة الاقتصادية.
ويؤدي تقليص هذه المساحات الواسعة إلى زيادة عدد الركاب، ما يخفض الانبعاثات لكل مسافر حتى لو بقي إجمالي الوقود المحترق قريبًا من مستواه.
غير أن شركات الطيران قد تقاوم هذا التوجه، لأن تذاكر الدرجات المميزة غالبًا ما تمثل مصدرًا رئيسيًا للأرباح.

الطائرات الممتلئة تقلل التلوث
تؤثر نسبة إشغال المقاعد بشكل مباشر في الانبعاثات، إذ تستهلك الطائرة شبه الفارغة تقريبًا نفس كمية الوقود التي تستهلكها الطائرة الممتلئة.
واستخدم الباحثون مؤشر «معامل الحمولة»، الذي يعبر عن نسبة المقاعد المشغولة، ووجدوا أن المتوسط العالمي يقارب 79%.
ورفع هذه النسبة إلى 95% يمكن أن يخفض الانبعاثات لكل راكب بنحو 16% وفق الحسابات العالمية.
غير أن تحقيق هذا المستوى قد يتطلب تقليل عدد الرحلات أو استخدام طائرات أكبر، ما قد يؤثر في الجداول الزمنية ويرفع الأسعار لبعض المسافرين.
الطائرات الأحدث أكثر كفاءة
حتى مع ثبات المسارات، يلعب اختيار الطائرة دورًا مهمًا، إذ تستفيد الطرازات الأحدث من كفاءة أعلى في استهلاك الوقود.
وتراوحت الانبعاثات بين 0.21 و1.28 رطل من ثاني أكسيد الكربون لكل ميل راكب، أي فجوة تصل إلى ستة أضعاف بين الطائرات المختلفة.
وأشار الباحثون إلى أن استخدام طائرات مثل «بوينغ 787-9» و«إيرباص A321neo» على نطاق أوسع يمكن أن يوفر ما بين 25 و28% من الوقود.
ورغم أن استبدال الأساطيل بالكامل أمر غير واقعي على المدى القصير، فإن تحسين توزيع الطائرات الحالية يمكن أن يبدأ فورًا.
أين تتركز عدم الكفاءة؟
تتركز أعلى معدلات عدم الكفاءة في المسارات التي تخدم أسواقًا صغيرة، حيث تقل أعداد الركاب بينما يستمر استهلاك الوقود.
وساهمت الولايات المتحدة بنحو 25% من انبعاثات طيران الركاب، مع تشغيل رحلات أعلى تلوثًا بنسبة 14% من المتوسط العالمي.
كما سجلت أستراليا وأجزاء من إفريقيا والشرق الأوسط العديد من المسارات عالية الكثافة الانبعاثية، في حين بدت البرازيل والهند وجنوب شرق آسيا أكثر كفاءة نسبيًا.
ويؤدي نظام «المحور والتشعب» إلى الإبقاء على رحلات منخفضة الإشغال تخدم المراكز الرئيسية، رغم تكلفتها البيئية المرتفعة.
دور السياسات العامة
يمكن للأدوات التنظيمية أن تحول الكفاءة من هدف اختياري إلى منافسة حتمية بين شركات الطيران.
وحتى دون إدخال طائرات جديدة، فإن تشغيل كل مسار بأفضل إعداد ممكن يمكن أن يخفض الانبعاثات فورًا بنحو 10.7%.
وكتب جوسلينج: «رغم أن شركات الطيران تدعي أن توفير الوقود يخدم مصالحها الاقتصادية، فإن كثيرًا منها لا يزال يشغل طائرات قديمة، أو بمعدلات إشغال منخفضة، أو بحصص متزايدة من مقاعد الدرجات المميزة».
ولا تنجح الرسوم أو التصنيفات العامة إلا إذا ظلت البيانات متاحة وشفافة، حتى لا تُخفى أوجه الهدر خلف حملات التسويق.
الطيران وعدم المساواة
تشير الدراسة إلى أن نحو 11% فقط من سكان العالم يسافرون جوًا خلال عام واحد، ما يعني أن الانبعاثات تتركز لدى فئة محدودة.
وقدّر الباحثون أن 1% من سكان العالم يسافرون بكثافة، لكنهم مسؤولون عن أكثر من نصف انبعاثات طيران الركاب.
ورغم أن تحسين الكفاءة يفيد الجميع، فإن الجدل حول العدالة المناخية سيتصاعد مع تشديد القيود واستمرار استفادة «كبار المسافرين».
حدود الوقود والتعويضات
أظهرت مراجعة حديثة أن الطيران يسهم في الاحترار العالمي ليس فقط عبر ثاني أكسيد الكربون، بل أيضًا عبر خطوط التكاثف التي تحبس الحرارة لساعات أو أيام.
وبما أن هذه التأثيرات ترتبط مباشرة بكمية الوقود المحترق ومكان تشكل العادم، فإن تحسين الكفاءة يقلل الاحترار حتى قبل اعتماد وقود أنظف.
ورغم اعتماد منظمة الطيران المدني الدولي على تعويضات الكربون، فإن جودة هذه التعويضات تختلف كثيرًا.
كما تدفع تشريعات أوروبية نحو وقود الطيران المستدام، إلا أن محدودية الإمدادات تجعل الكفاءة التشغيلية أولوية لا غنى عنها.
وتخلص الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر»، إلى أن الطائرات الأكثر امتلاءً، والمقصورات الأكثر كثافة، والتوزيع الذكي للطائرات يمكن أن يحقق تخفيضات كبيرة وفورية، حتى إن لم يصل بالعالم إلى «صفر انبعاثات».





