كيف تغيّرت ناسا في 2025 وما تأثيره على مستقبل الفضاء؟
ترامب يسخر تكنولوجيا الفضاء للأمن والدفاع.. وتحرك سريع من شركات القطاع الخاص
في عام 2025، واجهت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا فترة صعبة وغير مسبوقة، حيث تراوحت الصدمات بين اقتراحات لتقليص الميزانية، وتسريح آلاف الموظفين، وإلغاء برامج علمية مهمة، وإعادة هيكلة إدارية غير مسبوقة.
لم تكن هذه مجرد أرقام وبيانات إدارية؛ فقد أثرت هذه الإجراءات مباشرة على روح الوكالة، وكفاءتها العلمية، وقدرتها على الحفاظ على ريادتها العالمية في استكشاف الفضاء.

ضغوط سياسية وميزانية متقلبة
بدأت سلسلة الأحداث الصادمة في أعقاب الخطة المقترحة من قبل البيت الأبيض لخفض إنفاق ناسا بشكل كبير في ميزانية السنة المالية 2026.
تضمنت الاقتراحات تخفيض تمويل البرامج العلمية والبحثية، وتأجيل مشاريع قمرية ومريخية، وتقليص الجوائز البحثية التي كانت تمثل شريان الحياة للعديد من فرق العلماء والمهندسين.
هذا الوضع أدى إلى تسارع في مغادرة الموظفين ذوي الخبرة، حيث غادر نحو 4 آلاف عالم ومهندس ومسؤول فضاء ناسا بين استقالة طوعية وإجبار على المغادرة.
وأوضح هنري هيرتسفيلد، أستاذ سياسة الفضاء في جامعة جورج واشنطن، أن “الغياب المفاجئ لهؤلاء الموظفين يمثل فقدانًا كبيرًا للخبرة المؤسسية والتاريخ المؤسسي الذي ساعد ناسا على النجاح لعقود”.

تأثير فقدان الخبرة على برامج ناسا
كان لتقليص القوى العاملة تأثير مباشر على المجالات العلمية الأكثر إنتاجًا في ناسا، مثل أبحاث الكواكب، علوم الأرض، والتلسكوبات الفضائية، فقد أدى خروج الخبراء إلى صعوبة في الحفاظ على جودة المشاريع العلمية، وتراجع القدرة على الابتكار، وتعطيل برامج البحث المستقبلي.
كما ألغيت بعض المناصب في مكتب السياسات بالوكالة، ما أدى إلى فقدان التحليل الاقتصادي والاستشارات السياسية المتعلقة بالفضاء، والتي كانت تلعب دورًا رئيسيًا في توجيه القرارات الاستراتيجية للوكالة، وبحسب هيرتسفيلد، “غياب هذه الوظائف يعد خسارة كبيرة لوكالة من حيث الجودة العلمية وإدارة المشاريع الاستراتيجية”.
مركز جودارد: نموذج للتحديات
تعرض مركز جودارد لعلوم الفضاء، أحد أهم مراكز ناسا البحثية، لضربة قوية، حيث تم إغلاق نصف المباني والمختبرات على نحو سريع، رغم وجود خطة طويلة الأجل كانت تهدف إلى إعادة هيكلة المركز تدريجيًا لتلبية احتياجات المستقبل.
هذا الإجراء أدى إلى زيادة المخاوف بشأن تأثيرات هذه الإجراءات على البرامج العلمية الوطنية والدولية، وأثار استجوابات من لجان الكونغرس المختلفة.

التمويل والاستثمار في الفضاء المدني والخاص
أوضح هيرتسفيلد أن زيادة الاستثمار في القطاع الخاص لم تعد مرتبطة مباشرة ببرامج ناسا، بل أصبحت مرتبطة بشكل أساسي بإنفاق وزارة الدفاع الأمريكية على تكنولوجيا الفضاء للأمن والدفاع، هذا يعني أن الفوائد التقنية والابتكارات الجديدة ستصب غالبًا في المجال الأمني والعسكري، وليس في استكشاف الفضاء المدني أو العلمي.
وبينما تشهد الشركات الخاصة نشاطًا كبيرًا، فإن محركات التمويل الرئيسية لم تعد البرامج المدنية لناسـا، وإنما عقود الدفاع والأمن الفضائي، ما يعيد تشكيل الأولويات في قطاع الفضاء بشكل غير مسبوق.

الروح المعنوية وتأثيرها على الوكالة
أحد الأبعاد الأكثر دراماتيكية كان تأثير هذه التغييرات على الروح المعنوية للموظفين، أشارت مارسيا سميث، مؤسسة SpacePolicyOnline.com، إلى أن الكثير من العاملين الذين كرّسوا حياتهم للحفاظ على ريادة أمريكا في العلوم والتكنولوجيا يشعرون الآن بأن جهودهم “عديمة القيمة” أمام موجة التخفيضات.
وأوضحت أن هذه الحالة قد تؤدي إلى صعوبة الاحتفاظ بالمواهب، وبالتالي ضعف أداء البرامج المستقبلية.
سنوات لإعادة البناء
حسب جاك كيرالي، مدير العلاقات الحكومية في Planetary Society، فإن ما حدث في 2025 يمثل صدمة كبيرة للوكالة.
فقد أثر تسريح الموظفين على نقل المعرفة المؤسسية، والتدريب العملي للجيل الجديد في مجالات STEM، والقدرة على إطلاق مشاريع طويلة الأجل. كما أن إنهاء الجوائز البحثية بقيمة أكثر من 315 مليون دولار قلل فرص التدريب والابتكار في المستقبل.
رغم ذلك، هناك بصيص أمل: فقد أعلن الكونغرس عن نيته تمويل ناسا بشكل كامل في 2026، وهو ما يمكن أن يمثل فرصة لتعويض بعض الخسائر وإعادة بناء القدرات، كما أن تأكيد تعيين جاريد إيزاكمان مديرًا لناسا يوفر قيادة جديدة وزخمًا في لحظة مفصلية للوكالة.

لحظة حاسمة في تاريخ ناسا
عام 2025 سيكون عامًا مرجعيًا في تاريخ ناسا، ليس بسبب الإنجازات العلمية، بل بسبب الاختبارات الهيكلية والإدارية العميقة التي مرت بها الوكالة، فقد كشف العام عن هشاشة التمويل، وتعقيدات إدارة المواهب، والتحديات في الحفاظ على التفوق العلمي العالمي.
ومع ذلك، كما يقول كيرالي: “الضرر حقيقي، لكنه لا يجب أن يكون دائمًا”، التحدي الأكبر الآن هو إعادة بناء ناسا، واستعادة الروح المعنوية للموظفين، وضمان استمرار ريادتها في استكشاف الفضاء والعلوم للأجيال القادمة.





