كيف تخنق الحبال البلاستيكية الطيور الصغيرة؟ القمامة تهدد الحياة البرية
خيوط الزراعة تتحول إلى فخ مميت لفراخ الطيور البرية
تُظهر دراسة جديدة كيف أن النفايات اليومية – مثل الحبال والأكياس البلاستيكية – تقتل الطيور الصغيرة بصمت، ليس فقط في المحيطات، بل على اليابسة أيضًا.
أمضى الباحثون أربع سنوات في تتبع طيور اللقلق الأبيض في جنوب البرتغال، وكانت النتائج صادمة: أعشاش مليئة بالبلاستيك، وفراخ عالقة في الحبال، وعدد كبير من الطيور الصغيرة لم ينجُ.
أعشاش الطيور المبنية من القمامة
أُجري هذا البحث من قبل علماء من جامعة إيست أنجليا، بالتعاون مع فرق من جامعتي مونبلييه ولشبونة، وركز على طيور اللقلق الأبيض، وهي طيور كبيرة تعيش على اليابسة، وتبني أعشاشها غالبًا بالقرب من البشر. وقد تبين أن تلك الأعشاش مملوءة بالقمامة.
فحص الباحثون 568 عشًا موزعة على 32 مستعمرة في منطقتي ألينتيخو والغارف بجنوب البرتغال. ووجدوا أن 91% من الأعشاش تحتوي على مخلفات بشرية، معظمها من البلاستيك.
وقد وُجدت مواد بلاستيكية لينة، مثل أكياس التسوق، في 65% من الأعشاش، بينما ظهرت الحبال في نحو نصفها، وكانت السبب الرئيسي لحالات التشابك المميت.
في عام من سنوات الدراسة، زار العلماء 93 عشًا أسبوعيًا، ووجدوا أن 12% من الفراخ تشابكت في المخلفات، والعديد منها مات بسبب ذلك.

الكتاكيت عالقة في الحبال
تبيّن أن معظم الحبال مصدرها الزراعة، وتحديدًا خيوط مكابس القش المصنوعة من مادة البولي بروبيلين، وهي مادة بلاستيكية متينة لا تتحلل بسهولة. وعند وصولها إلى البيئة، تجمعها الطيور لاستخدامها في بناء أعشاشها، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج قاتلة.
في 63% من حالات التشابك، كانت هذه الحبال هي السبب. واحتوت بعض الأعشاش على ما يصل إلى 22 حبلًا منفصلًا. كما وُجد غلاف البالة – وهو مادة بلاستيكية زراعية أخرى – في 13% من الأعشاش، وتسبب في تشابك ستة فراخ.
لوحظ أن الفراخ التي تنشأ في أعشاش تحوي حبالًا طويلة تكون أكثر عرضة للوقوع في فخ التشابك. وما إن تُعلق، تقلّ فرص نجاتها بشكل حاد.
مشكلة العش البلاستيكي
قالت البروفيسورة ألدينا فرانكو من جامعة إيست أنجليا: “هذه مشكلة خطيرة. تتشابك الفراخ في الحبال الاصطناعية وهي صغيرة جدًا، وتخنق هذه الحبال أطرافها ببطء أثناء نموها – خاصة الأرجل والأقدام – مما يؤدي إلى نخرها وبترها، وبالتالي موتها بطريقة مروعة”.
وأضافت أن المشكلة لا تقتصر على البرتغال وحدها. ففي جميع أنحاء أوروبا، تُدمج الطيور النفايات البلاستيكية في أعشاشها. ففي أوكرانيا، أبلغ جنود عن أعشاش تحتوي على أسلاك طائرات مسيّرة. أما في المملكة المتحدة، فتبني طيور صغيرة، مثل الحسون والرن، أعشاشًا بخيوط بلاستيكية ملونة.
وقالت فرانكو: “نُظهر من خلال دراستنا أن تأثير البلاستيك في الأعشاش غالبًا ما يُستهان به، لأن الأضرار تحدث مبكرًا جدًا في حياة الكتاكيت – في متوسط عمر أسبوعين – وقد تمر حالات النفوق دون أن يلاحظها أحد”.

اللقالق مؤشرات على تهديد بيئي أوسع
يُعتبر اللقلق الأبيض مؤشرًا بيئيًا لما هو أوسع. وإذا كان هذا العدد الكبير منه يعاني من التشابك بالبلاستيك، فمن المرجح أن طيورًا أخرى تمر بالمصير ذاته.
وقالت المؤلفة الرئيسية، أورسولا هاينز، من جامعة إيست أنجليا:
“تشير هذه الدراسة إلى أن التهديد الذي تشكله المواد المشتقة من الأنشطة البشرية على الطيور البرية قد يكون أخطر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا”.
وأضافت: “تقدم نتائجنا رؤى جديدة حول معدلات نفوق الفراخ بسبب التشابك، وتبرز الحاجة العاجلة لإزالة أو استبدال المواد الخطرة – مثل خيوط البولي بروبيلين – من الاستخدام الزراعي والبيئة، نظرًا لما تسببه من أضرار للحياة البرية”.
وعلى عكس الدراسات السابقة التي ركزت فقط على وجود البلاستيك في الأعشاش، تتبعت هذه الدراسة الفراخ منذ لحظة الفقس وحتى مغادرتها العش، مما مكّن العلماء من تحديد توقيت التشابك بدقة.
وأوضح البروفيسور فرانكو: “هدفنا الرئيسي هو تحديد مواد التعشيش التي قد تشكل خطرًا كبيرًا على أنواع الطيور البرية وتتبُّع مصادرها، من أجل تطوير استراتيجيات فعالة للتقليل من هذه المخاطر”.

الخلط بين القمامة والأغصان
أما عن سبب استخدام الطيور للبلاستيك، فقالت الدكتورة إينيس كاتري من جامعة لشبونة:
“من المعروف أن طيور اللقلق الأبيض تدمج المواد المهملة من قبل البشر في أعشاشها، وغالبًا ما تبني أعشاشها بالقرب من المستوطنات البشرية أو داخلها، وتتغذى على النفايات العضوية في مكبات القمامة”.
وأضافت: “أسباب استخدام هذه المواد في الأعشاش ليست مفهومة تمامًا، لكنها قد تتعلق بتوافرها وسهولة الحصول عليها، مع ندرة المواد الطبيعية. وقد يُخطئ الطائر أحيانًا بين البلاستيك والغذاء، ويُدمج في العش عن غير قصد”.
واختتمت قائلة: “تُسلط هذه الدراسة الضوء على الحاجة الماسة إلى معالجة التلوث البلاستيكي في البيئات الأرضية، وضرورة إيجاد حلول لاستبدال هذه المواد الخطرة أو التخلص منها بطريقة آمنة”.

الطيور البرية تواجه تهديدًا بلاستيكيًا
رسالة الدراسة واضحة: التلوث البلاستيكي لا يقتصر على المحيطات، بل يؤثر أيضًا على الحياة البرية على اليابسة بطرق مؤلمة وملموسة. حتى الأدوات الزراعية الشائعة، مثل خيوط المكابس، تُعد جزءًا من المشكلة.
وإذا تم تجاهل هذه النتائج، فإن مزيدًا من الطيور سيعاني ويموت. أما إذا تحمّل الأفراد والقطاعات الصناعية المسؤولية – من خلال التنظيف، وتغيير المواد، وزيادة الوعي – فهناك فرصة حقيقية لإنقاذ الأرواح قبل فوات الأوان.
وقد نُشرت الدراسة كاملة في مجلة “المؤشرات البيئية”.







Your content never disappoints. Keep up the great work!