أخبارالتنوع البيولوجي

كيف أعادت بيانات فضائية عمرها 30 عامًا رسم خريطة غابات الصين؟

الأقمار الصناعية تروي قصة نمو غابات الصين خلال ثلاثة عقود

لطالما وُصفت الغابات بأنها «رئة الكوكب»، لكن هذا الوصف الشائع يخفي خلفه معضلة علمية حقيقية: صعوبة تتبع نمو الغابات بدقة على مدى فترات زمنية طويلة، ففي حين تتغير السياسات البيئية والاقتصادية بسرعة، تنمو الأشجار ببطء، ما يخلق فجوة معرفية تجعل كثيرًا من خطط المناخ وإدارة الموارد قائمة على تقديرات غير مكتملة.

في هذا السياق، تمثل الغابات اختبارًا صعبًا للعلماء وصنّاع القرار معًان فهي أنظمة حية تتأثر بالمناخ، والتربة، والتدخل البشري، لكن مراقبة تطورها لعقود متواصلة، وبمساحات شاسعة، ظل أمرًا بالغ التعقيد.

جنوب الصين.. مختبر طبيعي مفتوح

تُعد جنوب الصين نموذجًا مثاليًا لهذه الإشكالية. فالمنطقة تضم فسيفساء من الغابات الطبيعية التي تتعافى تدريجيًا، إلى جانب غابات مزروعة تُدار بدورات منتظمة من الزراعة والقطع وإعادة التشجير، وعلى الرغم من ملاحظة تحسن عام في الغطاء الغابي خلال السنوات الماضية، فإن إثبات هذا النمو علميًا، سنة بعد أخرى، ظل تحديًا كبيرًا.

فسيفساء من الغابات الطبيعية التي تتعافى تدريجيًا
فسيفساء من الغابات الطبيعية التي تتعافى تدريجيًا

لماذا يُعد ارتفاع الأشجار مؤشرًا حاسمًا؟

لا يُقاس تطور الغابات بعدد الأشجار فقط، بل بارتفاع مظلة الغابة، وهو مؤشر يكشف الكثير عن عمر الغابة، وكمية الكتلة الحيوية المخزنة، وقدرتها على امتصاص الكربون. فكلما زاد ارتفاع الأشجار، زادت كمية الكربون المحتجزة، وطال الزمن الذي مرت به الغابة دون اضطراب.

ورغم أهمية هذا المؤشر، فإن معظم خرائط الغابات العالمية تلتقط «صورة ثابتة» للحظة زمنية واحدة، دون أن تُظهر مسار التغير عبر السنين، أما القياسات الميدانية، ورغم دقتها العالية، فهي مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا، ويصعب تطبيقها على نطاق ملايين الهكتارات، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة.

الغابات من منظور الفضاء

لمعالجة هذه الفجوة، اعتمد فريق بحثي من الأكاديمية الصينية للعلوم، وجامعة كوبنهاغن، ومؤسسات بحثية أخرى، على نهج مختلف: العودة إلى الماضي.

نُشرت الدراسة الكاملة في دورية «Journal of Remote Sensing»، حيث قام الباحثون بتجميع وتحليل أرشيف ضخم من صور الأقمار الصناعية «لاندسات» يعود إلى عام 1986، لإعادة بناء سجل سنوي لارتفاع مظلة الغابات في جنوب الصين، بدقة مكانية تبلغ نحو 30 مترًا لكل نقطة.

وباستخدام نماذج تعلم آلي متقدمة، حوّل الفريق التغيرات الطفيفة في انعكاس الضوء والألوان إلى تقديرات دقيقة لارتفاع الأشجار، ولضمان موثوقية النتائج، جرى التحقق منها عبر مقارنتها ببيانات الجرد الوطني للغابات وقياسات «الليدار» المحمولة جوًا.

وأظهرت النتائج استقرارًا لافتًا في دقة القياس عبر الزمن، مع هامش خطأ متوسط لم يتجاوز ثلاثة أمتار، حتى مع تغير أنماط الإدارة وتقدم عمر الغابات.

تجميع وتحليل أرشيف ضخم من صور الأقمار الصناعية «لاندسات» يعود إلى عام 1986،
تجميع وتحليل أرشيف ضخم من صور الأقمار الصناعية «لاندسات» يعود إلى عام 1986،

ثلاثة عقود من النمو المتواصل

تكشف البيانات عن اتجاه واضح لا لبس فيه: الغابات في جنوب الصين نمت بشكل مستمر على مدار أكثر من 30 عامًا، فقد ارتفع متوسط ارتفاع مظلة الغابات من نحو 6 أمتار عام 1986 إلى أكثر من 10 أمتار بحلول عام 2019، أي بزيادة تقارب 61%.

ومنذ مطلع الألفية الجديدة، تسارع انتشار الغابات الأطول قامة، وهو ما يتزامن مع برامج تشجير واسعة النطاق وتشديد سياسات حماية الغابات.

وسجلت الغابات المزروعة معدلات نمو أسرع، بمتوسط 0.20 متر سنويًا، مقارنة بالغابات الثانوية التي تنمو طبيعيًا بعد الاضطرابات، والتي بلغ متوسط نموها نحو 0.13 متر سنويًا، غير أن هذا التسارع لم يترجم إلى تفوق دائم، إذ تمكنت الغابات الثانوية في نهاية المطاف من تجاوز الغابات المزروعة من حيث الارتفاع.

ويُعزى ذلك إلى الطبيعة الدورية للغابات المزروعة، التي تشهد نموًا سريعًا يعقبه تراجع حاد بعد عمليات الحصاد، قبل أن تبدأ دورة جديدة من النمو، على عكس الغابات الثانوية التي تنمو بوتيرة أبطأ ولكن أكثر استقرارًا.

الإدارة البشرية تتفوق على المناخ

أظهرت الدراسة أن عمر الغابة كان العامل الأكثر تأثيرًا في تغير ارتفاع الأشجار، متقدمًا على عوامل المناخ مثل الأمطار ودرجات الحرارة، بينما لعبت خصائص التربة دورًا في تحديد الحد الأقصى للنمو.

وتشير هذه النتائج إلى أن القرارات البشرية، المتعلقة بنوع الأشجار المزروعة، وتوقيت الحصاد، ومستوى الحماية، تترك بصمة طويلة الأمد على بنية الغابات، يمكن تتبعها بدقة من الفضاء.

ما وراء حدود الصين

تتجاوز أهمية هذه النتائج حدود الصين. فإمكانية تتبع نمو الغابات عبر عقود باستخدام بيانات الأقمار الصناعية تفتح آفاقًا جديدة لتقييم نجاح برامج الاستعادة البيئية، وتحسين تقديرات الكربون، ومراجعة السياسات forest management على أسس علمية دقيقة.

وبما أن سجلات «لاندسات» تغطي معظم أنحاء العالم، فإن هذا النهج قابل للتطبيق في مناطق أخرى شهدت تدخلًا بشريًا مكثفًا في الغابات، فالغابات تنمو حلقة بعد حلقة، ومع توفر ثلاثة عقود من الرصد المستمر من الفضاء، لم تعد قصتها لغزًا يصعب قراءته، بل سجلًا مفتوحًا يمكن الاعتماد عليه في رسم مستقبل أكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading