قناة بنما تنذر بكارثة مناخية عالمية.. نموذج حي لتأثير التغير المناخي على التجارة العالمية
ستيل: تغير المناخ خطر أعظم من الأزمات الاقتصادية.. الطاقة النظيفة تفتح أسواقًا جديدة وتوفر فرصًا عادلة
أكد سيمون ستيل، السكرتير التنفيذي لتغير المناخ بالأمم المتحدة، أن حالة عدم اليقين التجاري والاقتصادي سيطرت على عناوين الأخبار الأشهر الماضية، ولكن نادرًا ما كان ذلك بسبب التأثيرات المناخية التي تُعرّض كل شيء للخطر، معتبرًا أن فوضى المناخ ستُخلّف آثارًا أشد خطورةً وأكثر ديمومة.
وأشار ستيل، في كلمته خلال قمة الطبيعة 2025 بمدينة بنما بأمريكا الوسطى، إلى أن قناة بنما تُعدّ أكبر مثال على تأثير تغير المناخ، حيث أدى انخفاض منسوب المياه إلى إبطاء حركة الشحن وتعطيل طرق التجارة، ما تسبب في ارتفاع التكاليف وقلة الأموال المتاحة للإنفاق حتى لدى الأشخاص العاديين. ويعني ذلك أيضًا تأخر وصول الإمدادات الطبية الحيوية إلى المحتاجين، وانهيار الشركات، واندثار سبل العيش.
وأوضح أن موجات الجفاف التي تُعاني منها القناة نفسها تؤثر على السلع الأساسية في جميع أنحاء العالم، مما يُقلل المحاصيل، ويُفرغ رفوف المتاجر، ويُجبر العائلات على الجوع. لقد عادت المجاعة، ولا يمكن تجاهل دور الاحتباس الحراري في ذلك.

مشاريع الطاقة النظيفة
وأضاف أن كل هذا يحدث في وقت تؤدي فيه أسعار الوقود الأحفوري المتقلبة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، مما يُثقل كاهل الناس.
لكن، وسط كل هذا التغيير والاضطراب، ثمة أخبار سارة؛ ففي جميع أنحاء العالم، تُنفّذ مشاريع طاقة نظيفة، وينتظر المستثمرون إطلاق التزامات بمليارات الدولارات لتحسين حياة الناس.
المساهمات المحددة وطنيًا
وأكد ستيل أن السياسات المناخية الواضحة والقوية تُعدّ ترياقًا لعدم اليقين الاقتصادي، وهي رسالة يجب على الجميع الانتباه إليها؛ إذ يمكن لسياسات المناخ أن تُسهم في تدفق التجارة، ونمو الاقتصادات، والحد من آثار المناخ المدمّرة.
كما توفّر إشارات واضحة من الحكومات للأسواق وللمستثمرين المستعدين للضغط على زر “البدء” في استثمارات ضخمة.
وأشار إلى أن الجيل الجديد من خطط المناخ الوطنية – أو ما يُعرف بالمساهمات المحددة وطنيًا – يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية، سواء هنا في أمريكا اللاتينية أو في جميع أنحاء العالم.
ففي السابق، ركزت هذه الخطط على تقليص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والطاقة التقليدية.

أما الجيل الجديد، فيُركز على النمو، وتنمية الصناعات والاقتصادات، وبناء مستقبل أفضل؛ مستقبل تُحمى فيه الطبيعة، ويحظى فيه الناس بفرص متكافئة.
وشدد على أنه إذا نُفّذت هذه الخطط بالشكل الصحيح، فإنها ستجلب فوائد عظيمة: المزيد من الوظائف، والإيرادات، ودورة استثمارية مثمرة. وإن لم تُنفّذ، فستبقى هذه الوثائق حبرًا على ورق.
وأشار إلى أن الإشارات السياسية الصادرة عن معظم أكبر اقتصادات العالم واضحة للغاية: عملية إزالة الكربون العالمية لا يمكن إيقافها، وتستمر في اكتساب الزخم.

انخفاض تكاليف الطاقة الشمسية والرياح
وأكد أن التقدم السريع في تكنولوجيا شحن المركبات الكهربائية، والاختراقات في تخزين الطاقة، يتزامن مع انخفاض تكاليف الطاقة الشمسية والرياح وسائر التقنيات النظيفة. فقد كانت أكثر من 90% من الطاقة الجديدة في العام الماضي طاقة متجددة، وهذا مدعوم ببيانات واضحة.

وضرب أمثلة بدول تتخذ خطوات ملموسة:
-
البرازيل تضع الطبيعة في صميم خطتها المناخية.
-
ألمانيا تتعهد باستثمار مليارات الدولارات في العمل المناخي لتعزيز الأمن.
-
الصين، للمرة الأولى، تعلن عن هدف وطني يشمل جميع غازات الاحتباس الحراري وكافة القطاعات الاقتصادية.
وأوضح أن ذلك لا يعود فقط إلى دوافع بيئية، بل لأن إزالة الكربون تُعدّ أكبر تحول اقتصادي في عصرنا، وأحد أعظم الفرص التجارية. والرسالة أن كل دولة تطمح للاستفادة من سوق الطاقة النظيفة الذي تبلغ قيمته تريليوني دولار.
ورغم أن المنافسة مطلوبة، فإن الوقت ليس مناسبًا للتفكير بمنطق “المحصلة الصفرية”. علينا أن نتعاون كي يستفيد الجميع، وتُفتح أسواق جديدة، وتتشكّل طرق تجارية جديدة.

لا يمكن تحمل انتقال مناخي بسرعتين
وحذر ستيل من أنه لا يمكن تحمل انتقال مناخي بسرعتين، حيث تتقدم بعض الدول في مجال الطاقة النظيفة، بينما تتخلف أخرى. فقوة سلسلة التوريد تُقاس بهشاشة أضعف حلقاتها.
وأضاف أن الخبر السار هو أننا نسمع التزامًا واضحًا من قادة الدول بالتعاون المناخي، استنادًا إلى النجاحات التي تحققت في مؤتمرات تغير المناخ الأخيرة.
وقال إن قمة بنما تستضيف اليوم أول أسابيع المناخ المُجددة، وستُركّز هذه الفعالية أكثر من أي وقت مضى على ربط الأقوال بالأفعال وتحقيق تقدم ملموس، من خلال إشراك أصحاب المصلحة من مختلف البلدان والقطاعات، وعرض الحلول، واستكشاف آليات توسيع نطاقها ومشاركتها.
وختم بقوله: “في هذه الأوقات العصيبة، من المهم ألا نفقد وجهتنا، وبينما تعبر مزيد من السفن قناة بنما، ناقلةً لبنات اقتصاد عالمي قائم على الطاقة النظيفة، فإن مهمتنا هي ضمان استمرار هذا التقدم، ووصول فوائده إلى كل دولة في العالم”.






