غابة غارقة تحت البحر تكشف السرعة الصادمة لارتفاع مستوى البحار
أشجار عمرها 75 ألف عام توثق كيف غيّر المناخ السواحل في لحظات حاسمة
كشفت غابة مغمورة تحت مياه خليج المكسيك، قبالة سواحل ولاية ألاباما الأميركية، عن سجل نادر يوضح مدى السرعة التي يمكن أن تتغير بها السواحل عندما يدخل المناخ مرحلة من عدم الاستقرار.
فهذه الغابة، التي تتكون من أشجار سرو قديمة محفوظة على هيئة جذوع في قاع البحر، تحمل بين حلقاتها تاريخًا من التحولات المناخية والعواصف العنيفة وارتفاع مستوى سطح البحر، يعود إلى نحو 75 ألف عام، أي قبل ظهور السجلات البشرية بزمن طويل.
أشجار قديمة في قاع البحر
عثر الباحثون على جذوع أشجار سرو محفوظة في قاع البحر على بعد نحو خمسة أميال من سواحل ألاباما، حيث أعادوا بناء أنماط نموها السنوية لاستخلاص معلومات دقيقة عن الظروف المناخية في تلك الحقبة السحيقة.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة npj Climate and Atmospheric Science ، وجُمعت العينات من موقع يقع على عمق يقارب 18 مترًا، وعلى مسافة ثمانية أميال من مدينة جلف شورز، وقاد العمل البحثي الدكتور جرانت هارلي من جامعة أيداهو، المتخصص في دراسة حلقات الأشجار وتاريخ السواحل.

حلقات الأشجار تسجل الفصول
تحتفظ كل جذعة من هذه الأشجار بسجل دقيق للفصول الرطبة والجافة، إذ تتشكل الحلقات مع نمو خلايا خشبية جديدة كل عام.
وباستخدام علم التأريخ بحلقات الأشجار، تمكن الفريق من مطابقة أنماط النمو بين عشر عينات مختلفة، وبنوا تسلسلًا زمنيًا امتد 489 عامًا، كافيًا لرصد فترات الإجهاد التدريجي ثم الانهيار المفاجئ للغابة.
ولعدم وجود سجل مرجعي في منطقة خليج المكسيك يعود إلى ذلك الزمن البعيد، ظل هذا التسلسل “عائمًا” دون تاريخ تقويمي محدد.

تحديد عمر الغابة
فشلت اختبارات التأريخ بالكربون المشع في تحديد العمر بدقة، لأن العينات تجاوزت الحد الأقصى الفعال لهذه الطريقة.
ولجأ الباحثون إلى تقنية التأريخ بالتحفيز الضوئي للرواسب الرملية، التي حددت عمر الغابة ما بين 74 ألفًا و61 ألف عام، أي خلال أواخر العصر الجليدي، حين كان الجرف القاري مكشوفًا والبحر أبعد من موقعه الحالي.

صلة بأشجار المستنقعات الحديثة
أظهرت الفحوص المجهرية أن الأشجار تعود إلى نوع السرو الأصلع، وهو نوع لا يزال ينمو اليوم في أراضي خليج المكسيك الرطبة.
وبمقارنة أنماط النمو مع بيانات البنك الدولي لحلقات الأشجار، تبين أن أقرب تطابق كان مع أشجار سرو حديثة من نهر باسكاجولا في ألاباما، ما يشير إلى تشابه القيود البيئية رغم اختلاف المناخ وخط الساحل آنذاك.
انهيار مفاجئ ونهاية واحدة
في السنوات الأخيرة من عمر الغابة، أظهرت الحلقات تراجعًا حادًا في النمو، وكانت الحلقات الأخيرة هي الأرفع على الإطلاق، كما انتهت عدة عينات بحلقة ربيعية غير مكتملة، وهو دليل على موت الأشجار في بداية موسم النمو.
وتشير مطابقة الحلقات النهائية في معظم العينات إلى أن حدثًا واحدًا، وليس سلسلة أحداث متفرقة، تسبب في القضاء على الغابة بأكملها.
العواصف وملوحة البحر
يرجح الباحثون أن يكون التوغل المفاجئ للمياه المالحة خلال عاصفة بحرية عنيفة هو السبب الرئيسي، إذ تتحمل أشجار السرو الغمر بالمياه العذبة، لكنها تتأثر بشدة بالملوحة التي تعيق امتصاص الماء وتضعف عملية التمثيل الضوئي.
كما يؤدي انخفاض الأكسجين في التربة خلال العواصف إلى اختناق الجذور وتباطؤ النمو قبل الموت.
إشارات من المحيط الأطلسي
تشير بيانات الحلقات إلى فترات نشاط عاصفي غير معتاد، ويربط الباحثون ذلك بما يُعرف بأحداث “هاينريش”، وهي تدفقات ضخمة من المياه العذبة الناتجة عن ذوبان الجبال الجليدية في شمال الأطلسي.
هذه التدفقات قد تُضعف دوران المحيط الأطلسي، وتعيد تشكيل أنماط الرياح، ما يزيد من شدة العواصف على سواحل خليج المكسيك.
دفن حفظ الغابة
بُعيد موت الأشجار، دُفنت الغابة تحت طبقات من الطمي، ما خلق بيئة خالية من الأكسجين حدّت من نشاط البكتيريا والكائنات التي تتغذى على الخشب، وحافظت على الجذوع آلاف السنين.
وفي عام 2004، كشفت حركة القاع الناتجة عن إعصار إيفان عن عشرات الجذوع، محولة الموقع إلى نافذة علمية فريدة، لكنها في الوقت نفسه جعلت الخشب عرضة للتآكل السريع.
دروس للحاضر
تُظهر هذه الغابة المغمورة كيف يمكن للتغيرات المناخية المفاجئة أن تعيد تشكيل السواحل في فترات زمنية قصيرة نسبيًا.
ويرى الباحثون أن فهم هذه التحولات القديمة يساعد في تقدير سرعة التغيرات المتوقعة اليوم، في ظل الاحترار غير المسبوق الذي يشهده كوكب الأرض.





