ملفات خاصةأخبارتغير المناخ

تلوث الهواء العابر للحدود يرفع معدلات المرض والوفاة عالميًا

تلوث حرائق الغابات والنينيو: مخاطر مناخية تضغط على صحة الإنسان

تسهم الظواهر المناخية المتداخلة، مثل ظاهرة النينيو وتلوث الهواء الناتج عن حرائق الغابات، في زيادة الأزمات الصحية المزمنة لدى البشر، وهي أزمات قد تستمر آثارها لفترات طويلة بعد انتهاء التعرض المباشر.
ويؤدي ذلك إلى خلق واقع جديد شديد التقلب أمام نماذج التقييم الاكتواري ومخاطر التأمين على الحياة.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن تغير المناخ يؤثر سلبًا على صحة الإنسان من خلال زيادة مخاطر الوفاة والأمراض والأزمات الصحية المختلفة.

ووفقًا لبيانات عام 2023، يُتوقع تسجيل نحو 250 ألف حالة وفاة إضافية سنويًا بين عامي 2030 و2050 نتيجة تأثيرات تغير المناخ، خاصة تلك المرتبطة بالأمراض والفيضانات الساحلية.

تجارب واقعية: تأثيرات ملموسة على الصحة العامة

أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن نسبة كبيرة من السكان باتت تعاني بالفعل من آثار صحية مرتبطة بتغير المناخ.
فقد أفاد 53% من المشاركين بأن الظواهر الجوية المتطرفة أثرت على صحتهم، بينما أشار نحو ربعهم إلى تفاقم أمراض مزمنة لديهم، وأكد 15% تعرضهم لإصابات طويلة الأمد أو أمراض مزمنة نتيجة هذه الظواهر.

تلوث الهواء
تلوث الهواء

تلوث الهواء الناتج عن حرائق الغابات: الخطر غير المرئي

لا تنجم معظم الوفيات المرتبطة بحرائق الغابات عن النيران نفسها، بل عن تلوث الهواء الناتج عنها.

وتُعد الجسيمات الدقيقة (PM2.5)، التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، من أخطر الملوثات، حيث تؤثر على مجموعة واسعة من الأمراض.

وعندما يتزامن التعرض لهذه الجسيمات مع موجات الحر الشديدة، تصبح التأثيرات الصحية أكثر خطورة، إذ تسهم في ما يتراوح بين 2.3% و8.6% من إجمالي انتشار الأمراض المدروسة.

بمعنى آخر، فإن ما بين حالتين إلى تسع حالات من كل 100 حالة مرضية قد تكون نتيجة لتلوث الهواء الناتج عن حرائق الغابات المصحوب بارتفاع درجات الحرارة، وهو تأثير يضاهي أو يتجاوز في بعض الأحيان تأثيرات جائحة كوفيد-19.

تلوث الهواء

تأثيرات طويلة الأمد تتجاوز لحظة التعرض

لا تقتصر الأضرار الصحية على فترة التعرض المباشر، بل قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات. إذ تظهر أمراض الجهاز التنفسي بسرعة، في حين تتأخر أمراض القلب والدورة الدموية، وكذلك الاضطرابات النفسية، لتبلغ ذروتها بعد عدة أشهر.
ويعكس ذلك الفارق بين التأثيرات الالتهابية قصيرة المدى والتأثيرات الجهازية والعصبية طويلة المدى.

تفاوت التأثيرات حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية

لا يتأثر جميع الأفراد بنفس الدرجة، حيث تتعرض المجتمعات ذات الوصول المحدود إلى الرعاية الصحية، أو التي تعاني من أمراض مزمنة أو تحديات اقتصادية واجتماعية، لمخاطر أكبر عند التعرض لهذا النوع من التلوث.

تلوث الهواء

انتشار التلوث عبر مسافات طويلة

تشير الدراسات إلى أن حرائق الغابات قد تسهم بما يصل إلى 40% من الانبعاثات السنوية للجسيمات الدقيقة.
ولا يقتصر تأثيرها على المناطق المتضررة مباشرة، إذ يمكن لهذه الجسيمات الانتقال لمسافات طويلة، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الوفاة حتى في المناطق التي لم تشهد حرائق.
كما أن التأثيرات الصحية قد تظهر بعد فترة طويلة، ما يخلق فجوة زمنية بين وقوع الحدث وظهور نتائجه الصحية.

ظاهرة النينيو: تأثيرات خفية على معدلات الوفيات

ترتبط ظاهرة النينيو أيضًا بتباطؤ التحسن في معدلات الوفيات، خاصة تلك المرتبطة بأمراض القلب والحوادث.
وتشير الدراسات إلى تراجع ملحوظ في معدلات التحسن في الوفيات المرتبطة بأمراض الدورة الدموية، مع خسارة تراكمية تُقدَّر بنحو 4.8 نقطة مئوية خلال خمس سنوات.

كما تم تسجيل انخفاض بنسبة 5% في التحسن المرتبط بالوفيات الناتجة عن أسباب خارجية مثل الحوادث والإصابات.

الفئات العمرية الأكثر تأثرًا

تتركز التأثيرات طويلة الأمد بشكل أساسي بين البالغين في منتصف العمر وكبار السن. إذ تظهر أمراض القلب بشكل أكبر لدى الفئة العمرية بين 50 و80 عامًا، بينما تبلغ الوفيات الناتجة عن الحوادث ذروتها بين 35 و44 عامًا.
وعلى الرغم من أن التأثيرات المباشرة للنينيو تبدو محدودة، فإن آثارها تتراكم بمرور الوقت، مما يؤدي إلى تدهور طويل الأمد في اتجاهات الوفيات.

توقعات مستقبلية مقلقة

تشير التوقعات إلى أن زيادة حدة ظاهرة النينيو قد تؤدي إلى تآكل مكاسب متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة بحلول منتصف ونهاية القرن.
وفي سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة، قد تتجاوز الخسائر إجمالي التحسن الذي تحقق في أوائل القرن الحادي والعشرين، مع كون أمراض القلب من أبرز العوامل المساهمة.

انعكاسات على قطاع التأمين

تخلق هذه المخاطر المناخية بيئة أكثر تعقيدًا لقطاع التأمين، حيث تزيد من حالة عدم اليقين المرتبطة باستخدام الخدمات الصحية وتسعير الأقساط والسياسات التنظيمية.
وقد يتطلب ذلك من شركات التأمين إعادة النظر في طرق تقييم المخاطر وتصميم المنتجات والتعامل مع الأطراف المعنية.

كما يمكن استخدام توقعات ظاهرة النينيو للتنبؤ بتقلبات المطالبات، واختبار قدرة رأس المال، وتعديل استراتيجيات إعادة التأمين.
وقد يمتد ذلك إلى دمج العوامل المناخية في تسعير المنتجات ووضع الاحتياطيات المالية.

الحاجة إلى نماذج جديدة لإدارة المخاطر

في ظل تزايد تلوث الهواء الناتج عن حرائق الغابات، خاصة عند اقترانه بموجات الحر، من المتوقع ارتفاع تقلبات المطالبات التأمينية.
كما أن هذه المخاطر لا تتوزع بشكل متساوٍ، بل تتأثر بعوامل جغرافية واجتماعيةـ لذلك، يصبح من الضروري تطوير أساليب جديدة لقياس المخاطر، مع إدخال هوامش احترازية مناسبة لمواجهة عدم اليقين، خاصة في ظل استمرار تقلب تكاليف الرعاية الصحية.

خلاصة: آثار ممتدة تتطلب استجابة متكاملة

تؤكد هذه النتائج أن الظواهر المناخية لم تعد مجرد أحداث قصيرة الأمد، بل أصبحت عوامل ذات تأثيرات صحية طويلة المدى، تؤدي إلى إضعاف التحسن في معدلات الوفيات.
ويبرز ذلك أهمية دمج الاعتبارات المناخية في نماذج التقييم والتسعير والتخطيط المالي، بما يسهم في تحسين إدارة المخاطر الصحية والاقتصادية على حد سواء.a

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة