أخبارالسياحة

أهرامات مروي السودانية تحت التهديد.. الرمال وتغير المناخ والحرب تنذر بانهيار آثار كوش

«الأحجار تتساقط».. تغير المناخ والحرب يحاصران أكثر من 200 هرم من أهرامات مروي السودانية

في صحراء البجراوية بولاية نهر النيل شمال السودان، وعلى بُعد نحو 200 كيلومتر شمال الخرطوم، تقف أهرامات مروي كأحد أقدم الشواهد الباقية على حضارة كوش، التي ازدهرت في وادي النيل قبل آلاف السنين.

لكن هذه الآثار تواجه اليوم اختبارًا من نوع آخر؛ فالحرب عطلت أعمال الحفظ، والسياحة تكاد تكون متوقفة، والبعثات الأثرية غابت، فيما تواصل الرمال وعوامل التعرية عملها البطيء في موقع أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» على قائمة التراث العالمي.

تدهور متسارع

ففي أحدث تقرير ميداني نشرته وكالة «أسوشييتد برس» في السادس من أغسطس الحالي، بدت مظاهر التدهور أكثر وضوحًا في الموقع، مع تراكم الرمال حول الأهرامات وداخل المعابد، ونمو النباتات، وتأثر الأحجار والنقوش بالأملاح وعوامل التعرية.

وقال حارس الموقع مصطفى أحمد إن الرمال «ازدادت بشكل كبير على الأهرامات وحتى داخل المعابد»، مضيفًا أن العشب ينمو بكثافة.

لكن العبارة الأكثر إثارة للقلق جاءت في وصفه لحالة الأهرامات، إذ قال: «لقد تدهورت الأهرامات بشكل كبير، وبدأت الأحجار في التساقط».

ولا تتوقف المخاوف عند حدود ما تراه العين؛ إذ قال محمد مبارك، مفتش الآثار، إن الأملاح الناتجة عن تراكم الرمال تجمعت داخل المعابد الجنائزية، وبدأت تؤثر في الأحجار «الهشة بطبيعتها»، بما يهدد بتآكل النقوش القديمة.

«الأحجار تتساقط».. تغير المناخ والحرب يهددان أهرامات مروي السودانية بالانهيار
«الأحجار تتساقط».. تغير المناخ والحرب يهددان أهرامات مروي السودانية بالانهيار

كارثة محتملة

أما عالم الآثار محمود سليمان، فحذر من أن الموقع «قد يواجه كارثة، والانهيارات ممكنة»، رابطًا جانبًا من التدهور بتغير المناخ والحرب التي أدت إلى تشتت قوة العمل وصعوبة مواصلة البعثات الأجنبية نشاطها في ظل الاضطراب الأمني.

وقدم سليمان، عالم الآثار ومدير عام الهيئة القومية للآثار والمتاحف بالسودان، الذي يملك معرفة ميدانية طويلة بالبجراوية، إذ ظل مسؤولًا عن المنطقة الأثرية لسنوات قبل توليه منصبه الحالي، تقييمًا مباشرًا لحالة الموقع والمخاطر التي تواجه أهراماته.

وقال إن من أبرز المشكلات التي تواجه أهرامات ومواقع البجراوية «غياب العامل في برنامج الدورية والمراقبة، إلى جانب التأثير المباشر للتغيرات المناخية الكبيرة التي تشهدها المنطقة»، وأضاف أن «نسبة عالية من الأمطار خلال الفترات القريبة تزامنت مع زحف الرمال وتراكم الكثبان الرملية حول الأهرامات».

وأوضح أن الرياح تؤثر مباشرة في سلامة الحجر الرملي الذي تتكون منه الأهرامات، وهو حجر هش يتأثر بحركة الرمال، فضلًا عن تأثيرها في النقوش والترسبات الموجودة على جدران الأهرامات.

أهرامات تعاني التشققات

وأكد سليمان أن هذه العوامل تمثل «من المؤشرات المباشرة» على سلامة الأهرامات في منطقة البجراوية.

وحذر من أن استمرار تدهور الوضع قد يقود إلى أضرار أكثر خطورة، قائلًا إن الأمر قد يبدأ بـ«إزالة النقوش والرسومات من أسطح الجداريات في الأهرامات، وقد يتطور إلى تآكل الحجر الرملي في بعض المناطق الحساسة، وصولًا إلى انهيارات جزئية بالنسبة لبعض الأهرامات».

وأشار إلى أن لكل هرم مشكلته المعمارية الخاصة، موضحًا أن بعض الأهرامات تعاني من تشققات، فيما تعاني أخرى من تسرب مياه الأمطار إلى داخل جسم الهرم، بينما تشهد أهرامات أخرى تساقطًا للحجارة.

وأضاف أن هذه المشكلات مجتمعة «ممكن أن تؤدي إلى فقدان أهرامات في المستقبل إذا ما تم عمل إجراءات وقائية حقيقية في أعمال الترميم».

وخص سليمان أهرامات المجموعة الغربية بالذكر، قائلًا إن وضعها «سيئ جدًا»، مشيرًا إلى أن أحجامها أصغر إلى حد ما من الأهرامات الموجودة في الجبانة الشمالية، لكنها أكثر عددًا، إذ يوجد أكثر من 100 هرم في منطقة واحدة، وهو ما يجعل وضعها أكثر إشكالية من ناحية الحماية والصيانة.

آثار عمرها آلاف السنين في مهب الريح.. ما الذي يحدث لأهرامات مروي؟
آثار عمرها آلاف السنين في مهب الريح.. ما الذي يحدث لأهرامات مروي؟

الحرب عطلت أعمال الحفظ

وتضم البجراوية أكثر من 200 هرم ومقبرة ملكية تعود إلى مملكة كوش، إلى جانب معابد ومنشآت مرتبطة بمدينة مروي الملكية.

وأدرجت اليونسكو الموقع على قائمة التراث العالمي عام 2011، باعتباره واحدًا من أهم الشواهد على الحضارة الكوشية في وادي النيل.

لكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل/نيسان 2023 فرضت واقعًا جديدًا على الموقع؛ فقد تراجعت حركة السياحة، وغابت البعثات الأثرية، وأصبحت عمليات الوصول إلى المواقع وإجراء أعمال الترميم والصيانة أكثر صعوبة، في وقت تحتاج فيه الآثار إلى متابعة مستمرة لحمايتها من عوامل التلف.

وحذرت اليونسكو من أن نقص الموارد يعوق أعمال الصيانة والحفظ الضرورية في الموقع، في وقت تمثل فيه الرمال المتراكمة حول المقابر الملكية أحد أبرز التهديدات التي تواجهها.

، لا تحفظ الأهرامات قبور الملوك فقط، بل تحمل المعابد والنقوش والمنشآت أجزاء من تاريخ مملكة كوش
، لا تحفظ الأهرامات قبور الملوك فقط، بل تحمل المعابد والنقوش والمنشآت أجزاء من تاريخ مملكة كوش

الرمال.. عدو ينهش في صمت

لا تبدو الرمال خطرًا دراماتيكيًا في العادة، لكنها بالنسبة إلى موقع أثري هش قد تتحول إلى مشكلة متراكمة؛ فهي تتحرك مع الرياح، وتتجمع حول الأهرامات وداخل بعض المنشآت، ويمكن أن تحتفظ بالرطوبة وتزيد من تأثير الأملاح وعوامل التعرية على الأحجار.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتوقف أعمال الصيانة، فالتلف الأثري لا يبدأ بالضرورة بانهيار كبير؛ فقد يبدأ بتآكل حجر، أو تشقق صغير، أو فقدان جزء من نقش، ثم يتسع الضرر مع مرور الوقت.

لهذا فإن الخطر الحقيقي على أهرامات مروي لا يتمثل فقط في احتمال سقوط أحد أحجارها، بل في فقدان تفاصيل صغيرة من الموقع قد لا يمكن استعادتها لاحقًا.

أكثر من حجر مهدد بالضياع

في البجراوية، لا تحفظ الأهرامات قبور الملوك فقط، بل تحمل المعابد والنقوش والمنشآت أجزاء من تاريخ مملكة كوش ومعتقداتها وحياتها السياسية والدينية.

فكل نقش يتآكل يعني فقدان جزء من المعرفة، وكل حجر يسقط يعني خسارة جزء من سجل حضاري لا يمكن إعادة بنائه إذا اختفت شواهده.

وهنا تكمن المفارقة: حضارة انتهت منذ أكثر من ألف عام، لكن آثارها بقيت حتى اليوم، بينما تهدد الحرب الحديثة والتغيرات المناخية الوسائل التي سمحت لهذه الآثار بالصمود.

ويبقى السؤال: هل تنجو أهرامات مروي من الحرب والمناخ والرمال قبل أن يتحول التدهور البطيء إلى انهيارات يصعب تداركها؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة