أخبارالاقتصاد الأخضر

هل العالم بحاجة إلى احتجاز الكربون لتحقيق الحياد المناخي؟

75 مشروعًا فقط عالميًا.. هل يفشل احتجاز الكربون في مواكبة أزمة المناخ؟

عند إطلاق ثاني أكسيد الكربون (CO2) من المصانع أو محطات الطاقة، يمكن التقاط هذا الغاز وتخزينه تحت الأرض بشكل دائم، ما يمنع مساهمته في تغير المناخ. وتُعرف هذه التقنية باسم احتجاز وتخزين الكربون (CCS)، وهي أحد الركائز الأساسية في خطط العديد من الدول للوصول إلى الحياد الكربوني.

وترى منظمات مؤثرة، من بينها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، أن هذه التقنية «حيوية» لخفض الانبعاثات في القطاعات الأكثر تلويثًا، خاصة الصناعات الثقيلة مثل الأسمنت، التي يصعب خفض انبعاثاتها بوسائل أخرى.

المشهد العالمي: أزمة مناخية تتسارع

لم يعد تغير المناخ خطرًا مستقبليًا، بل واقعًا حاضرًا يتجلى في موجات حر قياسية، وأعاصير أكثر شدة، واضطرابات في الأمن الغذائي والمائي. ويرتبط هذا التسارع بزيادة تركيزات غازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الطاقة والصناعة والنقل.

وفي مواجهة هذا التحدي، تبنّى العالم هدف “الحياد المناخي” (Net Zero)، الذي يعني الوصول إلى نقطة تتساوى فيها الانبعاثات مع الكميات التي يتم امتصاصها أو إزالتها من الغلاف الجوي. لكن الوصول إلى هذا الهدف لا يعتمد فقط على تقليل الانبعاثات، بل يتطلب أيضًا أدوات لإدارة ما تبقى منها—وهنا تبرز تقنيات احتجاز وتخزين الكربون.

ما هي تقنيات احتجاز وتخزين الكربون؟
ما هي تقنيات احتجاز وتخزين الكربون؟

كيف تعمل التقنية؟

تعتمد تقنية احتجاز الكربون على فصل ثاني أكسيد الكربون من الانبعاثات الناتجة عن المنشآت الصناعية باستخدام مذيبات كيميائية، ثم ضغطه ونقله عبر خطوط أنابيب أو وسائل أخرى، ليتم تخزينه في خزانات جيولوجية تحت الأرض مثل حقول النفط المستنفدة أو الطبقات الملحية.

وفي بعض الحالات، يُستخدم الكربون المحتجز في إنتاج الوقود أو الأسمدة أو مواد البناء، فيما يُعرف بتقنيات «الاستخدام والتخزين» (CCUS)، إلا أن هذه الاستخدامات لا تضمن دائمًا خفضًا دائمًا للانبعاثات.

هل يحتاج العالم إلى تقنيات احتجاز وتخزين الكربون لتحقيق الحياد المناخي؟

تاريخ طويل وانتشار محدود

بدأ استخدام احتجاز الكربون في سبعينيات القرن الماضي، أساسًا لتعزيز استخراج النفط، عبر حقن ثاني أكسيد الكربون في الآبار القديمة. ولا يزال هذا الاستخدام يمثل النسبة الأكبر عالميًا.

وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية، يوجد حاليًا نحو 75 مشروعًا قيد التشغيل حول العالم، بقدرة إجمالية تبلغ 62.5 مليون طن سنويًا من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم ضئيل مقارنة بإجمالي الانبعاثات العالمية.

دور متوقع في الصناعات الثقيلة

تعوّل العديد من الدول على هذه التقنية لتقليل انبعاثات الصناعات التي يصعب خفضها، مثل الأسمنت والصلب، وكذلك في إنتاج «الهيدروجين الأزرق» منخفض الكربون.

لكن خبراء يرون أن الاعتماد المفرط على احتجاز الكربون قد يؤخر التحول الحقيقي نحو الطاقة المتجددة، خاصة في ظل بطء انتشار هذه التكنولوجيا وعدم إثباتها على نطاق واسع حتى الآن.

هل يحتاج العالم إلى تقنيات احتجاز وتخزين الكربون لتحقيق الحياد المناخي؟

ما هي تقنيات احتجاز وتخزين الكربون؟ وكيف تعمل؟

تُعد تقنيات احتجاز وتخزين الكربون (CCS) منظومة متكاملة تهدف إلى منع انبعاثات CO₂ من الوصول إلى الغلاف الجوي. ويمكن تفصيلها علميًا وتقنيًا على النحو التالي:

1. تقنيات الاحتجاز

الاحتجاز بعد الاحتراق (Post-combustion): التقاط CO₂ من غازات العادم باستخدام مذيبات كيميائية.
الاحتجاز قبل الاحتراق (Pre-combustion): تحويل الوقود إلى غاز تخليقي وفصل الكربون قبل الحرق.
الاحتراق بالأكسجين (Oxy-fuel): حرق الوقود في بيئة غنية بالأكسجين لإنتاج غاز عادم عالي التركيز من CO₂.

2. النقل

يتم ضغط الغاز وتحويله إلى حالة شبه سائلة، ثم نقله عبر:

خطوط أنابيب برية أو بحرية
سفن مخصصة لنقل الكربون

3. التخزين الجيولوجي

يُحقن CO₂ في أعماق تصل إلى كيلومترات داخل:

  1. حقول النفط والغاز المستنفدة
  2. التكوينات الملحية العميقة
  3. طبقات الفحم غير القابلة للاستخراج

4. تقنيات الإزالة المباشرة

الاحتجاز المباشر من الهواء (DAC): استخراج CO₂ من الهواء مباشرة
الطاقة الحيوية مع الاحتجاز (BECCS): حرق الكتلة الحيوية مع احتجاز الانبعاثات

صعوبة التخلص الكامل من الانبعاثات

لماذا يُنظر إلى CCS كعنصر حاسم؟

1. معالجة القطاعات “صعبة التخفيض”

بعض الصناعات لا يمكنها التخلص من الانبعاثات بسهولة بسبب طبيعة العمليات الكيميائية نفسها، مثل:

الأسمنت (حيث ينتج CO₂ من التفاعل الكيميائي نفسه)
الحديد والصلب
الطيران والشحن

في هذه الحالات، تُعد CCS أحد الحلول القليلة المتاحة.

2. سد فجوة الكربون

حتى مع التوسع في الطاقة المتجددة، سيبقى جزء من الانبعاثات قائمًا. وهنا تساعد CCS في:

تقليل “الانبعاثات المتبقية”
تحقيق التوازن المطلوب للوصول إلى الصفر

لا يكفي الوصول إلى "صفر انبعاثات"، بل يتطلب الأمر أيضًا إزالة كميات من الكربون
لا يكفي الوصول إلى “صفر انبعاثات”، بل يتطلب الأمر أيضًا إزالة كميات من الكربون

3. تحقيق الانبعاثات السلبية

بعض السيناريوهات المناخية—خاصة تلك التي تحد من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية—تفترض إزالة مليارات الأطنان من CO₂ سنويًا، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون:

تُعدّ تقنيات احتجاز الكربون مكلفة للغاية، سواء من حيث الإنشاء أو التشغيل
تُعدّ تقنيات احتجاز الكربون مكلفة للغاية، سواء من حيث الإنشاء أو التشغيل

الواقع الحالي: فجوة بين الطموح والتنفيذ

رغم الأهمية النظرية، فإن الواقع يكشف:

نحو 70–80 مشروعًا فقط عالميًا
قدرة لا تتجاوز عشرات الملايين من الأطنان سنويًا
مقارنةً بأكثر من 36 مليار طن من الانبعاثات سنويًا

وهذا يعني أن مساهمة CCS الحالية لا تزال محدودة للغاية.

التحديات العميقة التي تواجه التقنية

1. التحدي الاقتصادي

تكاليف مرتفعة (قد تصل إلى 100 دولار أو أكثر لكل طن)
الحاجة إلى دعم حكومي كبير
عدم جدوى اقتصادية في غياب تسعير الكربون

2. التحدي التقني

استهلاك طاقة إضافية (Energy penalty)
تعقيد التشغيل والصيانة
الحاجة إلى بنية تحتية ضخمة

هناك مخاوف من تسرب الكربون المخزّن تحت الأرض

3. المخاطر البيئية

احتمالات تسرب CO₂
تأثيرات على المياه الجوفية
قلق مجتمعي من التخزين تحت الأرض

4. التحدي السياسي والاجتماعي

رفض مجتمعي في بعض الدول
جدل حول دعم الوقود الأحفوري
بطء في التشريعات والتنظيم

قد لا تكون المواقع الجيولوجية كافية لتخزين كل الكربون الناتج عالميًا
قد لا تكون المواقع الجيولوجية كافية لتخزين كل الكربون الناتج عالميًا

الجدل: بين الحل الضروري و”الوهم المناخي”

المؤيدون يرون:

CCS أداة لا غنى عنها
ضرورية للصناعات الثقيلة
مكملة للطاقة المتجددة

يتطلب تحقيق الحياد المناخي استراتيجية شاملة
يتطلب تحقيق الحياد المناخي استراتيجية شاملة

المعارضون يرون:

تُستخدم لإطالة عمر الوقود الأحفوري
تستنزف الموارد المالية
بديل غير فعال مقارنة بالطاقة النظيفة

هل يمكن الاستغناء عن CCS؟

نظريًا، يمكن تصور عالم يعتمد بالكامل على:

الطاقة المتجددة
كفاءة الطاقة
تغييرات سلوكية

لكن عمليًا:

التحول الكامل يحتاج وقتًا طويلًا
بعض الانبعاثات “لا يمكن إلغاؤها”
إزالة الكربون ستظل ضرورية
الخلاصة: ضرورة مشروطة وليست حلًا سحريًا

ن تقنيات احتجاز وتخزين الكربون ليست حلًا سحريًا
تقنيات احتجاز وتخزين الكربون ليست حلًا سحريًا

لا تمثل تقنيات احتجاز وتخزين الكربون حلًا سحريًا لأزمة المناخ، لكنها في الوقت نفسه ليست خيارًا يمكن تجاهله. فالدلائل العلمية تشير إلى أنها ستكون جزءًا من “مزيج الحلول”، خاصة في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها.

لكن نجاحها يعتمد على:

خفض التكاليف
تطوير التكنولوجيا
وجود سياسات داعمة
عدم استخدامها كبديل عن التحول الحقيقي للطاقة النظيفة

بعبارة أخرى: العالم قد لا يحتاج إلى CCS في كل شيء، لكنه على الأرجح يحتاج إليها في بعض الأشياء—وهذا ما يجعلها أداة ضرورية، ولكن بشروط واضحة ودور محدد ضمن استراتيجية شاملة لمواجهة تغير المناخ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة