علم النفس يفسر لماذا لا نشعر بخطر المناخ رغم آثاره المتزايدة
لماذا يعتقد معظم الناس أن مخاطر تغير المناخ ستصيب الآخرين أولًا؟
كيف يقود التفاؤل الزائف إلى تجاهل المخاطر المناخية الشخصية؟
يرى معظم الناس أن تغير المناخ سيؤذي الآخرين قبل أن يصل إليهم، حتى في المناطق التي بدأت بالفعل تشهد آثاره المباشرة.
ويكشف تحليل عالمي جديد كيف يمكن لهذا الاعتقاد أن يبطئ بهدوء جهود الاستعداد للمخاطر، وكذلك السياسات الرامية إلى خفض الانبعاثات.
حلل الباحثون 83 دراسة و60 مجموعة بيانات من 17 دولة. ومن خلال دمج نتائج الاستطلاعات، قلّل الفريق من احتمالات أن تهيمن تجربة دولة واحدة أو موسم مناخي استثنائي على النتائج.
قاد الدراسة ماجنوس بيرجكويست، المحاضر الأول في علم النفس بجامعة جوتنبرج، والمتخصص في علم النفس البيئي، والذي يركز على كيفية تأثير الأحكام اليومية للمخاطر في استجابات المجتمعات لتغير المناخ.

مخاطر المناخ تبدو بعيدة
اعتمد الباحثون على أسئلة تقيس تصور المخاطر المستقبلية، مرة على المستوى الشخصي، ومرة على مستوى الآخرين. وأظهرت نتائج التحليل أن المشاركين قيّموا المخاطر التي تهددهم شخصيًا على أنها أقل من تلك التي تهدد الآخرين.
وعند حساب المتوسطات، جاءت درجات المخاطر الشخصية أقل من درجات مخاطر الآخرين في جميع مجموعات البيانات تقريبًا، باستثناء حالتين فقط.
وبما أن تغير المناخ يتطور على مدى سنوات، فإن هذا التقليل من المخاطر الشخصية يمكن أن يضعف التخطيط في المنازل والمدن وحتى على مستوى الحكومات.

لماذا تخطئ المقارنات؟
تشوهت تقديرات المخاطر بشكل أكبر عندما قارن الناس أنفسهم بمجموعات عامة وواسعة مثل «المواطنين» أو «البشرية جمعاء». فالمقارنة الغامضة تسمح بتخيل فئات عالية الخطورة، بينما يبدو الوضع الشخصي أكثر تحديدًا وقابلية للإدارة.
وأظهرت النتائج المجمعة أن الفجوة تقل عندما يكون الطرف المقارن أقرب، مثل الجيران أو أفراد المجتمع المحلي، بدلًا من جمهور مجهول.
متى تكون الأحكام أكثر واقعية؟
تباينت الفجوة أيضًا باختلاف المناطق الجغرافية. فقد أظهرت عينات من أوروبا أكبر تفاوت بين إدراك المخاطر الشخصية ومخاطر الآخرين، في حين كانت الفجوة أصغر في آسيا وأوقيانوسيا.
وسجلت عينات من المزارعين في الصين وكوريا الجنوبية نتائج معاكسة، ما يشير إلى أن التعرض المباشر للمخاطر المناخية قد يجعل التقديرات أكثر واقعية.

جذور التحيز النفسي
يربط علماء النفس هذا النمط بما يُعرف بالاختصارات الذهنية، وهي آليات عقلية سريعة يستخدمها الإنسان عندما تكون المعلومات ناقصة أو معقدة.
يعرف الناس تفاصيل منازلهم وروتينهم ومواردهم، فيفترضون أن هذه العوامل تحميهم من أضرار المناخ، بينما يتحول «الآخرون» إلى صورة ضبابية يسهل تحميلها مخاطر أكبر.
تأثير الإدراك على العمل المناخي
عندما يشعر الأفراد بأنهم محميون شخصيًا، فإنهم يميلون إلى تأجيل إجراءات التكيف مع المناخ، مثل حماية المنازل أو تغيير أنماط الاستهلاك.
كما يؤدي انخفاض إدراك المخاطر الشخصية إلى تراجع الحافز على دعم سياسات خفض الانبعاثات.
وقال بيرجكويست: «حتى عندما يدرك الناس المخاطر الحقيقية لتغير المناخ، فإن كثيرين منهم يرون أنها تؤثر في الآخرين أكثر مما تؤثر فيهم».

جعل المخاطر ملموسة
تشير الدراسة إلى أن التواصل يكون أكثر فاعلية عندما يربط المخاطر بأماكن محددة وأشخاص معروفين، بدلًا من الحديث عن متوسطات عالمية عامة.
وأظهرت تجربة ميدانية في أستراليا أن إضافة إشارات محلية في رسائل الاستعداد المناخي زادت من تفاعل أصحاب المنازل.
حدود الدراسة وآفاق البحث
لم تقِس معظم الدراسات مدى تطابق إدراك الأفراد للمخاطر مع مستوى تعرضهم الفعلي لها في مناطقهم. ويؤكد الباحثون أن دمج التصورات النفسية مع خرائط المخاطر المحلية قد يساعد مستقبلًا في التمييز بين التفاؤل الصحي والتفاؤل الخطير.
وخلصت الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر للاستدامة»، إلى أن هذا الإدراك الخاطئ يفسر سبب دعم كثيرين للعمل المناخي، مع استمرارهم في التعامل مع أضراره باعتبارها مشكلة تخص الآخرين.





