منظمة الصحة العالمية تحذر: البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية تتوسع عالميًا
تحذير طبي عالمي: الأدوية تفقد قوتها… أزمة صامتة تهدد مستقبل علاج العدوى
تحذر منظمة الصحة العالمية من أن نسبة كبيرة من العدوى الشائعة حول العالم لم تعد تستجيب للمضادات الحيوية، في مؤشر مقلق على تزايد ظاهرة مقاومة الميكروبات للأدوية، والتي تهدد أحد أهم إنجازات الطب الحديث.
فالمضادات الحيوية التي غيرت مسار الطب الحديث، وجعلت العمليات الجراحية وعلاج السرطان ورعاية الأطفال الخدج أكثر أمانًا، تواجه اليوم تراجعًا في فعاليتها، مع تطور سريع للبكتيريا والفطريات المقاومة للعلاج.
وتشير مراجعة علمية عالمية حديثة، أعدها باحثون من جامعة جيلين ومستشفى بكين الطبي، إلى أن مقاومة مضادات الميكروبات لم تعد خطرًا مستقبليًا، بل واقعًا يتوسع بشكل متسارع، ويختلف من منطقة إلى أخرى بحسب أنظمة الصحة والسياسات الدوائية.
معدلات المقاومة في بعض البكتيريا وصلت لأكثر من 70%
وتظهر البيانات، أن بعض أنواع البكتيريا مثل الإشريكية القولونية والكليبسيلا أصبحت شائعة في أجزاء من آسيا، حيث تطورت قدرتها على إنتاج إنزيمات تكسر المضادات الحيوية التقليدية، بينما تسجل أوروبا والأمريكتان ارتفاعًا متزايدًا في مقاومة أنواع من المضادات القوية التي تُعد خط الدفاع الأخير.
وفي وحدات العناية المركزة، وصلت معدلات المقاومة في بعض البكتيريا مثل “أسينيتوباكتر بوماني” و”بسودوموناس أيروجينوزا” إلى أكثر من 70% في بعض المناطق، ما يعقد علاج الحالات الحرجة.
وفي المقابل، تسجل بعض دول شمال أوروبا معدلات منخفضة جدًا من المقاومة، بفضل سياسات صارمة في وصف المضادات، وأنظمة قوية لمكافحة العدوى والمراقبة الصحية.
ولا يقتصر التهديد على البكتيريا فقط، إذ تشير الدراسة إلى أن الفطريات أيضًا دخلت في هذه الأزمة، مثل فطر “كانديدا أوريس” الذي ينتشر في المستشفيات ويقاوم عدة أنواع من مضادات الفطريات، إضافة إلى فطر “أسبرجيلوس فيوميغاتوس” الذي طور مقاومة نتيجة استخدام مبيدات زراعية مشابهة للمركبات الطبية.
وتوضح الدراسة أن مقاومة المضادات الحيوية تنتقل عبر آليات متعددة، تشمل إنزيمات تدمر الدواء، ومضخات خلوية تطرده من داخل البكتيريا، وطفرات جينية تغيّر أهداف الدواء، إضافة إلى انتقال الجينات المقاومة بين الكائنات الدقيقة عبر البيئة والمياه والإنسان والحيوان.

الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية
وتؤكد النتائج، أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية، خاصة واسعة الطيف، ساهم بشكل كبير في تفاقم المشكلة، في حين أن الاستخدام الدقيق والموجه للعلاج يمكن أن يحد من انتشار المقاومة.
كما تلعب السياسات الصحية دورًا حاسمًا، إذ ترتبط معدلات المقاومة بانضباط وصف المضادات، ووجود برامج صارمة لمكافحة العدوى داخل المستشفيات، ونظم مراقبة فعالة.
وتشدد الدراسة على أن الاستخدام المكثف للمضادات في الزراعة وتربية الحيوانات يسهم أيضًا في تفاقم الأزمة، حيث تنتقل الجينات المقاومة عبر البيئة إلى البشر، ما يجعل المشكلة متعددة الأبعاد.
وفي ظل هذا الوضع، يدعو الباحثون إلى تطوير أدوية جديدة، إلى جانب تعزيز أدوات التشخيص السريع، واستخدام تقنيات تحليل الجينوم لتحديد نوع العدوى بدقة قبل وصف العلاج.
كما يشير الخبراء إلى أهمية رفع الوعي المجتمعي، وتجنب الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية، باعتبارها موردًا طبيًا محدودًا يجب الحفاظ عليه.
وتخلص الدراسة إلى أن مقاومة المضادات الحيوية تمثل “جائحة بطيئة الحركة”، يمكن احتواؤها عبر تعاون دولي شامل يجمع بين الطب والزراعة والبيئة، لضمان عدم العودة إلى عصر تصبح فيه العدوى البسيطة مهددة للحياة.





