علماء يدقون ناقوس الخطر بشأن تعدين العقيدات المعدنية في أعماق البحار
بعد 50 عامًا من التجارب.. علماء يشككون في تعافي النظم البيئية المتضررة من التعدين البحري
حذّرت مراجعة علمية جديدة من أن عمليات التعدين في أعماق البحار قد تُخلّف أضرارًا طويلة الأمد للحياة البحرية، رغم أن بعض الدراسات السابقة أشارت إلى تعافي أعداد الكائنات الحية في المناطق المتأثرة بعد مرور عقود على التجارب الأولية.
وتُظهر المراجعة، التي جمعت أكثر من 50 عامًا من الأدلة العلمية، أن الصورة أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا، وأن بعض البيئات البحرية العميقة قد لا تشهد تعافيًا حقيقيًا بعد عمليات التعدين.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية “كارنت بيولوجي” (Current Biology).
التعدين عبر بيئات بحرية مختلفة
لا تستهدف خطط التعدين في أعماق البحار منطقة واحدة فقط، بل تمتد إلى ثلاثة أنواع مختلفة من البيئات البحرية، لكل منها خصائص جيولوجية وكائنات حية مميزة.
وتشمل البيئة الأولى السهول السحيقة، وهي مساحات شاسعة ومسطحة مغطاة بالرواسب وتقع على أعماق تتراوح بين 3.2 و4.8 كيلومترات تحت سطح البحر. وتنتشر في هذه المناطق عقيدات متعددة المعادن، وهي كتل معدنية بحجم حبة البطاطس تشكلت على مدى ملايين السنين.
أما البيئة الثانية فتتمثل في الفتحات الحرارية المائية، وهي مداخن بحرية تقذف مياهًا ساخنة غنية بالمعادن على امتداد سلاسل الجبال وسط المحيطات. وتعيش حولها مجتمعات كثيفة من الديدان الأنبوبية وسرطانات البحر والقواقع التي تعتمد على التفاعلات الكيميائية بدلًا من ضوء الشمس.
وتتمثل البيئة الثالثة في الجبال البحرية، وهي جبال ترتفع من أعماق المحيط دون أن تخترق سطح الماء، وتغطي منحدراتها قشور غنية بالكوبالت تراكمت عبر العصور الجيولوجية.

خمسة عقود من التجارب
قاد الدراسة البروفيسور أدريان جلوفر من المتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي، بالتعاون مع علماء من المركز الوطني البريطاني لعلوم المحيطات.
وأمضى الباحثون عامين في مراجعة أكثر من 200 تقرير ودراسة منشورة وغير منشورة، بهدف تحديد الكائنات التي تعيش في هذه البيئات قبل بدء التعدين، ومعرفة كيفية تأثرها بالتجارب والاضطرابات الناتجة عن عمليات التعدين التجريبية.
وأشار جلوفر إلى أن غياب مراجعة شاملة لهذا الكم من البيانات كان أمرًا مفاجئًا، خاصة أن تجارب التعدين بدأت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي واستمرت لعقود.

فجوة كبيرة في معرفة التنوع البيولوجي
لا يزال العلماء يفتقرون إلى معرفة أساسية بشأن الكائنات التي تعيش في هذه المناطق العميقة، وتُعد منطقة كلاريون-كليبرتون في المحيط الهادئ، الغنية بالعقيدات المعدنية، أكثر مناطق التعدين البحري دراسةً. وتمتد هذه المنطقة على مساحة تقارب مساحة أوروبا.
وتشير إحدى الدراسات إلى أن عدد الأنواع الحية فيها يتراوح بين 6 آلاف و8 آلاف نوع، إلا أن العلماء لم يتمكنوا حتى الآن من وصف سوى 436 نوعًا فقط، ما يعني أن غالبية الكائنات الموجودة هناك لا تزال مجهولة علميًا.
ويجعل ذلك تقييم مخاطر التعدين أكثر صعوبة، إذ لا يمكن تصنيف نوع ما على أنه مهدد بالانقراض إذا لم يكن العلماء قد اكتشفوه أو وصفوه بعد.

التعافي قد يستغرق عقودًا
توفر تجارب التعدين التجريبية التي أُجريت منذ سبعينيات القرن الماضي أوضح صورة متاحة حول التأثيرات البيئية للتعدين.
وتُظهر جميع التجارب نمطًا متشابهًا؛ إذ تنخفض كثافة الكائنات البحرية وتنوعها بشكل حاد فور حدوث الاضطراب الناتج عن المعدات المستخدمة في التعدين.
ورغم أن بعض الكائنات الصغيرة والمتحركة والكائنات المجهرية تعود إلى المنطقة خلال أشهر أو عام واحد، فإن دراسة شملت سبعة مواقع في المحيط الهادئ أظهرت أن معظم المجتمعات الحيوية لم تستعد حالتها الطبيعية حتى بعد مرور عقدين كاملين.
كما لا تزال آثار المسارات التي خلفتها التجارب قبل 26 عامًا مرئية بوضوح على قاع البحر، بينما تختلف المجتمعات الحيوية الموجودة فيها عن المناطق المحيطة بها حتى اليوم.
تعافٍ ظاهري وخسائر محتملة
توضح المراجعة، أن مفهوم التعافي لا يقتصر على عودة أعداد الكائنات الحية فحسب، بل يشمل أيضًا عودة التركيبة الأصلية للأنواع.
فقد تستعيد المنطقة أعدادًا مشابهة من الكائنات الحية، لكن الأنواع التي تعيش فيها قد تتغير بشكل دائم.
وتزداد المخاوف في منطقة كلاريون-كليبرتون، حيث لم يُعثر على بعض الأنواع سوى في موقع واحد ومن خلال عينة واحدة فقط. وإذا تعرض ذلك الموقع للتعدين، فقد تختفي هذه الأنواع نهائيًا قبل أن يدرك العلماء وجودها أصلًا.
الفتحات الحرارية والجبال البحرية الأكثر هشاشة
تختلف الصورة تمامًا في الفتحات الحرارية المائية، إذ تعتمد جميع الكائنات التي تعيش هناك على الظروف الكيميائية الخاصة التي توفرها تلك الفتحات.
وفي حال تدمير هذه الفتحات بسبب التعدين، فلن تمتلك الكائنات المرتبطة بها موائل بديلة للانتقال إليها.
كما لا توجد حتى الآن تجارب ميدانية مماثلة لتلك التي أُجريت في مناطق العقيدات المعدنية، ما يعني أن تأثير التعدين على هذه البيئات لا يزال غير معروف إلى حد كبير.
وترى المراجعة أن إحداث اضطرابات واسعة النطاق في الفتحات الحرارية المائية أو الجبال البحرية لا يتوافق مع أهداف حماية التنوع البيولوجي التي التزمت بها معظم دول العالم.
وقال البروفيسور أدريان جلوفر: “لا يمكن أن تكون هذه الأنظمة البيئية أكثر اختلافًا عن بعضها البعض”.
ما الذي تغير الآن؟
توفر هذه المراجعة أساسًا علميًا واضحًا للتعامل مع البيئات الثلاث بصورة مختلفة.
فبينما قد يكون من الممكن إدارة مخاطر التعدين في مناطق العقيدات المعدنية من خلال مزيد من الأبحاث وإنشاء مناطق محمية، تبدو الفتحات الحرارية المائية والجبال البحرية أكثر عرضة لخسائر غير قابلة للتعويض.
ويجري حاليًا تخصيص نحو 30% من منطقة كلاريون-كليبرتون كمناطق محمية ضمن نظام تديره الهيئة الدولية لقاع البحار، إلا أن فعالية هذه المناطق في حماية التنوع البيولوجي لم تُختبر بصورة كافية حتى الآن.
وتخلص الدراسة إلى أن تأثير التعدين في أعماق البحار يعتمد بدرجة كبيرة على الموقع المستهدف، وأن بعض الأضرار قد تكون قابلة للإدارة، بينما قد تؤدي مواقع أخرى إلى خسائر دائمة لا يمكن تعويضها.





