علماء يحذرون: تجاوز حد 1.5 درجة مئوية يحمل “مجهولات” قد تغيّر مستقبل الكوكب
ما بعد 1.5 درجة مئوية.. سيناريوهات الغموض والتحديات القانونية والعلمية أمام كوكب يسخن
المجهولات الكبرى لتجاوز السقف المناخي: ماذا يحدث إذا تخطى العالم 1.5 درجة مئوية؟
في لحظة تاريخية من القلق العلمي، اجتمع نحو 180 عالمًا وخبيرًا قانونيًا في مدينة لاكسنبورج بالنمسا، لحضور أول مؤتمر دولي مكرّس بالكامل لمناقشة أحد أكثر السيناريوهات المناخية إثارة للجدل:
ما الذي سيحدث إذا تجاوزت درجات حرارة الأرض هدف 1.5 درجة مئوية، الذي نص عليه اتفاق باريس، قبل أن تنخفض مجددًا؟
ذلك السيناريو، المعروف اصطلاحًا باسم “التجاوز المناخي” (Overshoot)، يفترض أن البشرية لن تتمكن من الحد من الانبعاثات في الوقت المناسب، وأن الكوكب سيشهد ارتفاعًا مؤقتًا في متوسط الحرارة العالمية يتجاوز الحدود الآمنة، قبل أن تبدأ درجات الحرارة في الانخفاض بفضل استخدام تقنيات إزالة الكربون، أو بفعل التحولات الطبيعية في النظام المناخي.
لكن، ما لا يزال مجهولًا — كما اتفق معظم العلماء في المؤتمر — هو: هل سيكون الانخفاض ممكنًا أصلًا؟ ومتى؟ وبأي كلفة بشرية وبيئية؟
بين الواقع العلمي والرهانات السياسية
منذ تبنّي اتفاق باريس للمناخ عام 2015، ظل سقف 1.5 درجة مئوية يُمثل الخط الأحمر للبقاء، خصوصًا للدول الجزرية الصغيرة والدول النامية المعرضة للكوارث المناخية.
إلا أن التباطؤ في خفض الانبعاثات، وتزايد الكوارث المناخية، وتضارب المصالح السياسية، جعل كثيرًا من العلماء يقرّون اليوم بأن تجاوز هذا السقف بات حتميًا، وأن النقاش يجب أن يتحول من “كيف نمنع التجاوز؟” إلى “كيف سنتعامل معه؟”.

الدكتور جيمس فليتشر، الوزير السابق للتنمية المستدامة في سانت لوسيا، عبّر عن هذا القلق الوجودي قائلًا:
“نعم، سيكون هناك تجاوز. لكن السؤال الجوهري: إلى أي درجة سنصل قبل أن نبدأ في الانخفاض؟ هل ستكون الذروة عند 1.6 أم 1.7 أم 2.1 درجة مئوية؟ بالنسبة لنا في الدول الجزرية، كل عُشر درجة يعني حياةً أو موتًا.”
فليتشر يرى أن تجاوز 1.5 درجة لا يعني مجرد تغير في الأرقام، بل انهيار نظم بيئية بحرية وزراعية، وتآكل سواحل، وتهديد مباشر لوجود مجتمعات كاملة. وكلما طال أمد “التجاوز”، اقترب العالم من نقاط اللاعودة المناخية (Tipping Points) التي يصعب بعدها إعادة التوازن إلى النظام البيئي.
علم المناخ بين “عدم اليقين” و”ضرورة العمل”
تُشير البروفيسور شوبا مهاراج، الباحثة في جامعة فيجي وعضو الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ (IPCC)، إلى أن النقاش حول التجاوز يتسم بـ “افتراضات مريحة وغير واقعية”، أهمها أن العالم سيتمكن لاحقًا من “العودة” إلى الوضع الآمن، وكأن الانخفاض أمر مضمون.
تقول مهاراج:
“العودة من التجاوز ليست حتمية. نحن نعيش في عالم يسوده عدم اليقين، لكننا لا نتصرف على هذا الأساس. خُطط التكيّف في كثير من الدول صُمّمت على أساس ألا تتجاوز الحرارة 1.5 درجة، وهذا الافتراض سقط بالفعل. الآن علينا إعادة صياغة تلك الخطط من الصفر، خصوصًا في المناطق الفقيرة التي لا تمتلك الموارد لتعديل مسارها.”
وتحذر من أن التركيز المفرط على النمذجة والبحوث النظرية يجعل المجتمع العلمي غافلًا عن الفجوة التطبيقية، أي غياب خطط تنفيذية ميدانية قادرة على التعامل مع واقع التجاوز، من بنية تحتية مقاومة للفيضانات، إلى نظم إنذار مبكر، أو آليات تمويل للتعافي بعد الكوارث.

تقنيات إزالة الكربون: أمل أم مغامرة غير محسوبة؟
رئيس الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ السير جيم سكي أكد أن العالم يدخل منطقة علمية مجهولة، إذ “لا نعرف على وجه الدقة كيف سيتفاعل نظام الأرض إذا بدأنا بسحب كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي”.
وأضاف:
“حتى الآن، لم تُختبر تقنيات إزالة الكربون على نطاق واسع. النماذج النظرية تفترض نجاحها، لكنها لا تأخذ في الاعتبار عوامل الاستدامة، أو العدالة، أو المخاطر الجانبية على النظم البيئية والمجتمعات.”
ففي حين تراهن بعض الحكومات على الاحتجاز الصناعي للكربون (CCS) أو إعادة التشجير الواسع النطاق، يرى علماء البيئة أن هذه الوسائل قد تُسبب مشكلات موازية، مثل ضغط جديد على الأراضي الزراعية والمياه، أو نقل العبء المناخي إلى الأجيال القادمة، التي ستُجبر على تنفيذ عمليات الكربون السالبة بشكل مكلف وخطر.

المجهول القانوني: هل التشريعات جاهزة لعالم “التجاوز”؟
البروفيسور لافانيا راجاماني، المتخصصة في القانون البيئي الدولي بجامعة أكسفورد، شددت على أن الجانب القانوني يمثل “المجهول الأكبر”.
تقول:
“أنظمتنا القانونية والحوكمية — الوطنية والإقليمية والدولية — لم تُصمم للتعامل مع عالم يتجاوز الحدود البيئية الآمنة. ليس لدينا أدوات قانونية واضحة لتنظيم استخدام تقنيات الكربون السالبة أو لضمان عدالة توزيع الأعباء والمخاطر بين الدول.”
وتضيف أن غياب إطار قانوني للتعامل مع التجاوز قد يفتح الباب أمام نزاعات مناخية جديدة، بين الدول المتقدمة التي تمتلك التكنولوجيا، والدول النامية التي تتحمل العبء الأكبر من الأضرار.
سؤال العلم والعدالة: هل يمكننا فعلاً خفض الحرارة بعد تجاوزها؟
العالِم نيبوشا ناكيتشينوفيتش عبّر عن شكوكه في قدرة البشرية على إعادة تبريد الكوكب حتى بعد الوصول إلى صافي الصفر.
“قد لا يكون الانخفاض في درجات الحرارة متناظرًا مع الارتفاع. بمعنى آخر، إزالة الكربون قد لا تؤدي إلى نفس وتيرة التبريد التي سبّبتها الانبعاثات في التسخين. نحن نعتمد على آليات لم نختبرها، ونخطط على أمل نجاحها.”
ويؤكد أن أولوية المجتمع الدولي يجب أن تبقى التقليل من الانبعاثات أولًا، قبل التعويل على تقنيات إزالة الكربون كمنقذ نهائي.

مجتمعات على حافة التحمل
في المقابل، يحذر الدكتور كارل فريدريش شلوسنر من أن التجاوز قد يضع المجتمعات البشرية أمام حدودها الاجتماعية والسياسية القصوى، قائلًا:
“ربما يكون الحد الأقصى المقبول للتجاوز أقل من درجتين مئويتين. لأن بعد هذا الحد، ستنهار قدرة المجتمعات على التعاون الدولي، أو حتى على الاستثمار في عكس الاحترار.”
ويرى أن السيناريوهات التي تتحدث عن تجاوز 3 درجات ثم العودة إلى 1.5 هي خيالات سياسية أكثر منها علمية، إذ من الصعب تصور أن عالماً يعاني الجفاف والمجاعات والصراعات سيجد الطاقة والإرادة للعودة إلى الانبعاثات السالبة.
مراقبة التجاوز: تحدٍ علمي طويل الأمد
تُشير الدكتورة آنا بيراني إلى أن رصد التجاوز نفسه يمثل تحديًا علميًا ومنهجيًا:
“متوسط الحرارة العالمية يتقلب طبيعيًا من عام لآخر، لذا من الصعب تحديد متى نكون فعلاً في مرحلة تجاوز، ومتى نبدأ في الانخفاض. النماذج تعرض خطوطًا ناعمة، لكن الواقع أكثر اضطرابًا.”
وهذا يطرح أسئلة جديدة حول كيفية قياس الالتزام المناخي في ظل التجاوز، وكيفية إعلان الأمم المتحدة عن “التعافي المناخي” في المستقبل.
هل ستظل الأرض حليفنا؟
البروفيسور ريتشارد بيتس من مركز هادلي للأرصاد الجوية أبدى قلقه من ضعف مصارف الكربون الطبيعية.
“النماذج تفترض أن الغابات والمحيطات ستستمر في امتصاص الكربون بنفس الكفاءة حتى بعد تجاوز الحرارة، لكن هذا لم يُختبر فعليًا. إذا ضعف هذا الامتصاص، فسنحتاج إلى تقنيات أكثر تكلفة لإزالة الكربون الصناعي.”
ويشير إلى أن تجارب ميدانية مثل مشروع “أمازون FACE” تهدف إلى فهم كيفية تفاعل الغابات الاستوائية مع تركيزات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون، لكن النتائج الأولية تُظهر مؤشرات مقلقة على تراجع كفاءة الامتصاص الطبيعي.
بين الممكن والمستحيل السياسي
البروفيسور هانا دالي من جامعة كورك في إيرلندا لخّصت المعضلة قائلة:
“لدينا نماذج نظرية تُظهر كيف يمكننا العودة إلى الأمان بعد التجاوز. لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الدول تحويل هذه المسارات إلى سياسات واقعية قابلة للاستمرار لعقود؟ التاريخ يقول لا.”
أما الدكتور أندرو كينج من جامعة ملبورن فأكد أن “تحقيق الانبعاثات السالبة سيخلق عالمًا جديدًا تمامًا، بتوزيع مختلف للمخاطر المناخية بين الدول”، محذرًا من أن التفاوت المناخي الإقليمي بعد مرحلة التجاوز سيكون أشد من أي وقت مضى، وقد يعمّق الانقسامات بين الشمال والجنوب.
ختامًا: المستقبل على حافة التجربة الكبرى
يتفق العلماء على أن تجاوز حد 1.5 درجة مئوية لم يعد احتمالًا نظريًا، بل سيناريو وشيك، وأن العالم يدخل مرحلة “التجربة المناخية الكبرى”، التي لم يسبق للبشرية أن مرت بها.
إنها مرحلة يختبر فيها الإنسان حدود قدرته على التكيف، وعدالة أنظمته السياسية، وصدق وعوده البيئية.
فالتجاوز ليس مجرد رقم في تقارير المناخ، بل علامة فارقة في تاريخ الحضارة الإنسانية — اختبارٌ أخلاقي، وعلمي، ووجودي، للكوكب ولنا جميعًا.






This was so insightful. I took notes while reading!