توصل فريق دولي من العلماء إلى إعداد هرم غذائي عالمي جديد يجمع التوصيات الغذائية المشتركة بين عدد من الدول، بهدف توضيح مكونات النظام الغذائي الصحي، مع إبراز اختلافات في تقييم بعض الأطعمة، من بينها اللحوم الحمراء والبروتين والسكريات والحبوب المكررة.
ويضع الهرم الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة في مقدمة الأطعمة التي ينبغي أن تشكل أساس النظام الغذائي، مع إعطاء أهمية للبقوليات والمكسرات والبذور وفول الصويا، والتوصية بتقليل اللحوم الحمراء والمصنعة والمشروبات المحلاة بالسكر والخبز الأبيض.
وقادت العمل كارين ديلا كورتي، عالمة التغذية في جامعة بريجهام يونج الأمريكية، بمشاركة 22 باحثًا من أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا.
وقالت ديلا كورتي إن هناك توافقًا واسعًا في علم التغذية بشأن الأسس الرئيسية للأكل الصحي، رغم ما يسمعه الناس من آراء متباينة حول أفضل الأنظمة الغذائية.
واعتمد الباحثون على مراجعة الدراسات العلمية والإرشادات الغذائية القائمة، ولم يجروا تجربة جديدة لاختبار نظام غذائي بعينه. ويستهدف الهرم الأشخاص الأصحاء عمومًا ممن تبلغ أعمارهم عامين فأكثر.
ما القواسم المشتركة بين الإرشادات الغذائية العالمية؟
قارن الباحثون التوصيات الرسمية الصادرة عن كندا وألمانيا وهولندا والصين وأستراليا ودول الشمال الأوروبي، إلى جانب مراجعة تقرير المستشارين العلميين للإرشادات الغذائية الأمريكية الأحدث، بهدف تحديد المبادئ المشتركة بدلًا من اعتماد توصيات دولة واحدة معيارًا نهائيًا.
وأظهرت المقارنة توافقًا على إعطاء الأولوية للخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة، إلى جانب البقوليات والمكسرات وفول الصويا، مع تفضيل الدهون غير المشبعة على الدهون المشبعة، والحد من اللحوم الحمراء والمصنعة والسكريات المضافة والملح.
واستعان الفريق بنطاقات استهلاك الأطعمة الواردة في تقرير لجنة EAT-Lancet لتحديد النسب التي تشغلها المجموعات الغذائية داخل الهرم، مع مراعاة صحة الإنسان وصحة الكوكب.
وتستند هذه النطاقات إلى نظام غذائي لشخص بالغ يستهلك نحو 2400 سعر حراري يوميًا، ولذلك يعرض الهرم نسبًا تقريبية لمجموعات الطعام، وليس حصصًا ثابتة يجب على الجميع الالتزام بها.
واستندت الورقة العلمية إلى ما يقرب من 300 مصدر منشور، كما أتاحت عرض الهرم في شكل تقليدي قائم أو في صورة مقلوبة، مع احتفاظ الشكلين بالتوصيات الغذائية نفسها.
الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة في مقدمة الهرم
تحتل الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة الجزء الأكبر من الهرم الغذائي الجديد، إلى جانب الحبوب والأطعمة النشوية التقليدية التي يمكن أن تشكل جزءًا من النظام الصحي.
وتأتي البقوليات، مثل الفاصوليا والعدس، والمكسرات والبذور وفول الصويا ضمن المصادر الأساسية المقترحة للبروتين، إلى جانب البطاطس والزيوت النباتية، مثل زيت الزيتون وزيت الكانولا.
ويتيح الهرم تناول ما يصل إلى حصتين يوميًا من الأطعمة الحيوانية تقريبًا، إحداهما من منتجات الألبان، مع تفضيل الزبادي وغيره من المنتجات المخمرة، والأخرى من الأسماك أو الدواجن أو البيض أو اللحوم الحمراء قليلة الدهون.
لكن اللحوم الحمراء تحظى بحصة محدودة للغاية؛ إذ يقترح الهرم تناول نحو نصف أونصة يوميًا، أي ما يعادل قرابة 15 جرامًا، أو حصة واحدة تقريبًا في الأسبوع.
ويستند هذا التوجه إلى نتائج دراسات طويلة الأجل شملت ثلاث مجموعات كبيرة من البالغين في الولايات المتحدة، وسجلت أكثر من 22 ألف حالة جديدة من مرض السكري على مدى تجاوز 30 عامًا.
وأشارت النتائج إلى أن خطر الإصابة بالسكري كان الأقل لدى الأشخاص الذين تناولوا كميات قليلة من اللحوم الحمراء أو لم يتناولوها، بينما ارتبط ارتفاع استهلاكها بزيادة الخطر.
اللحوم الحمراء بين صحة الإنسان والأثر البيئي
يجمع الهرم بين لحوم الأبقار والأغنام والخنازير ضمن فئة واحدة عند تصنيفها وفق الاعتبارات الصحية، لكنه يميز بينها عند تقييم تأثيرها البيئي.
فعلى الرغم من أن اللحوم الثلاثة تنتمي إلى الفئة الغذائية نفسها في هذا التصنيف، فإن لحم الخنزير يسجل عمومًا بصمة بيئية أقل من لحوم الأبقار والأغنام من حيث استخدام الأراضي وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وقال ديفيد جينكينز، الباحث في التغذية بجامعة تورنتو وأحد المشاركين في الدراسة، إن النظام الغذائي ينبغي ألا يراعي صحة الإنسان وحدها، بل صحة الكوكب أيضًا.
ويعكس هذا التوجه محاولة الجمع بين التغذية الصحية والاستدامة البيئية، من خلال تشجيع الخيارات الغذائية التي توفر العناصر اللازمة للجسم مع تقليل الضغوط المرتبطة بإنتاج الغذاء على الموارد الطبيعية والمناخ.
لماذا تظهر المعكرونة ضمن الأطعمة الصحية؟
لا يقتصر الهرم الجديد على التمييز التقليدي بين الحبوب الكاملة والحبوب المكررة، بل يأخذ أيضًا في الاعتبار المؤشر الجلايسيمي، الذي يقيس مدى تأثير الأطعمة المحتوية على الكربوهيدرات في مستويات سكر الدم مقارنةً بغذاء مرجعي.
وقد طوّر فريق جينكينز هذا المؤشر في أبحاث سابقة.
وتوضح الدراسة، أن معكرونة القمح القاسي يمكن أن تحتفظ بمؤشر جلايسيمي منخفض نسبيًا، حتى بعد إزالة النخالة، لأن البنية الداخلية لحبيبات النشا تظل متماسكة إلى حد كبير.
أما طحن الحبوب إلى دقيق ناعم، فيؤدي إلى تكسير هذه البنية، ما يساعد على تفسير سبب رفع الخبز الأبيض وخبز القمح الكامل لمستويات سكر الدم بدرجة أكبر من الحبوب التي تحتفظ ببنيتها الأصلية، وإن كانت الاستجابة تختلف باختلاف نوع الغذاء وطريقة تحضيره.
ويوصي الهرم بأن يأتي نصف الحبوب المستهلكة على الأقل من الحبوب الكاملة، مع إمكانية استكمال النصف الآخر بأطعمة نشوية تقليدية ذات مؤشر جلايسيمي منخفض.
وفي المقابل، يضع الخبز الأبيض في الجزء العلوي من الهرم، إلى جانب الحلويات ورقائق البطاطس، وهو تصنيف لا تتبعه معظم الإرشادات الغذائية الوطنية التي تجمع أنواع الحبوب ضمن فئة واحدة.
وأكدت ديلا كورتي أن النظام الغذائي الصحي لا يجب أن يبدو متماثلًا في جميع أنحاء العالم، موضحة أن معكرونة القمح القاسي وأرز البسمتي والتورتيلا ونودلز الأرز والبرغل وغيرها من الأطعمة التقليدية ذات المؤشر الجلايسيمي المنخفض إلى المتوسط يمكن أن تندرج ضمن نظام غذائي صحي.
السكر والمشروبات المحلاة.. هل تختلف المخاطر باختلاف المصدر؟
تناول الباحثون أيضًا كيفية التعامل مع السكر في النظام الغذائي، مشيرين إلى أن جانبًا كبيرًا من الأدلة التي تستند إليها الحدود الموصى بها لاستهلاك السكر يرتبط بالمشروبات المحلاة.
وتوصي إرشادات غذائية كثيرة بألا تتجاوز السكريات المضافة 10% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية، لكن مؤلفي الدراسة يرون ضرورة التمييز بين مصادر السكر المختلفة بدلًا من التعامل معها جميعًا بالطريقة نفسها.
وسبق أن قادت ديلا كورتي تحليلًا جمع نتائج دراسات طويلة الأجل، ووجد أن كل حصة إضافية من المشروبات المحلاة بالسكر ارتبطت بارتفاع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني بنسبة 25%.
أما عصائر الفاكهة، فقد ارتبطت كل حصة إضافية منها بزيادة الخطر بنسبة 5%، في حين ارتبط إجمالي استهلاك السكر بانخفاض الخطر في التحليل نفسه.
لكن الباحثين لا يفسرون هذه النتيجة باعتبارها دليلًا على أن السكر يقي من السكري، بل يشيرون إلى اختلاف المكونات الغذائية المصاحبة لمصادره؛ فالفاكهة الكاملة والزبادي يوفران الألياف أو البروتين أو عناصر غذائية أخرى، في حين تحتوي المشروبات الغازية المحلاة على السكر مع قيمة غذائية محدودة.
كما حذر الباحثون من أن الدراسات المعتمدة على الاستبيانات الغذائية قد لا تعكس بدقة كمية السكر التي يستهلكها الأشخاص، لأن المشاركين يميلون إلى الإبلاغ عن كميات أقل من استهلاكهم الفعلي.
وقد يؤثر هذا القصور في النتائج، لكن الهرم الجديد يواصل تصنيف المشروبات المحلاة بالسكر ضمن الأطعمة التي ينبغي الحد منها.
جدل حول كمية البروتين التي يحتاج إليها الجسم
من بين أبرز نقاط الاختلاف التي تناولتها الدراسة توصيات البروتين في الإرشادات الغذائية الأمريكية الأحدث.
ويرى مؤلفو الدراسة أن هذه الإرشادات تدعو إلى زيادة استهلاك البروتين بنحو 30% إلى 50%، وقد تصل الزيادة إلى ضعف الاحتياج القياسي، مع التركيز على اللحوم ومنتجات الألبان.
وفي المقابل، يشير الباحثون إلى أن الكمية القياسية البالغة 0.8 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا تكفي معظم البالغين.
وربط تحليل تجميعي واسع بين ارتفاع استهلاك البروتين وانخفاض معدلات الوفاة، لكن هذا الارتباط ظهر بصورة أساسية مع البروتين النباتي.
ومع ذلك، يوضح الباحثون أن زيادة البروتين بدرجة معتدلة قد تساعد كبار السن والأشخاص الذين يسعون إلى خفض أوزانهم على الحفاظ على الكتلة العضلية.
كما أشارت الحسابات التي استند إليها المستشارون الأمريكيون إلى إمكانية استبدال جزء من اللحوم والدواجن والبيض بالفاصوليا والعدس والمكسرات وفول الصويا، بما يرفع مدخول الألياف والفولات والمغنيسيوم وفيتامين E دون ظهور نقص جديد في العناصر الغذائية التي تناولها التحليل.
لكن هذا الاستبدال قد يزيد كمية الحديد المستهلكة في صورة أقل قابلية للامتصاص داخل الجسم، وهو جانب ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم التوازن الغذائي، خاصةً لدى الفئات الأكثر عرضة لنقص الحديد.
لماذا يختلف تصنيف الزبدة عن الزيوت النباتية؟
اختلف مؤلفو الدراسة أيضًا مع الهرم الغذائي الأمريكي بشأن وضع الزبدة وبعض الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة ضمن فئة واحدة مع الزيوت النباتية.
واستندوا إلى تجارب تغذية أظهرت أن استبدال الدهون المشبعة بالدهون غير المشبعة يؤدي إلى انخفاض مستويات الكوليسترول الضار، المعروف اختصارًا باسم LDL، والذي يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
ويعزز هذا الطرح أهمية النظر إلى نوع الدهون المستهلكة، وليس إلى إجمالي كمية الدهون وحدها، عند وضع التوصيات الغذائية.
الهرم الغذائي الجديد له حدود
رغم جمعه التوصيات المشتركة بين عدد من الدول، فإن الهرم الجديد لا يمثل حتى الآن معيارًا عالميًا معتمدًا، بل هو مقترح علمي توصل مؤلفوه إلى صيغته من خلال مراجعة المسودات وتعديلها، دون إجراء تصويت رسمي.
كما أن الإرشادات التي اختيرت للمقارنة لا تمثل جميع مناطق العالم، ولم يختبر الباحثون ما إذا كان عرض التوصيات في صورة هرم غذائي سيؤدي بالفعل إلى تغيير عادات الأكل لدى الجمهور.
وأفصح عدد من الباحثين المشاركين عن ارتباطات مالية بجهات تعمل في قطاعات غذائية ترتبط ببعض الأطعمة التي يوصي بها الهرم.
فقد تلقى باحثان دعمًا بحثيًا من شركة باريلا المنتجة للمعكرونة، بينما تلقى آخرون دعمًا من جهات تعمل على الترويج للمكسرات وفول الصويا والبقوليات.
كما يدير أحد المشاركين خدمة جامعية لاختبار المؤشر الجلايسيمي، في حين ذكر الباحثون أنهم لم يتلقوا تمويلًا لإعداد الورقة العلمية نفسها.
وقالت أنيت بوكن، أستاذة التغذية والصحة العامة بجامعة بادربورن الألمانية والمشاركة في الدراسة، إن معرفة الأطعمة الصحية والرغبة في تناولها لا تكفيان وحدهما عندما تكون هذه الخيارات صعبة أو مرتفعة التكلفة.
وأضافت أن السياسات الغذائية ينبغي أن تدعم الخيارات الصحية من خلال إجراءات تتعلق بتسويق الأغذية، وإمكانية الحصول عليها، وأسعارها.
ويعتزم الباحثون تطوير نسخ محلية من الهرم تراعي الأطعمة الأساسية والعادات الغذائية في كل منطقة، بما يتيح تقديم توصيات أكثر ملاءمة للاختلافات الثقافية والاقتصادية.
ونُشرت الدراسة في مجلة Advances in Nutrition، لتقدم إطارًا مقترحًا يجمع بين الأدلة الغذائية والاعتبارات البيئية، مع التأكيد على أن تطبيق التوصيات يحتاج إلى مراعاة احتياجات الأفراد وظروفهم الصحية وقدرتهم على الوصول إلى الغذاء الصحي.
