وجهات نظر

د.عاطف معتمد: سيناء.. الوطني والإمبريالي!

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

أمامي أربعة كتب عن سيناء، بخط علماء من زمن العصر الإمبريالي مطلع القرن العشرين.

الكتاب الأول شهير ومعروف لكثير من القراء وعنوانه “تاريخ سيناء والعرب” لمؤلف من أصل لبناني اسمه نعوم شقير، كان يعمل في خدمة الاستخبارات البريطانية على مصر، يسميه الباحثون المهذبون موظفا حكوميا كبيرا، ويسميه بعض النقاد “جاسوسا للاستعمار” .

كتاب نعوم شقير صيغ بلغة عربية راقية، وبه كم وافر من المعلومات عن سيناء: أرضها وقبائلها. والعنوان الذي اختاره “تاريخ سيناء والعرب” لا يقصد به العرب بمعناه الذي نقوله اليوم عن الدول العربية المحيطة بسيناء ، فكلمة العرب في ذلك الوقت لم تكن تعني في المنظور الإمبريالي سوى “البدو”.

الكتاب الثاني لعالم بريطاني شهير اسمه جورج ولش مري، وضع مؤلفا بعنوان “بنو إسماعيل…القبائل البدوية في الصحاري المصرية”. وقدم عمله هذا بعد 25 سنة من الخبرة الميدانية. هذا الكتاب نقلته للعربية مع زميلي د. ياسر معوض، لصالح المركز القومي للترجمة وسيدخل مراحل التجهيز والتحرير والطباعة في الفترة المقبلة.

“بنو إسماعيل” مصطلح يعني أيضا العرب البدو من سكان سيناء، في تمييز بين بني إسحاق (اليهود) وبني إسماعيل (العرب). الكتاب مرجع رائع عن الأنثروبولوجيا الثقافية للحياة في سيناء وتصنيف قبائلها وعلاقتها بالسلطات الاستعمارية.

الكتاب الثالث وضعه حكمدار سيناء “جارفيس بك” وأعطاه عنوان “أمس واليوم في سيناء” . وهو بحث طريف خفيف وشيق في نفس الوقت، ومكتوب بإنجليزية رشيقة، وفيه تأثر كبير بأسفار العهد القديم وربط سيناء بخروج بني إسرائيل، لكن مع عمل ميداني مكثف نظرا لما تمتع به المؤلف من سلطات عسكرية سهلت له التوغل في كافة التفاصيل البشرية والقانونية في أرض سيناء.

أما الكتاب الرابع فلعالم الجغرافيا والجيولوجيا الشهير في الربع الأول من القرن العشرين “جون بول” ويتناول البيئة الطبيعية في غرب سيناء.

وجون بول كما كتبت عنه من قبل هو أهم جغرافي في مصر في القرن العشرين، لقد قدم لمصر بحوثا جغرافية على مدار 40 سنة أمضاها متنقلا بين الصحروات الثلاث: الغربية والشرقية وسيناء، ولا يضارعه في ذلك أي جغرافي مولود من أم مصرية.

وأقصد هنا ان هذا الجغرافي الإمبريالي كان يقدم أعمالا أصيلة ألفها بنفسه من رفع ميداني وليس من قراءة في فلسفة الجغرافيا من غرفة مغلقة.

وكما نرى فإن الكتب الأربعة هي لمشروعات إمبريالية، صال وجال أصحابها في سيناء من الشمال للجنوب ومن الشرق للغرب وعاشوا بين القبائل بل إن بعضهم اصطحب معه زوجته لتدخل خيام نساء البدو وتتعرف عليهم.

واستمر التأثير العلمي لهذه الكتب حتى انتهاء الاستعمار وبداية العهد الجمهوري.

بعد يوليو 1952 سرعان ما وقعت مصر في أزمة العدوان الثلاثي في 1956، وذاقت إسرائيل حلاوة سيناء ورأت أن الفرصة مواتية لاحتلالها في أقرب وقت وهو ما حدث في عام 1967 بعد عقد واحد من الزمن.

ورغم أننا حررنا قطاعا من غرب سيناء في حرب اكتوبر عام 1973 إلا أن استرداد سيناء كاملة لم يتم إلا في نهاية الثمانينيات.

وخلال فترة الاحتلال الصهيوني لسيناء أضيفت عشرات الأبحاث والكتب عن جغرافية وجيولوجية سيناء بأقلام جغرافيين إسرائيليين.

أذكر أنني في عام 2012 كنت أجري بحثا عن منطقة غرب سيناء والتقيت أحد شيوخ البدو ليكون لي دليلا واستأجرت منه سيارته التويوتا التي تعرف دروب الجبال والوديان.

وأراد الشيخ أن يختبرني في بعض المعلومات عن عيون المياه في وادي وردان وجبل الراحة. وحينما أجبته بما أعرف قال لي :
“جميل والله… بس الإسرائيلي يعرف اكتر منك !”

وأخذ يشرح لي كيف أن علماء الأرض الصهاينة خلال إحتلالهم سيناء كانوا يأتون لهذه المنطقة ويرفعون خرائط تفصيلية بتفاصيل ليست متوفرة في البحث الذي أقوم به عن نفس المنطقة وبمعلومات يبدو أنني لا أعرفها إلا بقدر طفيف نتيجة رحلتي القصيرة التي لم تزد عن أسبوعين.

كان من المفترض – بعد أن عادت السيادة الكاملة لمصر على سيناء- أن يشهد عقد تسعينيات القرن العشرين طفرة كبيرة في الاهتمام العلمي بسيناء، وكان من المفترض أن تشهد الألفية الجديدة زخما عمليا في تأسيس العلم “الوطني” وليس العلم “الإمبريالي”.

لكن لأسباب عدة لم يحدث ذلك، وليس بين يدينا أعمالا علمية موسوعية عن سيناء تقوم على أسس ميدانية كالتي قدمها الإمبرياليون في مطلع القرن العشرين.

لا أنصح بأن تطلب الدولة من الجمعية الجغرافية المصرية أن تقوم بمثل هذه الأعمال، فالجمعية الجغرافية حاليا ليست لديها أية مؤهلات علمية للقيام بذلك، فقد صارت مكانا طقوسيا احتفاليا لا علاقة لها بإنتاج البحث العلمي.

كما لا أنصح بأن تكلف الدولة أقسام الجغرافيا في الجامعات المصرية بعمل مشروعات علمية عن سيناء، فهذه الأقسام – مع سعي الأساتذة إلى توفير مصدر للدخل يواجه تكاليف المعيشة – تحولت إلى أقسام لتدريس الكتاب الجامعي والقيام بأعمال تشبه كليات التربية لتخريج مدرسين، والبعض منها تخصص في تخريج فنيين في الأجهزة المساحية يفتخر بأنه يحمل جهاز رفع مساحي بينما هو لا يعرف من الجغرافيا الحقيقية إلا القشور.

الحل الوحيد الذي أراه فاعلا أن تؤسس الدولة مركزا وطنيا لعلوم الأرض في سيناء يكون له ثلاثة فروع:

  • فرع العريش في الشمال
  • فرع نِخِل في الوسط
  • فرع كاترين في الجنوب

ويتم اختيار أفضل خمسين باحثا وعالما في تخصصات علوم الأرض لينتقلوا بكامل حياتهم وأسرهم ومستقبلهم إلى تلك المواقع الثلاثة.

يجب أن يحصل هؤلاء على رواتب كريمة تجعلهم لا يفكرون في شيء إلا في البحث العلمي.

ويجب أن تكون أغلبية هؤلاء الباحثين في الفئة العمرية من 25 إلى 40 سنة، ولا يمارسون أية أعمال تدريسية بل يتنقلون بسيارات مجهزة إلى كل شبر في سيناء ويرسمون خرائط ويؤلفون بحوثا ويكتشفون صخورا ومعادن وخامات ومصادر للمياه.

لا بأس أن يكون هنا بضع أساتذة مخضرمين في التخطيط والإشراف والإدارة العلمية لمن تجاوز عمره الخمسين أو الستين، بشرط أن يكون مهموما بالبحث العلمي لا بالمنظرة والسلطة.

ويتولى هؤلاء تأسيس جامعة لعلوم الأرض تأخذ على عاتقها توفير البحوث والكتب والدراسات من أجل تعمير سيناء وتنميتها على المدى البعيد.

خطوة تأخرت ثلاثين سنة، لكن كما يقول المثل “أن تصل متأخرا خير من أن تغيب تماما”.

نقلا عن صفحة د. عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading