وجهات نظر

د. عاطف معتمد: عود أخضر!

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

في عامين متتابعين زرت بعضا من أهل القبائل في الصحراء، كانت المرة الأولى في بلدة تسمى الخروبة، غير بعيد عن مرسى مطروح.

لاحظت مع رخاء عيش السكان قلة الحركة وزيادة الوزن وهو ما لا يتفق مع الشهرة التاريخية عن رشاقة الإنسان في بيئة الصحراء الساحلية.

وفي رحلة أخرى إلى بعض عرب جنوب سيناء كانت الملاحظة واضحة أيضا في تلك البلدات القريبة من مدن السياحة والاستقرار مقارنة بمناطق وأقاليم الندرة في وسط سيناء الفقير الذي لا يرغبه أحد.

وعند المعازة والعبابدة في الصحراء الشرقية كانت المقارنة جد واضحة بين من لديهم سيارة “تويوتا” مريحة ويعملون في السياحة أو حراسة آبار البترول ومحطات الطاقة الشمسية، ومن يعيشون على الإبل وشظف العيش في عمق الوديان.

وكل هؤلاء أفضل حالا من البجا في أقصى الطرف الجنوبي عند حلايب وشلاتين.

تذكرت هذه الملاحظات وأنا أراجع الكتاب الذي دونه الجغرافي الاستعماري قبل قرن من الزمن.

كان الرجل يوظف عددا من البدو في رحلاته التي امتدت ربع قرن في الأراضي المصرية للعمل في قسم مسوح الصحاري.
وهنا ينقل لنا رأي البدو في بعضهم بعضا.

ففي عام 1920 كان برفقته دليل صحراوي من سيناء، سافر للعمل معه في الصحراء الغربية عند أولاد علي.

أعرب له هذا السيناوي أن أولاد عليبدو خضر“.

يفسر الرجل المعنى بأن أعوادهم “خضراء” مقارنة بحياة البدو “اليابسة” القاسية في صحراء سيناء القحة.

الحقيقة أن الملاحظة ذات علاقة بالبيئة أيضا، فساحل مريوط وشمال الصحراء الغربية – حيث يعيش أولاد علي – ليس صحراء بالمعنى الكامل للكلمة. فهذه المنطقة تتلقى كميات مطر توفر زراعة “بعلية”.

الزراعة البعلية هي تلك القائمة على المطر، وفيها دلالة على معنى “البعل” أي “الرب”. وحين يقال في القرآن الكريم وهذا “بعلي شيخا” أي أن هذا الزوج هو رب الأسرة.

وفي الريف المصري كانت المرأة المنتحبة على وفاة زوجها تنادي عليه بعد الفراق “يا بعلي” ..فقد رحل رب الأسرة !

على الزراعة البعلية (المطرية – السماوية – من عند الرب) قامت حياة تستند إلى الشعير والتين والزيتون وصهاريح المياه الطبيعية المنقورة في الأرض، وبالتالي فإن حياة البداوة هنا لم تعد حياة بدوية بالمعنى الكامل.

ولهذه الأسباب ذهب البدوي السيناوي في عام 1920 إلى وصف أولاد علي بأنهم بدو خضر.

هل تتخيل حياة الاستقرار اليوم في عام 2024؟

إن الاستقرار والتمدن قدم للقبيلة حياة ناعمة آمنة وفيرة مطمئنة

لكنه سلب منها حريتها ورشاقتها وقوة تحملها !

وهذه أهم معضلة تواجهها القبيلة الصحراوية منذ آلاف السنين!

وليس من مصلحة الوطن الأكبر – ولا من مصلحة الجماعات البشرية المتنوعة – ان يتم تذويب الكل في نسيج واحد متشابه، فقوة الأوطان في النعمة العظيمة التي عرفتها الدول المتقدمة والتي تقوم على “الوحدة مع التنوع” أو قل “الوحدة في التنوع”.

وهذا مخالف لعقلية بعض الناس في إقليمنا العربي المسكين الذين لابد له أن يصحح عقيدة تذويب الكل في واحد، وضم الجميع في حياة واحدة متشابهة ومستنسخة.

نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading