وجهات نظر

د.عاطف معتمد: الجريمة المقدسة.. عتبات النص السياسي!

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

أهدتني أمس طالبتي في الماجستير كتابا استوقفها في منفذ بيع كتب وظنت أنه سيعجبني، يحمل الكتاب عنوان “الجريمة المقدسة”، تجدون غلافه في أسفل المقال .

يتناول الكتاب الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.

وهو في الحقيقة بحث مكثف أكثر منه كتابا بالمعنى التقليدي.

تعلمت من خبرة القراءة في السنوات الماضية، أن أتطلع أولا إلى معلومات ثانوية قبل الولوج للكتاب.

أهم هذه المعلومات هوية أو جنسية المؤلف، الدولة التي يعيش فيها، دار النشر، والدولة التي تقع فيها دار النشر، وتاريخ إصدار الكتاب.

وقد أطلق علماء النقد على مثل هذه المعلومات البديهية مصطلحا رنانا أسموه “عتبات النص” والذي يشمل أيضا تصميم الغلاف والكلمة التعريفية وبعض الآراء النقدية التي كتبت عن الكتاب من قبل.

في كتاب “الجريمة المقدسة” تبين لي أن المؤلف يعمل أستاذا في الأردن حيث يعيش عدد كبير من الفلسطينيين، وأن دار النشر هي مركز مشهور في الدوحة، وأن الكتاب صدر في عام 2012.

هذه المعلومات مهمة للغاية لأنها تبين لقارئ مثلي يعيش في مصر ما يلي:

– أن المؤلف سيتجاوز خطوط الرقابة المفروضة على سوق النشر.

– أن هناك اتساقا واضحا بين دار النشر وبلد النشر وجنسية المؤلف من ناحية ومحتوى الموضوع محل الدراسة من ناحية أخرى.

أن عام 2012 ليس كعام 2024.

يتناول الكتاب في مقدمته الإطار النظري لمفهوم الإبادة الجامعية ، ويشرح للقارئ النظريات العالمية التي تعرض أشكالا غير مشهورة من الإبادة في مقدمتها “إبادة الذاكرة” أو محو ذاكرة الشعب المعرض للاضطهاد، علاوة على الترحيل من موطنه إلى أرض أخرى، فكل هذه أشكال مختلفة من الإبادة الجماعية التي لا تتوقف على المظهر الشهير بالقتل الجماعي للسكان.

يتناول المؤلف أيضا “التطهير العرقي” باعتباره مسألة مبدأ في السلوك العنصري القائم على عقيدة “لا يمكن تأسيس بناء جديد إلا بعد الهدم والمحو والتطهير” !

المؤلف طبعا يفرق بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كحركة قومية استعمارية، وبالتالي يقدم في كتابه – في الفصول من الثاني إلى الثامن – كيفية تحويل النصوص “المقدسة” في أسفار العهد القديم إلى مصدر سياسي معاصر لمحو وإبادة الشعوب الأخرى في فلسطين.

نعود إلى موضوع “عتبات النص” وأتذكر موقفا طريفا حصل قبل عدة سنوات حين كنت أجهز ورقة عن “الجغرافيا في قصص يوسف إدريس”، وهو بحث لم يتحول إلى صيغة مكتوبة بعد أن اكتفيت بإلقاء محاضرة عنه في دار الأوبرا المصرية قبل 5 سنوات.

خلال جمعي مراجع عن البحث طلبت من أحد الباحثين المساعدين شراء بعض الكتب القديمة التي تحمل اسم يوسف إدريس.

ذهب الشاب الكريم إلى سور الأزبكية وجاءني بكتاب ألفه يوسف إدريس ليشن فيه هجوما لاذعا على أنور السادات.

كان الشاب معجبا بشجاعة وجرأة يوسف إدريس في شن هذا الهجوم الناري على السادات، وسألني: كيف سمحت له مصر بنشر هذا الكتاب ؟

قلت له: دعنا ننظر إلىمكان النشر” ….فإذا بهبيروت“.

في وقت من الأوقات كانت هناك تباينات إقليمية في توجهات النشر في العالم العربي، ما تروجه العراق غير ما تنشره لبنان، غير ما تكتبه مصر أو دول الخليج، وبقي المغرب العربي حالة خاصة في موضوعاته ومناهجه التي تفوق بها على المشرق العربي في عمق الإطار النظري لكنه لم يلق رواجا في المشرق العربي بسبب مسألة غموض التحليل التطبيقي (والمشرقي براجماتي لا يحب الإطار النظري كثيرا)

نحن الآن في 2024، لدينا مخاطر كبرى على النشر العربي، وهي مخاطر بالعشرات، وسأحدد منها ما يقلقني في أهم ثلاثة أخطار :

– توحيد سياسات النشر في المشرق العربي ضمن خطوط حمراء للرقابة على النشر بما لا يغضب إسرائيل، ويتحكم في الأمر هنا معارض الكتاب وميزانيات التمويل ومكافآت وجوائز النشر.

إغراق العالم العربي بالروايات ورفض الكتب الفكرية والعلمية.

– مقتل النقد العربي، فلم نعد نعرف الفرق بين الترجمة الآلية والترجمة البشرية، ولم نعد نعرف الفرق بين الكتاب الذي أنفق صاحبه فيه عمرا والكتاب الذي كتبه صاحبه في خمسة أشهر فوقف كتفا إلى كتف مع الكتب العظيمة بعد أن تمكن مصممو الأعلفة الإليكترونية من تصميم أغلفة مبهرة تخطف الأبصار وتزغلل العيون.

الثقافة العربية عرضة لهندسة ماكرة تريد “قتل الذاكرة” …وكما عرفنا في السطور الأولى من هذا المقال فإن قتل الذاكرة هو أحد أشكال “الإبادة الجماعية”.

الجريمة المقدسة

نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading