د.عاطف معتمد: رايثو.. رحلة الأقدام والأقلام (2 من 3)
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
في مارس 2013 زرت موقعا جغرافيا متفردا لا شبيه له في جغرافية مصر.
في الصورة المرفقة نحو 10 نخلات باسقات.
من إجمالي نحو 20 نخلة مبعثرة في المكان، بين الرمل والصخر والشعاب المرجانية وصخور الكارست التي شكلتها بلورات المياه الجوفية القديمة.
الأرجح أن هذه النخلات كانت أضعاف ذلك عددا وثمرا، ولعلها كانت سبعين نخلة على الأقل.
المدهش في هذا الموقع الفريد أنه يكاد يكون اختصارا واختزالا لفكرة جغرافية مصر.
في جغرافية مصر تقوم الثنائية الشهيرة على أن حضارة وادي النيل تأسست على شكل واحة في الصحراء.
في الواحة المصرية أتى نهر النيل كمصدر وافد خارجي عن أرض مصر، وعليه تشكلت وتأسست الحضارة منذ آلاف السنين.
في حضارة مصر يحيط البحر بالصحراء من الشرق والشمال والغرب.
فالبحر في الشرق هو البحر الأحمر، والبحر في الشمال هو المتوسط، والبحر في الغرب من الرمال ويسمى بحر الرمال العظيم.
إذا صدقنا هذا الوصف التبسيطي المخل يمكننا أن نفهم الصورة المرفقة.
على هذه النخلات التي كانت باسقات قام مجتمع مسيحي في العصور الوسطى. تجمع هنا رهبان ونساك استفادة من أعجوبة المكان الطبيعية.
المياه الزرقاء في الصورة هي مياه البحر المالح في خليج السويس.
دعني أوضح أننا ننظر في الصورة تجاه الجنوب. أي أنني حين أخذت هذه الصورة كنت أنظر إلى “الطور”.
الطور هو الاسم الحديث لموقع جغرافي قديم يسمى “رايثو” وقد تم تعريب الاسم الأخير إلى “راية”.
ستشعر بقدر من الارتباك إذا جئت من القاهرة ومشيت على الساحل بحثا عن “رأس راية”.
لأنك حين تصل إلى رأس راية لن تجد سوى سهل منبسط رملي وبحري مبعثر عليه قواقع ويرتع عليه سرطان البحر الكسول متجولا بكل اطمئنان بين مسطحات وبحيرات من تعاقب المد والجزر.
أما الموقع الذي نقف فيه في هذه الصورة فيضم سبعة عناصر أثرية:
- كنيسة مسيحية قديمة
- عدد كبير من قلايات (خلايا) الرهبان الذين كانوا يعيشون هنا للتنسك
- فنون مسيحية من رسوم لمشاهد كنسية ونقوش بلغات مختلفة
- نقوش بلغة عربية لاحقة تسببت في طمس النقوش القديمة
- دروب قديمة تصل بين طريق الحج القديم الممتد بين دير سانت كاترين وساحل المتوسط.
- نقوش بلغات أوروبية لحجاج مسيحيين على جبل يقف غير بعيد ربما
- نعود له في مقالات مقبلة يسمى “جبل الناقوس”
- فخار قديم وملاجئ وملاذات بين الصخور والشقوق الصخرية
وهذه الآثار السبعة التي عددتها هنا تقوم على ثلاثة ظروف طبيعية استثنائية في المكان:
مياه من عيون قديمة تتدفق بشكل موسمي من بين شقوق الصخر وتهبط إلى البحر في خليج السويس، وهي مياه عذبة تم استغلال بعض منها غير بعيد تحت اسم “حمام سيدنا موسى”.
ويبعد حمام سيدنا موسى هذا بأكثر من 100 كم إلى الجنوب من “حمام فرعون” (كدت أقول حمام سيدنا فرعون).
مجتمع من نخلات باسقات كانت توفر التمور التي يعيش عليها رهبان ونساك المكان في العصور القديمة.
غزو من رمال قادمة من الشمال. وكانت هذه الرمال في وقت من الأوقات مفيدة للغاية حين كانت تطمر السبخات والبرك المائية التي شكلتها المياه العذبة وقدمت لها تربة ضرورية ساهمت في نمو النخلات الباسقات.
لكن مع اختلال التوازن المائي لأسباب بيئية وبشرية ضعف تدفق المياه وزاد تدفق الرمل حتى أوشكت النخلات على الاندثار. وكثير منها اليوم لا ينتج ثمرا (تمرا).
ولهذه السمات المتفردة في جغرافية المكان ضُربت حوله الأساطير والتحليلات والتأويلات التاريخية.
فالمقريزي اعتبر رايتو واحدة من أول المواقع الجغرافية التي اهتم بها قدماء المصريين واعتبرها من أولى الأماكن التي قامت عليها حضارة قو عاد.
وبعض الحجاج المسيحيين في العصور الوسطى ظنوا أن هذا الموقع من آثار النبي موسى وحكايات سفر الخروج.
وقد ترتب على ذلك أن حظي هذا المكان بأهمية دينية كبيرة واستقر به عشرات الرهبان والنساك.
يوفر المكان الصورة النموذجية للرهبنة.
فالظهير الخلفي مؤلف من صخور جيرية.
في الصخور الجيرية تكهفات وتجاويف تشكل “قلايات” طبيعية.
كنت قد شرحت في مقال سابق العام الماضي أننا ندين بالفضل للأمير عمر طوسون في مطلع القرن العشرين في شرح كلمة قلاية، حين درس أديرة وادي النطرون وقال إنها من كلمة “كيليا” والتي تعربت إلى “خلية” أي كوة أو كهف في الصخر.
صيغة الجمع لكلمة “كيليا” أصبحت كلايات ثم تشوهت إلى “قلايات“.
نعود إلى منطقة الطور التي كانت تعرف باسم “رايثو” وإلى البقعة الفريدة التي أخذتُ مها هذه الصور في عام 2013.
نعرف من العمل الميداني هنا أن الظرف الجيولوجي من الصخور الجيرية كان استثنائيا، فنحن هنا في حضرة الصخور النارية والبركانية والرملية والجرانيتية.
في هذه الموقع الاستثنائي من صخور جيرية وجد الرهبان القلايات جاهزة في تجويف الصخر فصعدوا عشرات الأمتار إلى المنحدر الجبلي وأقاموا حياتهم التنسكية.
وحينما كانوا يحتاجون إلى مياه وتمر كانوا ينزلون إلى تلك الواحة العجيبة على البحر في خليج السويس.
أثارت الواحة شهية الغزاة وطارت شهرتها الأفاق
شن عليها الطامعون هجوما لاقتناص ثرواتها.
وهو ما نعرض له في الحلقة الثالثة والأخيرة من قصة “رايثو” في جنوب سيناء.
نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك






