دعا عدد من الاقتصاديين البارزين، من بينهم توماس بيكيتي ودارون أكيموغلو وأبهيجيت بانيرجي وماريانا مازوكاتو، إلى إجراء إصلاحات واسعة في النظام الاقتصادي العالمي لمواجهة التفاوت في توزيع الثروة والدخل، وتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، مع إعادة النظر في دور الحكومات والضرائب والاستثمارات العامة في مواجهة تغير المناخ.
وتشمل المقترحات فرض ضريبة بنسبة 2% على الثروات التي تتجاوز 100 مليون دولار، وزيادة الإنفاق العالمي على التعليم والرعاية الصحية، وإعادة تصميم القواعد الضريبية المرتبطة بالتوظيف والأتمتة، إلى جانب استخدام القوة التجارية للاتحاد الأوروبي لدفع الاقتصادات الكبرى إلى تبني سياسات أكثر صرامة لخفض انبعاثات الكربون.
وتؤكد هذه الطروحات أن معالجة الأزمة المناخية لا تنفصل عن السياسات الاجتماعية والاقتصادية، إذ يمكن أن يؤدي تحميل الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل تكاليف التحول البيئي بصورة غير عادلة إلى تقويض الدعم الشعبي للإجراءات المناخية.
ضريبة على الثروات الضخمة لمواجهة التفاوت
من بين أبرز المقترحات الواردة في التقرير الذي عرضه الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، فرض ضريبة سنوية بنسبة 2% على الثروات التي تتجاوز 100 مليون دولار، بهدف الحد من التركز الشديد للثروة وتوفير موارد إضافية لتمويل الخدمات العامة.
ويأتي هذا المقترح ضمن نقاش عالمي متزايد بشأن كيفية توزيع الأعباء المالية، ومدى مساهمة أصحاب الثروات الكبرى في تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية والتحول الاقتصادي.
ويرى أصحاب هذه الطروحات أن التفاوت الاقتصادي لا يمثل قضية اجتماعية فحسب، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في قدرة الحكومات على تنفيذ سياسات مناخية طويلة الأجل، خصوصًا عندما تتركز الموارد الاقتصادية في أيدي فئات محدودة، بينما تتحمل شرائح واسعة من السكان تكاليف ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والنقل.
لكن تطبيق ضريبة على الثروات الكبرى يثير أسئلة عملية تتعلق بتقييم الأصول، والحد من التهرب الضريبي، والتنسيق بين الدول، وضمان ألا تؤدي الاختلافات بين الأنظمة الضريبية إلى نقل الأصول إلى ولايات قضائية أخرى.
ومن ثم، فإن نجاح هذا النوع من الضرائب يتوقف على تصميمه وآليات تنفيذه، وليس على تحديد نسبة الضريبة وحدها.
التعليم والصحة في قلب إعادة توزيع الموارد
يتضمن التقرير مقترحًا بزيادة الإنفاق العالمي على التعليم والرعاية الصحية من نحو 13% إلى 38% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بما يعكس توجهًا نحو توسيع دور الخدمات العامة في الحد من التفاوت وتحسين فرص الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية.
ويضع هذا المقترح الاستثمار في الإنسان ضمن أولويات الإصلاح الاقتصادي، باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تساعد على تقليل الفجوات في الدخل والفرص، وتعزيز قدرة المجتمعات على التعامل مع التحولات التكنولوجية والبيئية.
فالتعليم يساهم في تأهيل القوى العاملة للوظائف الجديدة، بينما تساعد الرعاية الصحية على تحسين جودة الحياة وتقليل الأعباء التي تتحملها الأسر، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة اقتصاديًا.
كما أن الاستثمار العام في التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية يمكن أن يدعم تطوير تقنيات الطاقة النظيفة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وابتكار حلول للتكيف مع آثار تغير المناخ.
ومع ذلك، فإن رفع الإنفاق إلى هذا المستوى يتطلب توضيح نطاق الحسابات المستخدمة، ومصادر التمويل، والفترة الزمنية المستهدفة، وكيفية توزيع الإنفاق بين الدول ذات مستويات الدخل والاحتياجات المختلفة.
ويشير التقرير كذلك إلى طموح لرفع دخول 89% من سكان العالم إلى مستوى 5 آلاف يورو شهريًا للفرد، وفقًا للأرقام الواردة في المادة المنشورة. ويحتاج هذا الرقم إلى مراجعة التقرير الأصلي لتحديد ما إذا كان يمثل دخلًا مستهدفًا، أو قيمة محسوبة وفق القوة الشرائية، أو تصورًا نظريًا لإعادة توزيع الموارد العالمية.
بيكيتي: لا يمكن فصل العدالة الاجتماعية عن المناخ
يشدد بيكيتي على ضرورة التعامل مع التفاوت الاقتصادي وتغير المناخ ضمن إطار متكامل، محذرًا من أن تجاهل البعد الاجتماعي للسياسات البيئية قد يؤدي إلى تكرار أخطاء سابقة.
ويستحضر هذا النقاش احتجاجات «السترات الصفراء» في فرنسا، التي اندلعت عام 2018 على خلفية عوامل متعددة، من بينها الاعتراض على زيادة الضرائب على الوقود وما اعتبره محتجون عبئًا غير متناسب على أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة.
وتكشف هذه التجربة عن تحدٍ رئيسي أمام السياسات المناخية: فقد تكون الإجراءات التي تستهدف خفض الانبعاثات ضرورية بيئيًا، لكنها قد تواجه رفضًا اجتماعيًا إذا رفعت تكاليف المعيشة دون توفير بدائل مناسبة أو تعويضات للفئات الأكثر تأثرًا.
لذلك، يتطلب التحول الأخضر تصميم سياسات تجمع بين خفض الانبعاثات وتحسين النقل العام، وتوسيع الوصول إلى الطاقة النظيفة، وتقديم دعم موجه للأسر التي تتأثر بتغير الأسعار.
ولا يعني ذلك التخلي عن الضرائب الكربونية أو تأجيل التحول البيئي، بل ضمان توزيع تكاليفه ومنافعه بصورة أكثر عدالة، بما يساعد على الحفاظ على الدعم الشعبي للإصلاحات طويلة الأجل.
أكيموجلو يحذر من الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي
يطرح الاقتصادي دارون أكيموجلو جانبًا آخر من العلاقة بين الاقتصاد والمناخ، يتعلق بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي وارتفاع احتياجاته من الطاقة.
فمع نمو مراكز البيانات وتوسع تدريب النماذج وتشغيلها، تزداد أهمية تقييم استهلاك الكهرباء والمياه والموارد اللازمة للبنية التحتية الرقمية، إلى جانب الانبعاثات المرتبطة بمصادر الطاقة المستخدمة.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يفاقم تغير المناخ في جميع الحالات؛ إذ يمكن للتقنيات الرقمية أيضًا أن تساعد على تحسين كفاءة شبكات الكهرباء، والتنبؤ بالطقس، وإدارة الطاقة والمياه، وتطوير العمليات الصناعية.
لكن الأثر النهائي يعتمد على حجم الطلب على الحوسبة، ومصادر الكهرباء، وكفاءة الأنظمة، ومدى استخدام التكنولوجيا في أنشطة تحقق فوائد اقتصادية وبيئية ملموسة.
ويقترح أكيموغلو تعديل القواعد الضريبية لتشجيع التوظيف والحد من الحوافز التي تدفع الشركات إلى الاعتماد المفرط على الأتمتة على حساب العمالة البشرية.
ويفتح هذا الطرح نقاشًا حول كيفية توزيع مكاسب الإنتاجية التي تحققها التكنولوجيا، وما إذا كانت السياسات الضريبية الحالية تشجع الاستثمار في العمالة بالقدر نفسه الذي تشجع به الاستثمار في الآلات والأنظمة المؤتمتة.
ومن منظور الاقتصاد الأخضر، يصبح التحدي هو توجيه الابتكار نحو تحسين الإنتاجية وخفض الأثر البيئي، مع حماية فرص العمل وتوفير التدريب اللازم للعمال المتأثرين بالتحولات التكنولوجية.
الاتحاد الأوروبي والضرائب الكربونية العالمية
يدعو الاقتصادي أبهيجيت بانيرجي إلى استخدام القوة السوقية للاتحاد الأوروبي للضغط باتجاه تبني الدول الكبرى سياسات أكثر فاعلية لتسعير الكربون، بما يشمل فرض ضرائب على الانبعاثات أو تطبيق أدوات أخرى تحقق نتائج مماثلة.
ويقوم هذا الطرح على أن الأسواق الكبيرة تستطيع التأثير في قرارات الشركات والحكومات، لأن الوصول إلى المستهلكين الأوروبيين يمثل حافزًا اقتصاديًا مهمًا للمنتجين والمصدرين حول العالم.
لكن تطبيق سياسات الكربون عبر التجارة الدولية يثير تحديات تتعلق بتنافسية الصناعات، واحتمالات انتقال الإنتاج إلى دول ذات معايير بيئية أقل صرامة، وتأثير الإجراءات على الاقتصادات النامية التي تعتمد على الصادرات كثيفة الانبعاثات.
كما أن نجاح هذه السياسات يتطلب تصميمًا يراعي اختلاف القدرات الاقتصادية، ويحد من الأعباء غير المتناسبة على الدول الأقل دخلًا، مع توفير حوافز للاستثمار في تقنيات الإنتاج منخفضة الكربون.
ويعكس هذا المقترح تحولًا في النقاش من الاقتصار على السياسات المناخية المحلية إلى استخدام أدوات التجارة والأسواق الدولية لتشجيع خفض الانبعاثات، مع ما يرافق ذلك من ضرورة التنسيق بين الشركاء التجاريين.
مازوكاتو: الحكومات شريك في خلق القيمة الاقتصادية
من جانبها، تؤكد الاقتصادية ماريانا مازوكاتو أهمية قيام الحكومات بدور أكثر فاعلية في خلق القيمة الاقتصادية وتحديد الشروط التي ينبغي أن يلتزم بها القطاع الخاص مقابل الاستفادة من الاستثمارات والدعم العام.
وتدعو هذه الرؤية إلى تجاوز مفهوم يقتصر فيه دور الدولة على تصحيح إخفاقات السوق، نحو دور يشارك في توجيه الاستثمار والابتكار إلى المجالات التي تحقق منافع اجتماعية واقتصادية طويلة الأجل.
ويشمل ذلك الاستثمار في البحث العلمي والتعليم والبنية التحتية، وهي مجالات يمكن أن تساعد على تطوير تقنيات جديدة للطاقة النظيفة، وتحسين كفاءة الموارد، ودعم الصناعات منخفضة الانبعاثات.
كما يثير هذا النهج سؤالًا بشأن المقابل الذي ينبغي أن تحصل عليه المجتمعات عندما تستخدم الحكومات الأموال العامة لتمويل الأبحاث أو دعم الشركات؛ إذ يمكن ربط الدعم العام بشروط تتعلق بالابتكار والتوظيف وجودة الوظائف والأثر البيئي.
وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى الاستثمار العام باعتباره إنفاقًا منفصلًا عن النشاط الاقتصادي، بل أداة لتوجيه الأسواق نحو أهداف تتجاوز الأرباح قصيرة الأجل، بما في ذلك الاستدامة والعدالة الاجتماعية.
إصلاح اقتصادي يربط المناخ بتوزيع الثروة
تجمع المقترحات المطروحة بين ملفات تبدو منفصلة ظاهريًا، لكنها ترتبط في الواقع بمستقبل الاقتصاد العالمي: توزيع الثروة، وتمويل الخدمات العامة، وتطور الذكاء الاصطناعي، وسياسات التجارة، والاستثمار في التكنولوجيا النظيفة.
ويتمثل التحدي في تحويل هذه الأفكار إلى سياسات قابلة للتطبيق، تراعي اختلاف ظروف الدول وقدراتها المالية، وتوازن بين خفض الانبعاثات وحماية الوظائف ومستويات المعيشة.
كما أن تحقيق تحول اقتصادي عادل يتطلب قياس النتائج الفعلية، لا الاكتفاء بتحديد أهداف طموحة؛ ففرض الضرائب على الثروات يحتاج إلى آليات تنفيذ فعالة، وزيادة الإنفاق العام تتطلب موارد مستدامة، والسياسات الكربونية تحتاج إلى تصميم يراعي التنافسية والعدالة بين الدول.
وتشير هذه النقاشات إلى أن مستقبل الاقتصاد الأخضر لا يعتمد على التكنولوجيا والاستثمارات وحدهما، بل يتوقف أيضًا على القواعد التي تحدد من يدفع تكاليف التحول، ومن يستفيد من مكاسبه، وكيف تُستخدم الموارد العامة لتوسيع الفرص وتحسين جودة الحياة.
والرسالة الأساسية في هذه الطروحات هي أن مكافحة تغير المناخ تصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما ترتبط بسياسات تقلل التفاوت وتحمي الفئات المتأثرة وتضمن توزيعًا أكثر عدالة لمنافع التنمية الاقتصادية.
