مادة كيميائية قد تعطل دفاع الجسم الأول ضد الإنفلونزا والفيروسات

ملوثات لا تتحلل بسهولة.. دراسة تكشف آلية محتملة لإضعاف الدفاع المناعي ضد الفيروسات

دراسة تكشف كيف تعطل مادة PFOS بروتينًا أساسيًا في المناعة المضادة للفيروسات.. والتجارب على الفئران وخلايا الرئة البشرية تشير إلى استجابة مناعية أضعف

كشفت دراسة علمية جديدة عن آلية محتملة تفسر كيف يمكن لمادة كيميائية ملوثة للبيئة، تُعرف باسم PFOS وتنتمي إلى مجموعة «المواد الكيميائية الأبدية» (PFAS)، أن تضعف قدرة الجسم على مقاومة الإنفلونزا وعدد من الفيروسات الأخرى، من خلال تعطيل بروتين رئيسي في منظومة الدفاع المناعي المبكر.

وأظهرت التجارب على الفئران وخلايا الرئة البشرية أن المادة تتفاعل مباشرة مع بروتين يسمى IRF3، وهو عنصر أساسي في تشغيل الإشارات التي تحفز الخلايا على إنتاج الإنترفيرونات، وهي بروتينات تساعد على تنبيه الخلايا المصابة والخلايا المجاورة إلى وجود عدوى فيروسية.

وعندما تعطل هذا المسار، تكاثرت فيروسات في التجارب بمعدلات أكبر، كما ظهرت على الفئران المعرضة للمادة أعراض أشد للإنفلونزا، شملت فقدانًا أكبر للوزن وتضررًا في الرئتين وارتفاعًا في الوفيات.

لكن الباحثين يؤكدون، وفقًا لنتائج الدراسة، أن البيانات البشرية المتاحة لا تثبت أن التعرض لـPFOS هو السبب المباشر لزيادة العدوى أو شدتها لدى البشر؛ إذ تستند هذه النتائج إلى ارتباطات إحصائية تحتاج إلى دراسات متابعة أوسع لتحديد طبيعة العلاقة.

ما المواد الكيميائية الأبدية؟ ولماذا تثير القلق؟

تنتمي PFOS إلى مجموعة واسعة من المركبات الصناعية المعروفة باسم المواد البيرفلورية ومتعددة الفلوروألكيل (PFAS)، والتي تُلقب بـ«المواد الكيميائية الأبدية» بسبب مقاومتها الشديدة للتحلل في البيئة.

واستُخدمت هذه المركبات في تطبيقات صناعية ومنتجات استهلاكية بسبب خصائصها التي تساعد على مقاومة الحرارة والماء والزيوت. لكن ثباتها الكيميائي يجعل التخلص منها صعبًا، كما يمكن أن يؤدي استمرارها في البيئة إلى تعرض الإنسان والحيوان لها عبر مسارات مختلفة، من بينها المياه والغذاء.

وقد ربطت أبحاث سابقة التعرض لبعض مركبات PFAS بتأثيرات صحية متعددة، من بينها اضطرابات في الجهاز المناعي والاستجابة للأجسام المضادة بعد التطعيم. غير أن الآلية الدقيقة التي قد تؤثر بها PFOS في الدفاع المناعي المبكر ضد الفيروسات لم تكن واضحة بالقدر نفسه.

وتقدم الدراسة الجديدة تفسيرًا بيولوجيًا محتملًا لهذه العلاقة، من خلال تحديد بروتين بعينه تتفاعل معه المادة، وتتبع التغيرات التي تحدث في سلسلة الاستجابة المناعية بعد هذا التفاعل.

مادة PFOS تعطل إنذار الخلايا ضد الفيروسات في تجارب علمية.. ماذا نعرف عن الخطر؟

كيف تعطل PFOS الإنذار المناعي ضد الفيروسات؟

عندما يدخل فيروس إلى إحدى خلايا الجسم، تلتقط مستشعرات داخل الخلية مادته الوراثية، وتبدأ سلسلة من الإشارات تنتهي بتنشيط البروتين IRF3.

ويؤدي بروتين آخر، يسمى TBK1، دورًا مهمًا في هذه العملية؛ إذ يضيف مجموعة كيميائية إلى IRF3، ما يساعده على الارتباط بنسخة أخرى من البروتين نفسه، ثم الانتقال إلى نواة الخلية وتشغيل الجينات المسؤولة عن إنتاج الإنترفيرونات.

وتعمل هذه الجزيئات بمثابة إشارات إنذار، فتدفع الخلية المصابة والخلايا المحيطة بها إلى تنشيط جينات مضادة للفيروسات، بما يساعد على الحد من انتشار العدوى.

لكن الباحثين وجدوا أن PFOS تستطيع الارتباط مباشرة ببروتين IRF3 في ثلاثة مواضع محددة، ما يغير بنيته ويقلل قدرته على التفاعل مع TBK1.

ونتيجة لذلك، تنخفض عملية تنشيط البروتين وانتقاله إلى نواة الخلية، ويتراجع إنتاج الإنترفيرونات، فتضعف إحدى آليات الدفاع المبكر ضد الفيروسات.

واللافت أن المادة لم تؤدِّ ببساطة إلى خفض كمية البروتين داخل الخلايا، بل أثرت في قدرته على أداء وظيفته. وهذا فارق مهم؛ لأن وجود البروتين لا يضمن كفاءة الاستجابة المناعية إذا تعطلت آلية عمله.

وللتحقق من دور مواقع الارتباط، غيّر الباحثون هذه المواضع في تجاربهم. وعندما عُدّل البروتين، لم تعد PFOS تُضعف الاستجابة المضادة للفيروسات بالطريقة نفسها، كما لم تُفاقم الإنفلونزا لدى الفئران التي استخدمت فيها النسخة المعدلة، وفقًا لنتائج الدراسة.

كيف تعطل PFOS الإنذار المناعي ضد الفيروسات؟

الإنفلونزا أشد لدى الفئران المعرضة للمادة

اختبر الباحثون تأثير التعرض لـPFOS في الفئران قبل إصابتها بالإنفلونزا، ووجدوا أن الحيوانات التي تعرضت للمادة فقدت وزنًا أكبر، وعانت تلفًا أشد في أنسجة الرئة، وسجلت معدلات وفاة أعلى مقارنة بالمجموعات غير المعرضة.

كما ارتبطت الجرعات الأعلى بنتائج أسوأ، مع انخفاض مستويات الإنترفيرون في الدم وارتفاع كمية الفيروس في الرئتين.

وأظهرت تجارب إضافية أن التعرض للمادة قد يزيد شدة الإصابة بسلالة أخرى من الإنفلونزا، كما ارتبط بارتفاع مستويات فيروس التهاب الكبد B في الدم والكبد لدى الفئران.

وذكر الباحثون أنهم اختاروا إحدى الجرعات بهدف محاكاة مستوى تعرض محتمل عبر مياه الشرب الملوثة، بعد تكييف الجرعة لتناسب الفئران. كما أظهرت تجربة بجرعة أقل، استمرت على مدى شهرين قبل العدوى، نتائج سلبية أيضًا.

ومع ذلك، لا يمكن تحويل هذه النتائج مباشرة إلى تقدير للمخاطر لدى البشر؛ إذ تختلف الجرعات ومسارات التعرض والتمثيل الحيوي بين الفئران والإنسان، وتحتاج دلالة النتائج على الصحة العامة إلى تقييم مستقل.

الإنفلونزا أشد لدى الفئران المعرضة للمادة

تأثيرات ظهرت في خلايا بشرية.. لكن الدليل لا يزال محدودًا

لم تقتصر التجارب على الحيوانات؛ إذ اختبر الفريق تأثير PFOS في خلايا رئة بشرية داخل المختبر، ووجد أن المادة أضعفت الاستجابة المضادة لعدد من الفيروسات، شملت الإنفلونزا والهربس البسيط وداء الكلب وفيروس نقص المناعة البشرية، إلى جانب فيروسات أخرى.

وأشار الباحثون إلى ظهور هذه التأثيرات عند مستويات تعرض منخفضة نسبيًا في التجارب الخلوية، قاربوها بمستويات أُبلغ عنها في دم أفراد من عموم السكان.

لكن هذا لا يعني أن الأشخاص الذين توجد لديهم مستويات مماثلة من المادة سيصابون حتمًا بهذه الفيروسات أو سيعانون أعراضًا أشد؛ فالتجارب الخلوية لا تعكس جميع تعقيدات الجهاز المناعي داخل جسم الإنسان، كما أن مستوى المادة في الدم لا يساوي بالضرورة مستوى التعرض الفعال داخل الأنسجة.

كما لم تظهر جميع المركبات التي اختبرها الفريق التأثير نفسه؛ إذ لم تُظهر مركبات أخرى، من بينها PFOA وPFHxS، ارتباطًا ثابتًا بالبروتين IRF3 بالطريقة التي رُصدت مع PFOS. ويشير ذلك إلى أن تأثيرات المواد المنتمية إلى المجموعة نفسها قد تختلف باختلاف تركيبها الكيميائي.

تأثيرات ظهرت في خلايا بشرية.. لكن الدليل لا يزال محدودًا

ماذا تكشف بيانات البشر؟

لفحص ما إذا كانت الآلية المكتشفة تتوافق مع مؤشرات لدى البشر، حلل الباحثون بيانات 1179 مشاركًا في المسح الوطني الأمريكي للصحة والتغذية (NHANES) لعامي 2009 و2010.

وأظهرت النتائج أن ارتفاع مستويات PFOS في الدم ارتبط بانخفاض مستويات الأجسام المضادة ضد الحصبة والحصبة الألمانية.

وشدد الباحثون على أن انخفاض مستويات الأجسام المضادة لا يعني تلقائيًا فشل اللقاحات أو فقدان الحماية من المرض. فقد ظل 78.5% من المشاركين إيجابيين بالنسبة إلى الأجسام المضادة للمستضدات الثلاثة التي تناولها التحليل.

وفي مجموعة أخرى ضمت 71 متطوعًا سليمًا، ارتبط ارتفاع PFOS في الدم بانخفاض مستويات الإنترفيرون. كما رصد الباحثون ارتباطًا بين ارتفاع مستويات المادة وارتفاع كمية الفيروس لدى مجموعات صغيرة من المرضى المصابين بفيروس الجهاز التنفسي المخلوي (RSV)، أو الإنفلونزا، أو التهاب الكبد B.

وتراوحت أعداد المرضى في هذه المجموعات بين 32 و40 شخصًا، وهو حجم محدود لا يسمح وحده باستنتاج علاقة سببية مؤكدة.

وتبقى هذه النتائج البشرية ارتباطات إحصائية؛ فقد تتداخل عوامل أخرى في تفسيرها، ولا تثبت أن PFOS هي التي تسببت في انخفاض الأجسام المضادة أو ارتفاع مستويات الفيروسات.

ما الذي لا يزال مجهولًا؟

حدد الباحثون بروتين IRF3 بوصفه هدفًا مهمًا لتأثير PFOS، لكن الفحص الأولي كشف أيضًا عن تغيرات في 110 بروتينات عند وجود المادة، ولا يزال دور هذه البروتينات الأخرى في التأثيرات المناعية المحتملة بحاجة إلى الدراسة.

ولأن IRF3 يشارك في عمليات بيولوجية تتجاوز مكافحة الفيروسات، منها بعض المسارات المرتبطة بالالتهاب والسرطان واضطرابات المناعة الذاتية والأيض، فإن معرفة ما إذا كانت PFOS تؤثر في هذه الوظائف تظل سؤالًا مفتوحًا.

وتدعم النتائج الدعوات إلى الحد من تلوث البيئة بمواد PFAS، مع ضرورة مواصلة الأبحاث لتحديد مستويات التعرض الأكثر خطورة، وفهم الاختلافات بين المركبات المختلفة، وتقييم الآثار الفعلية على صحة الإنسان.

وتكمن أهمية الدراسة في أنها لا تكتفي بربط ملوث بيئي بمؤشرات مناعية، بل تقترح مسارًا جزيئيًا محددًا يمكن من خلاله تفسير بعض هذه التأثيرات. ومع ذلك، فإن إثبات ما إذا كان هذا المسار يؤدي إلى زيادة فعلية في الإصابة بالفيروسات أو شدتها لدى البشر يتطلب دراسات مستقبلية تتابع التعرض والعدوى والنتائج الصحية على مدى زمني كافٍ.

ونُشرت الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS).

↑
Exit mobile version