أخبارالتنمية المستدامةالتنوع البيولوجي

شبكة مستوحاة من الأعشاب البحرية تلتقط الميكروبلاستيك بكفاءة عالية

ابتكار بيئي جديد: “شبكة زغبية” تزيل البلاستيك الدقيق من المياه

في مواجهة التلوث البلاستيكي الذي يغزو كل زاوية من محيطات العالم، يفتح العلم نافذة جديدة للأمل عبر ابتكار مستوحى من الطبيعة نفسها. فقد نجح باحثون في تطوير شبكة “زغبية” قادرة على التقاط الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بمختلف أحجامها، مستلهمين فكرتها من كرات الأعشاب البحرية التي تتجمع على الشواطئ حاملةً بداخلها شظايا البلاستيك.

تبدأ القصة من ملاحظة بسيطة: كتل الأعشاب البحرية الميتة التي تتدحرج في قاع البحر أو تطفو على السطح تعمل كمصائد طبيعية، حيث تتشابك أليافها وتحتجز البلاستيك العالق في المياه. هذه الظاهرة دفعت فريقًا بحثيًا من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية (NC State) إلى إعادة إنتاج هذا “الفخ الطبيعي” باستخدام مواد مستخرجة من الطحالب وقشور الكائنات البحرية.

الابتكار الجديد لا يشبه المرشحات التقليدية، التي تواجه معضلة دائمة بين السماح بمرور الماء بسرعة أو التقاط الجزيئات الدقيقة جدًا. فكلما صغرت فتحات المرشح زادت قدرته على الحجز، لكنه يصبح عرضة للانسداد. أما الشبكة الجديدة، فتم تصميمها ببنية متعددة المقاييس تتيح لها التقاط الجزيئات الكبيرة والدقيقة في آن واحد دون التأثير الكبير على تدفق المياه.

من الطبيعة إلى المختبر.. تقنية مبتكرة لتنظيف المحيطات من الميكروبلاستيك
من الطبيعة إلى المختبر.. تقنية مبتكرة لتنظيف المحيطات من الميكروبلاستيك

يعتمد هذا التصميم على مادتين طبيعيتين منخفضتي التكلفة: الألجينات المستخرجة من الطحالب البنية، والكيتوزان المستخلص من قشور الروبيان وسرطان البحر. ومن خلال عملية ميكانيكية عالية السرعة، تم تحويل هذه المواد إلى تراكيب متفرعة دقيقة للغاية، تشبه في بنيتها شعيرات أقدام الوزغ التي تمنحه قدرة فائقة على الالتصاق.

ولتحويل هذه الجزيئات إلى شبكة متماسكة، استخدم الباحثون تقنية التجميد والذوبان المتكرر، حيث تعمل بلورات الجليد على ضغط الألياف وتشكيل بنية مسامية تشبه خلية النحل. وبعد معالجة إضافية، تتكون طبقة خارجية “زغبية” تمنح الشبكة قدرتها العالية على التقاط الجزيئات البلاستيكية.

شبكة بيولوجية دقيقة داخل الماء تلتقط جزيئات بلاستيكية صغيرة
شبكة بيولوجية دقيقة داخل الماء تلتقط جزيئات بلاستيكية صغيرة

النتائج كانت لافتة. فقد أظهرت التجارب أن الشبكة قادرة على إزالة أكثر من 90% من الجزيئات البلاستيكية عبر نطاق واسع من الأحجام، من مئات النانومترات وحتى مئة ميكرومتر تقريبًا، أي ما يعادل سُمك شعرة الإنسان. كما حافظت على كفاءتها حتى في المياه المالحة، رغم أن الأملاح عادة ما تضعف قوى التجاذب الكهربائية التي تعتمد عليها مثل هذه التقنيات.

وعند اختبارها على عينات حقيقية من نفايات بلاستيكية جُمعت من أحد شواطئ هاواي، تمكنت قطعة صغيرة جدًا من الشبكة – لا يتجاوز وزنها 5 ملليغرامات – من التقاط أكثر من ضعف وزنها من البلاستيك خلال يوم واحد فقط، وهو مؤشر قوي على إمكاناتها العملية.

شبكة بيولوجية دقيقة داخل الماء تلتقط جزيئات بلاستيكية صغيرة
شبكة بيولوجية دقيقة داخل الماء تلتقط جزيئات بلاستيكية صغيرة

ورغم هذه النتائج الواعدة، لا يزال الطريق طويلًا قبل تطبيق التقنية على نطاق واسع. فجميع التجارب أُجريت في بيئات مخبرية ذات تركيزات مرتفعة من البلاستيك، وهو ما لا يعكس بالضرورة الظروف الواقعية في البحار والمحيطات. كما أن تأثير المواد العضوية والكائنات الدقيقة على كفاءة الشبكة مع مرور الوقت لا يزال غير واضح.

التحدي الأكبر يتمثل أيضًا في كيفية جمع البلاستيك والشبكة في نفس المكان داخل البيئات المائية المفتوحة، حيث تتشتت الجزيئات بفعل التيارات. ومع ذلك، يدرس الباحثون إمكانية دمج هذه الشبكة مع أنظمة ذاتية الحركة يمكنها الانتشار في المياه ثم العودة إلى السطح محملة بالملوثات.

أعشاب بحرية تلهم العلماء لتطوير فلتر يلتقط أصغر جزيئات البلاستيك
أعشاب بحرية تلهم العلماء لتطوير فلتر يلتقط أصغر جزيئات البلاستيك

في المحصلة، يقدم هذا الابتكار نموذجًا واعدًا لتقنيات صديقة للبيئة ومنخفضة التكلفة، قد تسهم مستقبلًا في الحد من واحدة من أخطر أزمات التلوث العالمية. وبينما لا تزال الأسئلة قائمة حول قابلية التوسع والتطبيق العملي، فإن الرسالة الأهم تظل واضحة: الطبيعة، مرة أخرى، قد تحمل بين طياتها الحلول التي نبحث عنها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة