أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

حتى أعماق المحيط لم تعد بمنأى عن التلوث.. نفايات بشرية في أخدود بحري ناءٍ قبالة الأرجنتين

من أكياس البلاستيك إلى حذاء وحبال صيد.. النفايات تصل إلى أخدود بحري بعيد عن سواحل الأرجنتين

لم تعد النفايات البشرية مشكلة تقتصر على الشواطئ أو سطح المحيطات؛ فقد كشفت بعثة علمية عن وصول المخلفات إلى أحد أكثر البيئات البحرية عزلة وعمقًا، داخل أخدود مار ديل بلاتا البحري قبالة سواحل الأرجنتين.

وخلال أول تصوير علمي لقاع هذا الأخدود الواقع في جنوب غرب المحيط الأطلسي، رصد باحثون 29 قطعة من المخلفات التي يمكن تحديد مصدرها البشري، بينها أكياس وعبوات وأغلفة غذائية وحبال صيد وحذاء مطاطي، بعضها كان يغرق أو ينجرف في المياه، بينما استقر بعضها الآخر على قاع البحر أو دُفن جزئيًا داخل الرواسب.

وأجريت الرحلة العلمية في صيف عام 2025، باستخدام مركبة يتم التحكم فيها عن بُعد ROV، وكانت المرة الأولى التي يتمكن فيها العلماء من تصوير قاع أخدود مار ديل بلاتا من الداخل.

وقاد الدراسة دانيال لوريتا من متحف العلوم الطبيعية في الأرجنتين، بالتعاون مع دييغو أورتياجا وباحثين من مجموعة دراسات البحار العميقة في الأرجنتين (GEMPA).

النفايات تصل إلى أخدود بحري بعيد

أخدود بحري لم تسبقه إليه الكاميرات

الدراسة نُشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) .

لا تزال أعماق البحار واحدة من أكثر البيئات غموضًا على كوكب الأرض، رغم أن النشاط البشري أصبح قادرًا على الوصول بتأثيراته إلى مناطق أبعد بكثير مما كان يُعتقد.

واختار الباحثون أخدود مار ديل بلاتا لأن الأخاديد البحرية تعد من المناطق المهمة للتنوع البيولوجي في أعماق المحيط، كما أنها يمكن أن تعمل كمناطق لتراكم المخلفات.

وقال لوريتا إن الجرف القاري قبالة الأرجنتين يعبره أكثر من 70 أخدودًا بحريًا، وهي بيئات معروفة بكونها بؤرًا للتنوع الحيوي، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح مناطق لتجمع النفايات.

وخلال الرحلة، تمكن الفريق أيضًا من توثيق نحو 40 نوعًا قد يكون بعضها جديدًا على العلم، ما يجعل المنطقة ذات قيمة كبيرة لفهم الحياة في أعماق لا يصل إليها ضوء الشمس.

لكن الاكتشاف الأكثر إثارة للقلق كان وجود النفايات البشرية وسط هذه البيئة النائية.

29 قطعة نفايات في 10 غطسات

 

م

النفايات تصل إلى أخدود بحري بعيد

ن بين 17 غطسة نفذتها المركبة الغاطسة، رصد الباحثون المخلفات في 10 غطسات، بإجمالي 29 جسمًا يمكن التعرف عليه باعتباره من صنع الإنسان.

وكانت غالبية هذه المخلفات بلاستيكية، إلى جانب عدد من القطع المطاطية، وشملت معدات صيد وأكياسًا بلاستيكية وأغلفة للمواد الغذائية، فضلًا عن حذاء واحد استقر على قاع البحر.

وبعض المخلفات كان مدفونًا جزئيًا في الرواسب، بينما انحشر بعضها بين الصخور، وظل بعضها الآخر يتحرك مع المياه.

واللافت أن النفايات كانت أكثر شيوعًا داخل الأخدود نفسه مقارنة بالمناطق المحيطة به، وهو ما يشير إلى أن شكل الأخدود وحركة التيارات البحرية قد يعملان على توجيه المخلفات وتجميعها في هذا المنخفض الطبيعي.

ويقول لوريتا إن أكثر قطعة لفتت انتباهه كانت حذاءً منفردًا مستقرًا على قاع البحر.

أما أورتياجا، فأشار إلى أن حبل صيد ظهر فجأة أمام المركبة التي يتم التحكم فيها عن بُعد، ما أجبر الفريق على التوقف لتجنب الاصطدام به، في تذكير واضح بأن المخلفات البشرية يمكن أن تتحول إلى خطر حتى على عمليات الاستكشاف العلمي في الأعماق.

النفايات تصل إلى أخدود بحري بعيد

الكائنات البحرية بدأت تستعمر النفايات

لم تكن المخلفات مجرد أجسام غريبة مستقرة في قاع البحر؛ فقد لاحظ العلماء تفاعلات مختلفة بينها وبين الكائنات البحرية.

فالكائنات المتحركة، مثل القشريات، كانت تتفاعل مع النفايات لفترات قصيرة، بينما بدأت الكائنات الثابتة، مثل بعض نجمات البحر والمرجان، في الالتصاق بها والنمو فوقها، خصوصًا على العبوات البلاستيكية وحبال الصيد.

لكن وجود الحياة على هذه المخلفات لا يعني أنها أصبحت موطنًا مناسبًا للكائنات البحرية.

وأوضح أورتياجا أن استعمار الكائنات الثابتة للنفايات يمكن أن يحول المخلفات البشرية إلى ركيزة صناعية جديدة في أعماق البحر، بما قد يغير المجتمعات المحلية للكائنات الحية.

كما قد تسمح هذه المخلفات بنقل بعض الكائنات إلى مناطق تتجاوز نطاق انتشارها الطبيعي، رغم أن الآثار البيئية لهذه العملية لا تزال غير مفهومة بشكل كافٍ.

الصيد البحري هو المصدر المرجح

يبعد أخدود مار ديل بلاتا نحو 300 كيلومتر عن الساحل، ما يجعل وصول هذه المخلفات من المدن الساحلية أمرًا أقل ترجيحًا.

وقال لوريتا إن الاعتقاد الأولي قد يكون أن النفايات مصدرها السكان على الساحل، لكن المسافة الكبيرة بين الأخدود واليابسة تجعل هذا الاحتمال ضعيفًا.

وبناءً على طبيعة المخلفات التي عثر عليها الفريق، يرى الباحثون أن السفن العاملة في البحر، وخصوصًا سفن الصيد، هي المصدر الأكثر ترجيحًا لهذه النفايات.

ومن بين المصادر المحتملة الأخرى السفن التجارية والترفيهية، إضافة إلى الأنشطة البرية، بينما تجعل التيارات البحرية تحديد مصدر كل قطعة على حدة أمرًا بالغ الصعوبة.

وضمت المخلفات التي رُصدت على أعماق مختلفة، بين نحو 1,600 متر و3,800 متر، أغلفة بلاستيكية، وحذاءً مطاطيًا، وأغلفة طعام، وأكياسًا بلاستيكية، وقطعًا متحللة بشدة، وحبلًا من النايلون مزودًا بخطاف، وأكوابًا وأكياسًا بلاستيكية.

النفايات تصل إلى أخدود بحري بعيد

الأخدود كان أنظف مما توقع العلماء

ورغم العثور على النفايات، فإن الباحثين فوجئوا بأن كمية المخلفات كانت أقل نسبيًا مما توقعوا قبل بدء عمليات الغوص.

وقال لوريتا إنه كان يتوقع العثور على منطقة أكثر تلوثًا، مشيرًا إلى أن كمية النفايات التي رصدها الفريق تبدو أقل بكثير من أعداد المخلفات المسجلة في أخاديد بحرية مماثلة في مناطق أخرى من العالم.

لكن النتيجة تظل جزءًا من نمط أوسع يشير إلى قدرة المخلفات البشرية على الوصول إلى أبعد البيئات البحرية.

وقبل أشهر قليلة من هذه الرحلة، عثر باحثون على كيس بلاستيكي في خندق ماريانا، أعمق نقطة معروفة على سطح الأرض.

النفايات تصل إلى المكان الذي يبدأ فيه العلماء فهم الحياة

لطالما كان انتقال المواد العضوية من سطح المحيط إلى قاعه جزءًا أساسيًا من دورة الحياة في المناطق التي لا يصل إليها ضوء الشمس.

لكن الاكتشاف الجديد يضيف عنصرًا آخر إلى هذه الرحلة: المخلفات البشرية يمكنها أيضًا الوصول إلى هذه الأعماق.

والمفارقة أن النفايات ظهرت خلال بعثة لم يكن هدفها الأساسي دراسة التلوث.

وأوضح أورتياجا أن الهدف الرئيسي للرحلة كان دراسة التنوع الحيوي للكائنات التي تعيش في قاع البحر، لكن وجود المخلفات البحرية كان واضحًا بما يكفي لدفع الفريق إلى توثيقها ومشاركة النتائج مع المجتمع العلمي.

بداية لسلسلة من المسوحات

يرى الباحثون أن النتائج تمثل نقطة بداية وليست نهاية القصة، ويأمل لوريتا أن تساعد هذه النتائج أجهزة إنفاذ القانون على منع المزيد من تلوث أعماق البحار، وأن تسهم في رفع الوعي بتأثير التلوث البحري.

ويخطط الفريق لتوسيع عمليات المسح لتشمل أخاديد بحرية عميقة أخرى قبالة الأرجنتين، بهدف مقارنة مستويات المخلفات وتكوين قاعدة بيانات أولية عن انتشارها في هذه البيئات.

أما أورتياجا، فيأمل أن تسهم النتائج في زيادة الوعي بتأثير النشاط البشري على بيئة بعيدة عن أعين البشر، ولا يزال العلماء في بداية فهم طبيعتها وتنوعها البيولوجي.

وتشير الدراسة إلى أن وجود المخلفات في هذه البيئات لا يعني بالضرورة حدوث تغيرات بيئية واسعة بالفعل، لكن استعمار الكائنات البحرية لها، وإمكانية نقلها للكائنات خارج نطاق انتشارها الطبيعي، يطرحان أسئلة تحتاج إلى مزيد من البحث.

والرسالة الأوضح من هذه الرحلة أن العمق والعزلة لم يعودا ضمانة لبقاء البيئة بمنأى عن النشاط البشري.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة