سياسات إخماد الحرائق ترفع خطر الحرائق المدمرة في الغابات العتيقة
كيف ساهمت سياسات إطفاء الحرائق في تهديد الغابات العتيقة بالكوارث؟
تشهد الغابات العتيقة في شمال غرب الولايات المتحدة، وتحديدًا في إقليم المحيط الهادئ الشمالي الغربي، تصاعدًا مقلقًا في مخاطر حرائق الغابات الشديدة، رغم عقود طويلة من سياسات إخماد الحرائق التي استهدفت حمايتها.
دراسة علمية حديثة كشفت مفارقة لافتة: المناطق التي كان يُمنع فيها الحريق تمامًا أصبحت اليوم الأكثر عرضة لحرائق مدمرة تقضي على الغابات بالكامل.
الغابات العتيقة ليست مجرد أشجار قديمة؛ بل أنظمة بيئية متكاملة تخزّن كميات هائلة من الكربون، وتنظم المناخ المحلي، وتحافظ على المياه في التربة، وتؤوي أنواعًا نباتية وحيوانية لا تعيش في أي مكان آخر.
حين اختفت الحرائق الطبيعية
لطآلاف السنين، لعبت الحرائق منخفضة ومتوسطة الشدة دورًا طبيعيًا في الحفاظ على صحة الغابات في غرب الولايات المتحدة.
كانت هذه الحرائق الدورية تزيل الأشجار الصغيرة والمواد النباتية الجافة، وتُبقي الغابة مفتوحة وقادرة على مقاومة الحرائق الكبرى/ لكن مع اختفاء هذه الحرائق لفترات طويلة، بدأت الغابات تتغير جذريًا:
-
ازدادت كثافة الأشجار
-
تراكمت الأخشاب الميتة على أرض الغابة
-
انتشرت أنواع نباتية لا تتحمل النار
-
ارتفع مخزون الوقود القابل للاشتعال
وبمرور الوقت، تحولت الغابات التي كانت مقاومة للنار إلى بيئات شديدة القابلية لحرائق عالية الشدة.
الدراسة العلمية وخلفيتها
أجريت الدراسة بواسطة باحثين من جامعة ولاية أوريجون بالتعاون مع خدمة الغابات التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية.
قاد البحث العالمان برونو أباريسيو وميغ كراوتشوك من كلية الغابات بالجامعة.
استخدم الفريق نماذج متقدمة لرسم خرائط احتمالية اندلاع حرائق شديدة في الغابات الناضجة والعتيقة، ضمن نطاق خطة غابات الشمال الغربي التي تغطي نحو 24 مليون فدان في ولايات أوريحون وواشنطن وكاليفورنيا.

مفاجأة النتائج: الماضي يحدد الخطر الحالي
أظهرت النتائج أن 75% من مناطق الغابات العتيقة الأكثر عرضة لحرائق مدمرة تقع في أماكن كانت تشهد تاريخيًا حرائق منخفضة أو متوسطة الشدة بشكل متكرر.
هذا يعني أن منع الحرائق تمامًا – بدل إدارتها – أدى إلى زيادة الخطر بدل تقليله.
وقال الباحث برونو أباريسيو:
«مع تصاعد نشاط حرائق الغابات بسبب تغير المناخ، يصبح فهم أماكن الضعف في الغابات العتيقة أمرًا حاسمًا لحمايتها».
دور الشعوب الأصلية وسياسات الإخماد
تشير الدراسة إلى أن نقطة التحول الكبرى حدثت مع:
-
تهجير السكان الأصليين في منتصف القرن التاسع عشر
-
توقف ممارسات إدارة النار التقليدية
-
اعتماد سياسات فيدرالية صارمة لإخماد الحرائق مطلع القرن العشرين
جاء ذلك بعد حريق عام 1910 الكبير الذي دمّر بلدات كاملة وأحرق مساحات شاسعة، ما دفع السلطات إلى تبني نهج “صفر حرائق”، غير أن هذا النهج تجاهل الدور البيئي للنار، وأسهم على المدى الطويل في خلق ظروف مواتية لحرائق كارثية.

ملاذات النار: مناطق النجاة وسط الجحيم
حتى في أقسى الحرائق، لا تحترق الغابات بشكل متساوٍ، بعض المناطق، المعروفة علميًا باسم ملاذات النار (Fire Refugia)، تكون أقل عرضة لاحتراق التيجان الشجرية بسبب:
-
التضاريس
-
اتجاه المنحدرات
-
القرب من المياه
-
نوع الغطاء النباتي
ووفق الدراسة:
-
نحو 1.8 مليون فدان من الغابات العتيقة تقع داخل ملاذات نار
-
هذه المناطق يمكن أن تقلل خطر الحرائق الشديدة بنسبة تصل إلى 20%
وتلعب هذه الملاذات دورًا حاسمًا في بقاء الأنواع الحساسة وإعادة تعافي الغابات بعد الحرائق.
مناطق الخطر القصوى
سلّطت الدراسة الضوء على مناطق شديدة الهشاشة، أبرزها:
-
الغابات شبه الجبلية قرب خط الأشجار
-
جبال كلاماث، التي تُعد بؤرة محتملة لانبعاثات كربونية ضخمة
فالحرائق التي تقضي على الغابات العتيقة لا تدمّر الأشجار فقط، بل تطلق كميات ضخمة من الكربون المخزن منذ قرون، وتقلل قدرة الغابة على امتصاص الكربون لسنوات طويلة.
من خسائر القطع إلى تهديد الحرائق
شهد القرن العشرون تراجعًا كبيرًا في مساحة الغابات العتيقة بسبب قطع الأشجار.
لكن منذ عام 2000، أصبحت حرائق الغابات التهديد الأكبر، حيث فقدت الأراضي الفيدرالية:
-
2.6 مليون فدان من الغابات الناضجة
-
700 ألف فدان من الغابات العتيقة
وترتبط هذه الخسائر بزيادة الحرائق البشرية، وارتفاع درجات الحرارة، وتفاقم الجفاف بفعل تغير المناخ.
خرائط المخاطر طريق الحماية
يرى الباحثون أن حماية الغابات العتيقة تبدأ بتحديد مناطق الخطر بدقة، عبر دمج البيانات الجغرافية مع علم بيئة الحرائق، وتؤكد ميغ كراوتشوك:
«إخماد الحرائق ترك الغابات التي كانت مقاومة للنار أكثر عرضة للخطر اليوم. نحتاج إلى إدارة ذكية تعيد التوازن الطبيعي».
الرسالة الأساسية للدراسة واضحة: لا يمكن حماية الغابات العتيقة بسياسة واحدة للجميع.
بعض المناطق تحتاج فقط إلى حماية، وأخرى تتطلب استعادة نشطة، بينما قد تصبح ملاذات النار حجر الأساس لاستدامة الغابات في عالم أكثر حرارة.





