زراعة تحت الأرض.. مناجم بريطانيا المهجورة تتحول إلى مزارع لمواجهة أزمة الغذاء
على عمق 1.1 كيلومتر.. بريطانيا تزرع الخس والبوك تشوي داخل منجم مهجور
في تجربة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال العلمي، يتجه باحثون في بريطانيا إلى باطن الأرض بحثًا عن مستقبل جديد للزراعة، عبر تحويل المناجم إلى بيئات إنتاج غذائي قادرة على توفير محاصيل طازجة بعيدًا عن تقلبات الطقس والجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
وعلى عمق يصل إلى نحو 1.1 كيلومتر تحت سطح الأرض في منجم بولبي بمقاطعة شمال يوركشاير، يختبر فريق بحثي إمكانية زراعة الخس و«بوك تشوي» ومحاصيل أخرى داخل أنفاق ومختبرات عميقة، في مشروع قد يفتح بابًا جديدًا أمام الزراعة البريطانية ويقدم نموذجًا قابلًا للتطوير في مواجهة تحديات الأمن الغذائي.
المشروع لا يستهدف إنشاء بديل كامل للزراعة التقليدية، وإنما يبحث عن المحاصيل والظروف التي يمكن أن تكون الزراعة في بيئة محكومة أكثر ملاءمة لها.
ويعمل الباحثون داخل منشآت علمية تابعة لمختبر بولبي تحت الأرض، حيث يمكن التحكم في ظروف النمو بدرجة أكبر من الزراعة المكشوفة، بما يشمل البيئة ودرجات الحرارة والإضاءة والري.
ويأمل العلماء في إثبات إمكانية إنتاج محاصيل متجانسة وقابلة للتسويق على نطاق تجاري، مع الاستفادة من البنية التحتية القائمة للمناجم وتقليل بعض تكاليف الطاقة المرتبطة بالمزارع العمودية التقليدية.
الفكرة الأساسية بسيطة لكنها طموحة: إذا كانت الأراضي الزراعية تتعرض لضغوط متزايدة، فلماذا لا نستغل المساحات الموجودة بالفعل تحت الأرض لإنتاج جزء من غذائنا؟
أزمة الغذاء لم تعد تهديدًا بعيدًا
يرى الباحثون أن الحاجة إلى أفكار جديدة لمواجهة أزمة الغذاء أصبحت أكثر إلحاحًا مع تصاعد آثار تغير المناخ.
وتشير تقديرات المشروع إلى أن العالم سيحتاج إلى زيادة إنتاج الغذاء بصورة كبيرة خلال العقود المقبلة لتلبية احتياجات السكان المتزايدة، في وقت تتعرض فيه الزراعة لضغوط متنامية نتيجة الجفاف وموجات الحر وتدهور الموارد الطبيعية.
وتقدم بريطانيا نفسها مثالًا واضحًا على هذه الضغوط؛ فقد أدى الصيف شديد الحرارة والجفاف إلى تضرر محاصيل زراعية ونفوق أو تراجع مصادر العلف الطبيعي للماشية في بعض المناطق، ما دفع المزارعين إلى الاعتماد على الأعلاف الشتوية في وقت مبكر.
وهنا تظهر الزراعة تحت الأرض باعتبارها إحدى الوسائل المحتملة لتقليل اعتماد الإنتاج الغذائي على الظروف الجوية المتقلبة.
ميزة المناخ المستقر
إحدى أهم نقاط القوة في الزراعة تحت الأرض هي البيئة المستقرة نسبيًا مقارنة بالسطح.
فالمزارع التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على الطقس، بينما يمكن داخل المنشآت المغلقة التحكم في العديد من العوامل التي تؤثر على نمو النبات.
وهذا يعني إمكانية إنتاج بعض المحاصيل على مدار العام، وتقليل تأثير موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة والرياح والعواصف.
لكن الميزة الأهم أن هذا النوع من الزراعة يمكن أن يقلل الحاجة إلى مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، وهي مورد يتعرض لضغوط متزايدة بسبب التوسع العمراني وتغير المناخ وتدهور التربة.

منجم بولبي.. من استخراج المعادن إلى إنتاج الغذاء
يقع المشروع داخل منشأة علمية في منجم بولبي بشمال يوركشاير، وهو منجم لا يزال يعمل، ويعد منتجًا تجاريًا مهمًا لمعدن «البولي هاليت» المستخدم في صناعة الأسمدة الزراعية.
لكن أعماق المنجم تستضيف في الوقت نفسه أنشطة بحثية متقدمة، ما يجعل الموقع نموذجًا غير تقليدي للجمع بين التعدين والعلوم والزراعة والتكنولوجيا.
ويهبط الباحثون إلى مواقع التجارب باستخدام مصعد يعود إلى أكثر من نصف قرن، في رحلة تستغرق نحو ثماني دقائق للوصول إلى أعماق المختبرات.
وهناك، بعيدًا عن ضوء الشمس والظروف الجوية الخارجية، تنمو النباتات داخل أبراج زراعية رأسية في بيئة تخضع لرقابة دقيقة.
الخس يتحدى عمق الأرض
أظهرت التجارب نتائج متفاوتة حتى الآن.
فبعض المحاصيل نمت بصورة لافتة، ووصل حجم بعض رؤوس الخس إلى أحجام كبيرة للغاية، بينما جاءت نتائج محاصيل أخرى أقل نجاحًا.
لكن الباحثين ينظرون إلى هذه النتائج باعتبارها جزءًا طبيعيًا من مرحلة التجريب، إذ لا يزال المشروع في بداياته ويهدف إلى تحديد أفضل التقنيات والظروف اللازمة لرفع كفاءة الإنتاج.
وتستمر الدراسة لمدة 12 شهرًا، مع خطط لاختبار محاصيل أخرى، من بينها الطماطم والساليكورنيا، أو ما يعرف بنبات «الهليون البحري».
والهدف النهائي ليس إثبات أن كل المحاصيل يمكن زراعتها تحت الأرض، وإنما تحديد المحاصيل التي تحقق أفضل عائد في هذه البيئة.

هل تنافس الزراعة التقليدية؟
الباحثون لا يرون أن المزارع الموجودة تحت الأرض ستلغي الزراعة التقليدية.
بل على العكس، يؤكد المشروع أن الزراعة في البيئات المحكومة يمكن أن تعمل إلى جانب الزراعة التقليدية، عبر التركيز على المحاصيل التي تحقق فيها هذه التكنولوجيا ميزة واضحة.
وهذا يفتح الباب أمام نموذج هجين للزراعة المستقبلية، يجمع بين الحقول المفتوحة والمزارع العمودية والمنشآت المغلقة والمزارع تحت الأرض.
وقد تصبح الزراعة تحت الأرض أكثر أهمية في المدن والمناطق التي تعاني ندرة الأراضي أو المياه أو الظروف المناخية القاسية.

إعادة استخدام المناجم المهجورة
الميزة الأخرى للمشروع لا تتعلق بالغذاء وحده.
فبريطانيا تمتلك آلاف المناجم والمنشآت الصناعية التي فقدت وظيفتها الأصلية، ما يطرح سؤالًا مهمًا حول إمكانية إعادة استخدامها بدلًا من تركها مهجورة.
تحويل جزء من هذه المنشآت إلى مزارع يمكن أن يخلق وظائف جديدة، ويعيد النشاط الاقتصادي إلى مناطق تضررت من تراجع الصناعات التقليدية، كما يمكن أن يقرب إنتاج الغذاء من المجتمعات التي تعاني ضعف الوصول إلى المنتجات الطازجة.
وبذلك يمكن للمشروع أن يجمع بين الأمن الغذائي والتنمية المحلية وإعادة تأهيل الأصول الصناعية.
الزراعة في عصر تغير المناخ
أهمية التجربة تتجاوز حدود بريطانيا، خصوصًا أن الزراعة العالمية تواجه مجموعة متشابكة من التحديات.
الجفاف يهدد المحاصيل، وارتفاع درجات الحرارة يؤثر على الإنتاجية، وتغير أنماط الأمطار يزيد مخاطر الفيضانات، بينما تتزايد المنافسة على المياه والأراضي الزراعية.
وفي هذه البيئة، لم يعد السؤال فقط: كيف ننتج المزيد من الغذاء؟
بل أصبح: كيف ننتج المزيد من الغذاء باستخدام موارد أقل، وفي ظل مناخ أكثر اضطرابًا؟
وهنا يمكن أن تصبح البيئات الزراعية المحكومة جزءًا من الإجابة، إلى جانب تحسين كفاءة الري، وتطوير الأصناف المقاومة للحرارة والجفاف، والزراعة الدقيقة، والطاقة المتجددة، وتقنيات تقليل فاقد الغذاء.

التحدي الحقيقي: الطاقة والتكلفة
رغم الإمكانات الكبيرة للفكرة، فإن تحويل المناجم إلى مزارع تجارية على نطاق واسع لن يكون مهمة سهلة.
فالزراعة داخل منشآت مغلقة تحتاج إلى إضاءة صناعية وأنظمة تحكم وتهوية ومياه وطاقة، ما يعني أن تكلفة الطاقة ستظل عاملًا حاسمًا في الجدوى الاقتصادية.
ولهذا يركز الباحثون على معرفة ما إذا كانت البنية التحتية والظروف المستقرة تحت الأرض يمكن أن تمنح هذه المزارع ميزة مقارنة بالمزارع العمودية الموجودة على السطح.
إذا نجحت التجارب في إنتاج محاصيل ذات جودة تجارية باستخدام طاقة أقل وتكاليف قابلة للمنافسة، فقد تنتقل الفكرة من مختبر تجريبي إلى نموذج تجاري قابل للتوسع.
من «مخزن مهجور» إلى مورد استراتيجي
تكشف تجربة بولبي عن تحول أوسع في مفهوم الموارد.
فالمستقبل لن يعتمد فقط على اكتشاف أراضٍ جديدة للزراعة، بل قد يعتمد أيضًا على إعادة تعريف استخدام المساحات القائمة.
الأنفاق والمناجم والمباني الصناعية المهجورة قد تتحول إلى مواقع للإنتاج الغذائي، ومراكز للطاقة، ومنشآت للتخزين، أو منصات للتكنولوجيا والبحث العلمي.
وهذا النوع من إعادة الاستخدام يمكن أن يقلل الضغط على الأراضي الطبيعية، ويحد من التوسع العمراني على حساب المناطق الزراعية، ويمنح المجتمعات المحلية مصادر جديدة للنشاط الاقتصادي.

هل هذه هي ملامح مزرعة المستقبل؟
لا تزال الإجابة مبكرة.
فالمشروع البريطاني في بولبي تجربة بحثية، ولا يمكن حتى الآن اعتباره بديلًا جاهزًا للزراعة التقليدية أو حلًا منفردًا لأزمة الغذاء العالمية.
لكن أهميته تكمن في أنه يختبر فكرة كانت تبدو غير مألوفة: أن إنتاج الغذاء لا يجب أن يكون محصورًا في سطح الأرض.
ومع استمرار تغير المناخ وتراجع بعض الموارد الزراعية وارتفاع الطلب على الغذاء، قد يصبح استغلال البيئات غير التقليدية جزءًا من استراتيجية أوسع لضمان الأمن الغذائي.
في النهاية، قد لا تكون مزارع المستقبل مجرد حقول واسعة تمتد تحت الشمس، بل مزيجًا من الحقول الذكية والمزارع العمودية والمنشآت المغلقة والمساحات الموجودة تحت الأرض.
ففي الوقت الذي يزداد فيه الضغط على الأرض والمياه والمناخ، ربما يكون جزء من مستقبل الغذاء موجودًا بالفعل تحت أقدامنا.
Share
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky





