أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

التوقيت القياسي طوال العام الأكثر ملاءمة للنوم والمزاج والتعلم ولعمل الساعة البيولوجية

ضوء الصباح كلمة السر.. التوقيت الصيفي يربك الساعة البيولوجية.. وهذه الفئة الأكثر تأثرًا

لا يضيف التوقيت الصيفي دقيقة واحدة إلى ساعات النهار، وإنما ينقل ساعة من ضوء الصباح إلى المساء، وهو تغيير قد يبدو جذابًا في أشهر الصيف، لكنه يصبح أكثر تأثيرًا خلال الشتاء عندما يتأخر شروق الشمس.

وتشير مراجعة جديدة للأبحاث المتعلقة بالتوقيت والصحة إلى أن الإبقاء على التوقيت القياسي طوال العام قد يكون الخيار الأفضل لصحة النوم والمزاج والأداء التعليمي، بسبب أهمية ضوء الصباح في ضبط الساعة البيولوجية للجسم.

وقاد الدراسة ريموند لام، أستاذ الطب النفسي بجامعة كولومبيا البريطانية في كندا، بالتعاون مع باحثين في علم النفس والاقتصاد والصحة العامة.

ولم تكن الدراسة تجربة جديدة على البشر، وإنما مراجعة للأبحاث المتاحة بهدف مساعدة الحكومات الكندية في تقييم الخيار الأنسب عند إلغاء تغيير الساعة مرتين سنويًا.

ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Canadian Medical Association Journal.

وقال لام إن إنهاء تغيير الساعة يحل مشكلة، لكنه يطرح سؤالًا آخر: أي توقيت ينبغي أن تعيش عليه المجتمعات طوال العام؟

كندا أمام قرار بشأن الساعة

تبحث عدة مقاطعات وأقاليم كندية مستقبل نظام تغيير الساعة مرتين سنويًا. وانتقل إقليم يوكون إلى التوقيت الصيفي الدائم عام 2020، بينما تبعتْه كولومبيا البريطانية في مارس 2026، ثم ألبرتا والأقاليم الشمالية الغربية بعد شهر.

وفي يوليو 2026، أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يقضي بتطبيق التوقيت الصيفي الدائم في الولايات المتحدة، وهو الآن أمام مجلس الشيوخ. ويرى مؤلفو الدراسة أن إقرار القانون قد يزيد الضغوط على كندا لاتخاذ مسار مماثل.

لكن سكان المدن الشمالية سيلاحظون الفارق بوضوح خلال الشتاء.

ففي فانكوفر، يحدث شروق الشمس الأحدث في العام عند الساعة 8:08 صباحًا وفق التوقيت القياسي، بينما سيتأخر إلى 9:08 صباحًا إذا طُبق التوقيت الصيفي طوال العام. وهذا يعني أن كثيرًا من الأشخاص قد يستيقظون ويتوجهون إلى المدارس أو أماكن العمل في الظلام.

وليس هذا السيناريو جديدًا تمامًا. فقد طبقت الولايات المتحدة التوقيت الصيفي طوال العام عام 1974 خلال أزمة النفط، لكنها تخلت عنه قبل نهاية العام، وسط اعتراضات على الصباحات الشتوية المظلمة ومخاوف بشأن ذهاب الأطفال إلى المدارس قبل شروق الشمس.

كما طبقت روسيا التوقيت الصيفي الدائم عام 2011 ثم عادت عنه عام 2014، بينما تراجعت تشيلي عن تغييرها الوطني الذي بدأ عام 2015.

ضوء الصباح يضبط الساعة البيولوجية

يمتلك جسم الإنسان ساعة داخلية تنظم النوم واليقظة والعديد من الوظائف الحيوية على مدار اليوم، ويطلق العلماء عليها اسم الساعة اليومية أو الساعة البيولوجية (Circadian Clock).

وتستغرق دورة هذه الساعة لدى معظم الأشخاص نحو 24.2 ساعة، أي أنها أبطأ قليلًا من دورة اليوم التي تبلغ 24 ساعة.
ويعمل ضوء النهار على ضبط هذه الساعة باستمرار؛ إذ يدفعها ضوء الصباح إلى التقدم، بينما يدفعها الضوء المسائي إلى التأخر.

ويقول رالف ميستلبرجر، أستاذ علم النفس بجامعة سايمون فريزر وأحد مؤلفي الدراسة، إن ضوء الصباح يساعد على منع الساعة البيولوجية من الانجراف تدريجيًا نحو وقت متأخر.

وأوضح، أن تأخر وصول الضوء الصباحي يؤدي بدوره إلى تأخر الساعة البيولوجية، ما يخلق عدم توافق بين التوقيت البيولوجي والتوقيت الاجتماعي، وهي ظاهرة تعرف باسم “اضطراب الرحلات الاجتماعية” أو Social Jetlag.

ويجعل هذا الاختلال البقاء مستيقظًا لوقت متأخر أسهل، لكنه يجعل الاستيقاظ المبكر أكثر صعوبة، وقد يؤدي إلى انخفاض مزمن في مدة النوم خلال أيام الدراسة أو العمل.

وترتبط هذه الحالة، وفق دراسات رصدية، بفقدان النوم وتدهور الصحة النفسية وزيادة بعض المخاطر الأيضية وصعوبات التفكير والتركيز.

لكن هذه الدراسات تعتمد في جانب كبير منها على الملاحظة والمقارنة، ولذلك لا تثبت وحدها أن تغير التوقيت هو السبب المباشر لكل هذه النتائج.

ويرى مؤلفو المراجعة أن التوقيت الصيفي الدائم قد يزيد المشكلة خلال الشتاء، لأنه يؤخر وصول ضوء الصباح، وفي الوقت نفسه يضيف مزيدًا من الضوء إلى المساء.

الصباح المظلم والمزاج الشتوي

يبرز تأثير محتمل آخر في الصحة النفسية، ولا سيما خلال الشتاء، وتشير المراجعة إلى أن نحو 1% إلى 3% من الكنديين يعانون اضطرابًا عاطفيًا موسميًا، وهو نوع من الاكتئاب يتكرر خلال فصل الشتاء، بينما يعاني ما يصل إلى 15% من تغيرات موسمية أكثر اعتدالًا في المزاج والنوم والشهية والطاقة.

وتظهر بعض هذه التأثيرات، مثل تراجع النوم والتركيز والطاقة وتقدير الذات، بصورة أوضح بين المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عامًا.

ويُعتقد أن أحد التفسيرات الرئيسية للاكتئاب الشتوي يرتبط بتأخر الساعة البيولوجية. ومن بين العلاجات المستخدمة العلاج بالضوء الساطع في الصباح، الذي يساعد على تقديم الساعة البيولوجية إلى وقت أبكر.

وبحسب مؤلفي المراجعة، فإن تطبيق التوقيت الصيفي طوال العام قد يعمل في الاتجاه المعاكس، لأنه يؤخر وصول ضوء الصباح الطبيعي.

وتشير مقارنات جغرافية إلى أن الاضطراب العاطفي الموسمي يصبح أكثر شيوعًا كلما اتجه السكان شمالًا، مع زيادة تقدر بنحو 0.2% لكل درجة من خطوط العرض.

كما وجدت دراسة أمريكية أن المقاطعات الواقعة في الجانب الغربي من المناطق الزمنية، حيث تشرق الشمس في وقت متأخر وفق الساعة الرسمية، سجلت في المتوسط ما يصل إلى حالتي وفاة إضافيتين بالانتحار لكل 100 ألف شخص سنويًا مقارنة بالمناطق الواقعة في الجانب الشرقي.

وهذه النتائج، مثل غيرها من المقارنات الجغرافية، لا تثبت بمفردها أن التوقيت هو السبب الوحيد وراء الفروق المسجلة.

ساعة إضافية من الضوء مساءً قد تكون لها كلفة

لا تقتصر القضية على النوم والمزاج، إذ تربط بعض الدراسات بين توقيت غروب الشمس والنوم والدخل والأداء الدراسي.

فقد وجدت إحدى الدراسات الأمريكية أن تأخر غروب الشمس ساعة واحدة ارتبط بانخفاض النوم الأسبوعي بنحو ساعة تقريبًا، وانخفاض الدخل على المدى الطويل بنحو 5%.

كما كان دخل العاملين في الجانب الذي يتأخر فيه غروب الشمس من المناطق الزمنية أقل بنحو 3.5% من دخل العاملين على الجانب الآخر من الحدود الزمنية، حيث تغيب الشمس في وقت أبكر.

وفي مدارس تقع على جانبي منطقة زمنية في فلوريدا، ارتبطت زيادة ساعة من ضوء الشمس قبل بدء الدراسة بارتفاع درجات المراهقين في الرياضيات والقراءة، وكان حجم التأثير مشابهًا لتأثير تقليص حجم الفصل الدراسي بصورة ملموسة.

لكن للتوقيت الصيفي الدائم فوائد محتملة أيضًا، فالمساء الأكثر إضاءة يوفر وقتًا أطول لممارسة الأنشطة الخارجية والتواصل الاجتماعي والتسوق بعد انتهاء العمل أو الدراسة، كما تشير البيانات إلى أن الإنفاق في قطاع التجزئة يميل إلى الانخفاض عندما تعود الساعات إلى التوقيت القياسي في الخريف.

وقال باتريك بايليس، الأستاذ المشارك في كلية فانكوفر للاقتصاد بجامعة كولومبيا البريطانية، إن جاذبية التوقيت الصيفي الدائم مفهومة، لأن الناس يفضلون وجود ضوء إضافي بعد العمل والدراسة، لكن هذه الفوائد المسائية يجب موازنتها مع الأدلة التي تربط التأخر في التوقيت الشمسي بانخفاض النوم والإنتاجية والأداء التعليمي.

ويرى الباحثون، أن جزءًا كبيرًا من هذه الأدلة يأتي من مقارنة مناطق متجاورة، وليس من تجارب محكمة، ولذلك فإن قوة الدليل ليست متساوية في جميع النتائج.

ومع ذلك، خلصت المراجعة إلى أن الأدلة المتعلقة بتكاليف التوقيت المتأخر على النوم والعمل والتعلم أكثر اتساقًا من الأدلة المتعلقة بفوائد المساء المضيء.

المراهقون قد يكونون الأكثر تأثرًا

لن يتأثر جميع الأشخاص بالصباحات المظلمة بالدرجة نفسها، ومن المرجح أن تكون التأثيرات أكبر لدى الأشخاص الذين يبدأون العمل أو الدراسة في وقت مبكر، وكذلك مقدمي الرعاية، والأشخاص الذين يعتمدون على المشي أو ركوب الدراجات أو وسائل النقل العام، وسكان المناطق الريفية أو منخفضة الدخل التي تفتقر إلى إضاءة جيدة في الشوارع.

ويواجه المراهقون مشكلة إضافية؛ فمرحلة البلوغ تؤدي طبيعيًا إلى تأخر توقيت النوم، بينما تستمر المدارس في بدء اليوم الدراسي في ساعات مبكرة.

وقال ميستلبرجر، إن الأطفال في سن المدرسة وطلاب المدارس الثانوية يمثلون الفئة التي تثير لديه أكبر قدر من القلق، لأن أي انخفاض في نوم المراهقين نتيجة اضطراب التوقيت الاجتماعي قد ينعكس سلبًا على الأداء الأكاديمي والتطور الاجتماعي.

كيف يمكن تعويض نقص ضوء الصباح؟

يقترح الباحثون بعض الإجراءات العملية للأشخاص الذين يضطرون إلى الاستيقاظ قبل شروق الشمس.

ومن بينها استخدام إضاءة صناعية ساطعة في الصباح، ويفضل أن تكون قريبة من ضوء النهار أو غنية بالطيف الأزرق، للمساعدة في تعويض غياب الضوء الطبيعي.

وفي المقابل، يُنصح باستخدام إضاءة أكثر خفوتًا ودفئًا في المساء، لأن الضوء الساطع ليلًا يمكن أن يؤخر الساعة البيولوجية.

ويمكن للمدارس وأماكن العمل تطبيق المبدأ نفسه من خلال أنظمة إضاءة تكون أكثر سطوعًا وبرودة في الصباح، ثم تتحول إلى إضاءة أكثر دفئًا وخفوتًا في وقت لاحق من اليوم.

ويرى ميستلبرجر، أن أنظمة الإضاءة الذكية قد تكون مفيدة بصورة خاصة في المدارس.

ماذا يجب مراقبته بعد تغيير التوقيت؟

يرى الباحثون أن اعتماد التوقيت القياسي الدائم يتطلب تغييرات أقل نسبيًا، إذ يمكن مثلًا استخدام ستائر حاجبة للضوء للتعامل مع شروق الشمس المبكر في الصيف.

أما التوقيت الصيفي الدائم، فيتطلب استعدادًا أكبر لفصل الشتاء، مثل تحسين إضاءة الشوارع، واستخدام الأطفال ملابس أو أدوات عاكسة للضوء أثناء التنقل، وتدريب العاملين في القطاع الصحي على رصد أي ارتفاع محتمل في مشكلات النوم والمزاج.

وقالت ألكسندرا تشوي، المسؤولة الطبية في هيئة الصحة الساحلية في فانكوفر، إنه إذا اختارت الحكومات التوقيت الصيفي الدائم، فعليها الاستعداد لتبعاته قبل حلول الشتاء الأول، بما يشمل سلامة التنقل صباحًا، ومرونة أوقات بدء الدراسة والعمل، ومراقبة النوم والصحة النفسية والإصابات.

ويرغب ميستلبرجر في مراقبة أعداد حوادث المرور الصباحية التي تشمل الأطفال والمراهقين، ومقارنتها بالفترة نفسها من السنوات السابقة عندما كان التوقيت القياسي معمولًا به، إلى جانب دراسة توقيت النوم والاكتئاب الموسمي.

أما الآثار المحتملة على أمراض القلب والاضطرابات الأيضية ومعدلات الوفاة، فقد تحتاج إلى سنوات حتى تظهر بوضوح، لأنها تتطلب دراسات طويلة الأجل وعلى أعداد كبيرة من السكان.

كولومبيا البريطانية أمام أول اختبار شتوي

انتقلت كولومبيا البريطانية إلى النظام الجديد في مارس 2026، ما يعني أن أول شتاء كامل تحت التوقيت الجديد لم يأتِ بعد.

ويرى مؤلفو المراجعة أن على المقاطعات الكندية استغلال هذا الشتاء باعتباره فرصة لجمع بيانات حقيقية، تشمل الغياب المدرسي، والإصابات، وزيارات الصحة النفسية، وأنماط النوم، مع تحليلها وفق العمر والدخل والموقع الجغرافي.

ويتيح هذا الرصد تقييم ما إذا كانت المخاوف النظرية بشأن الصباحات المظلمة تظهر بالفعل على أرض الواقع، بدل الاكتفاء بنتائج الدراسات السابقة.

وبذلك، فإن اختيار التوقيت الذي ستعيش عليه المجتمعات طوال العام لا يتعلق فقط بما إذا كان الناس يفضلون ضوءًا أطول بعد العمل، وإنما أيضًا بموعد وصول الضوء إلى العين في بداية اليوم، وكيف يتفاعل ذلك مع الساعة البيولوجية والنوم والدراسة والعمل.الساعة البيولوجية

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة