التلوين على الهاتف قد يساعد طلاب الجامعات على خفض التوتر وتحسين الرفاه
ليس كل وقت أمام الشاشة ضارًا.. التلوين الرقمي قد يخفف التوتر والقلق
قد تحمل الحياة الجامعية قدرًا كبيرًا من الحرية والاستقلال، لكنها قد تكون أيضًا مصدرًا للتوتر والضغط النفسي، خصوصًا للطلاب الذين يعيشون بعيدًا عن منازلهم للمرة الأولى، ويتعاملون مع مواعيد تسليم المهام، وروتين جديد، وتغيرات في شبكة الدعم الاجتماعي المعتادة.
وفي ظل ذلك، تصبح الوسائل البسيطة لدعم الصحة النفسية جديرة بالاختبار، خاصة إذا كانت سهلة الاستخدام ومتاحة للطلاب دون تكلفة كبيرة.
وتشير نتائج جديدة إلى أن التلوين اليقظ، سواء باستخدام الورق والأقلام أو عبر الشاشات، قد يمثل أحد الخيارات التي تساعد بعض طلاب الجامعات على خفض التوتر ودعم الصحة النفسية.
التلوين يتحول إلى ممارسة للوعي
ويقصد بالتلوين اليقظ التركيز على عملية التلوين نفسها، بحيث ينتبه الشخص إلى ما يقوم به، وإذا شرد ذهنه، يعيد انتباهه بلطف إلى الصورة والمهمة التي يؤديها.
وربطت دراسات سابقة بين التلوين وانخفاض القلق وزيادة الشعور بالهدوء، إلا أن العديد من هذه الدراسات اختبر تأثير جلسة واحدة فقط.
أما الدراسة الجديدة، فنظرت إلى ما يحدث عندما يمارس الطلاب التلوين بصورة منتظمة على مدار أسبوعين.
ونُشرت الدراسة في Journal of Mental Health.

هل يمكن للشاشة أن تقدم الفائدة نفسها؟
قاد الدراسة الدكتورة إيما بالمر كوبر، الأستاذة المشاركة في علم النفس بجامعة ساوثهامبتون، حيث أراد فريقها أيضًا معرفة ما إذا كان التلوين الرقمي يمكن أن يحقق نتائج مشابهة للتلوين باستخدام الأقلام والورق.
وقالت بالمر كوبر إن الأبحاث غالبًا ما تركز على العواقب السلبية لاستخدام الأجهزة المحمولة، إلا أن تأثير وقت الشاشة يختلف باختلاف النشاط الذي يمارسه المستخدم.
وأوضحت أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو ارتبط في بعض الأبحاث بنتائج سلبية على الصحة النفسية، لكن التركيز على هذه الجوانب قد يؤدي إلى تجاهل الفوائد المحتملة لاستخدام الأجهزة الرقمية في أنشطة تشجع على اليقظة الذهنية.
297 طالبًا شاركوا في الدراسة
شملت التحليلات النهائية 297 طالبًا جامعيًا في تخصص علم النفس، تراوحت أعمارهم بين 18 و26 عامًا.
وضمت مجموعة التلوين الورقي 134 طالبًا، بينما ضمت مجموعة التلوين الرقمي 163 طالبًا، وكانت غالبية المشاركين من النساء.
وأكمل الطلاب ما لا يقل عن ست جلسات من التلوين اليقظ على مدار أسبوعين، واستمرت كل جلسة لمدة 10 دقائق على الأقل، مع مطالبتهم بممارسة التلوين ثلاث مرات أسبوعيًا على الأقل.
وفي مجموعة التلوين الورقي، تمكن المشاركون من استخدام واحدة من خمس أوراق تلوين على شكل ماندالا قدمها الباحثون، أو استخدام مواد التلوين الخاصة بهم.
أما المشاركون في المجموعة الرقمية، فكان بإمكانهم استخدام تطبيق ماندالا يعمل عبر الويب، يتيح لهم اختيار مناطق مختلفة من الصورة وإضافة الألوان إليها، أو استخدام أدواتهم الرقمية الخاصة.
وأكمل الطلاب استبيانات قبل التجربة وبعدها لقياس مستويات التوتر والقلق وأعراض الاكتئاب واليقظة الذهنية وجودة الحياة.
التوتر كان أكثر الجوانب تحسنًا

أظهرت النتائج أن أكبر تغير ظهر في مستويات التوتر، وبعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار درجات المشاركين في بداية الدراسة وأعمارهم، انخفض متوسط درجة التوتر من 21.87 قبل ممارسة التلوين إلى 19.18 بعدها.
كما أبلغ الطلاب عن انخفاض أعراض الاكتئاب وتراجع مستويات القلق، في حين ارتفع متوسط درجات اليقظة الذهنية وجودة الحياة.
وقاس الباحثون نوعين من القلق؛ الأول هو قلق الحالة، ويشير إلى القلق الذي يشعر به الشخص في لحظة معينة، بينما يشير قلق السمة إلى الميل العام لدى الشخص للشعور بالقلق.
وكانت التغيرات متوسطة في مستويات التوتر وأعراض الاكتئاب وقلق السمة، بينما كانت التغيرات في اليقظة الذهنية وجودة الحياة أقل، وكان التغير في قلق الحالة صغيرًا.
الطلاب الذين بدأوا بحالة نفسية أسوأ حققوا تحسنًا أكبر
وجد الباحثون أن الطلاب الذين بدأوا الدراسة بمستويات أقل من الرفاه النفسي كانوا يميلون إلى الإبلاغ عن تحسن أكبر في نهاية التجربة، وظهر هذا النمط عبر جميع النتائج الرئيسية التي قاسها الفريق.
لكن الباحثين أكدوا أن ذلك لا يثبت أن التلوين كان السبب المباشر وراء التحسن الأكبر.
فالأشخاص الذين يبدأون بدرجات سيئة بصورة غير معتادة قد يحصلون في اختبار لاحق على درجات أقرب إلى مستوياتهم الطبيعية، وهي ظاهرة إحصائية معروفة باسم الانحدار نحو المتوسط، كما أن التغيرات الأخرى التي يمر بها الطلاب خلال حياتهم قد تؤثر أيضًا في النتائج.
كذلك، كان الطلاب الذين زادت لديهم اليقظة الذهنية بدرجة أكبر يميلون إلى الإبلاغ عن تحسن أكبر في الجوانب الأخرى، لكن التحليل لا يستطيع إثبات أن زيادة اليقظة الذهنية تسببت في انخفاض التوتر أو القلق أو أعراض الاكتئاب.
التلوين الرقمي والورقي حققا نتائج متشابهة
بوجه عام، أظهرت مجموعتا التلوين الرقمي والورقي تغيرات متقاربة، ولم يجد الفريق دليلًا مقنعًا على أن إحدى الطريقتين كانت أكثر فاعلية من الأخرى في تحسين التوتر أو أعراض الاكتئاب أو القلق أو جودة الحياة.
وبدا أن المشاركين الذين استخدموا الوسائل الرقمية حققوا تحسنًا أكبر في اليقظة الذهنية، لكن هذا الفرق لم يكن قويًا بما يكفي بعد استخدام قاعدة إحصائية أكثر صرامة تقلل احتمالية اعتبار النتائج العشوائية نتائج حقيقية.
وفي المقابل، حصل التلوين الورقي على تقييم أعلى قليلًا من حيث المتعة، بمتوسط بلغ 7.74 من 10، مقابل 7.39 من 10 للتلوين الرقمي.
ومن بين الطلاب الذين أكملوا البرنامج، قال 68% إنهم يعتزمون الاستمرار في ممارسة التلوين اليقظ.
وسيلة بسيطة قد تناسب الحياة الجامعية
قالت بالمر كوبر إن الانتقال إلى الجامعة يمكن أن يكون فترة صعبة بالنسبة إلى الشباب الذين يغادرون منازلهم وشبكات الدعم المعتادة، مشيرة إلى أن التلوين اليقظ يمكن أن يمثل، إلى جانب الدعم الذي تقدمه الجامعات، وسيلة منخفضة التكلفة وقابلة للتطبيق لتحسين الصحة النفسية، رغم أنه قد لا يكون مناسبًا أو جذابًا للجميع.
وأضافت أن الأجهزة الرقمية قد تكون أسهل وصولًا بالنسبة إلى الشباب مقارنة بالورق وأقلام التلوين.
وبما أن التلوين الرقمي حقق نتائج قريبة من التلوين الورقي، ترى الباحثة أن بعض الأنشطة التي تتم عبر الشاشات يمكن أن تدعم الرفاه النفسي بدلًا من أن تكون ضارة به.
قيود مهمة تحد من قوة النتائج
مع ذلك، توجد مجموعة من القيود المهمة التي يجب أخذها في الاعتبار عند تفسير نتائج الدراسة، وأبرز هذه القيود عدم وجود مجموعة ضابطة من الطلاب خضعت للفترة الزمنية نفسها البالغة أسبوعين دون ممارسة التلوين.
وبالتالي، لا يستطيع الباحثون تحديد مقدار التحسن الذي نتج عن التلوين نفسه.
كما جرى تجنيد مجموعتي التلوين الورقي والرقمي في أوقات مختلفة، بدلًا من توزيع المشاركين عشوائيًا على المجموعتين في الوقت نفسه.
وقد تكون هناك اختلافات مرتبطة بالتقويم الدراسي أو بخصائص مجموعات الطلاب نفسها أثرت في المقارنة.
وشهدت الدراسة أيضًا معدل انسحاب مرتفعًا؛ إذ وافق 843 شخصًا في البداية على المشاركة، لكن 297 فقط استوفوا المتطلبات وأكملوا التدخل والتقييم اللاحق.
وكانت العينة محدودة أيضًا، إذ كان جميع المشاركين من طلاب علم النفس في جامعة واحدة، وكانت غالبية المشاركين من النساء.
كما استمر التدخل أسبوعين فقط، ولذلك لا تستطيع الدراسة تحديد ما إذا كانت التغيرات ستستمر لأشهر أو ما إذا كانت النتائج ستظهر بالطريقة نفسها لدى فئات سكانية أخرى.
نوع النشاط على الشاشة قد يكون هو العامل الأهم
لا تظهر النتائج أن وقت الشاشة مفيد للصحة النفسية بصورة عامة، لكنها تشير إلى أن نوع النشاط الذي يمارسه الشخص عبر الشاشة قد يكون عاملًا مهمًا.
فالتلوين الرقمي اليقظ ارتبط بتغيرات مشابهة تقريبًا لتلك التي ظهرت لدى الطلاب الذين استخدموا الورق.
وقد يكون التلوين الرقمي أسهل من حيث الوصول إليه، إذ يمكن ممارسته باستخدام الهاتف أو الجهاز اللوحي أو الكمبيوتر دون الحاجة إلى الورق وأقلام التلوين.
وهذا قد يجعله خيارًا عمليًا للجامعات التي تبحث عن وسائل بسيطة يمكن للطلاب استخدامها بأنفسهم لدعم صحتهم النفسية.
ومع ذلك، لا يمثل التلوين اليقظ بديلًا عن خدمات الدعم النفسي الأوسع، كما أنه قد لا يكون مناسبًا لجميع الطلاب.
وبالنسبة إلى الطلاب الذين يستمتعون بهذا النشاط، قد توفر جلسات قصيرة من التلوين وسيلة بسيطة لتخصيص وقت للتركيز والهدوء خلال الأسابيع الدراسية المزدحمة.





